عرض مشاركة واحدة
  #327  
قديم 31-08-2022, 12:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,595
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ الْحِجْرِ

الحلقة (327)
صــ 373 إلى صــ 380






[ ص: 373 ] وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام

قوله تعالى : " وقد مكروا مكرهم " في المشار إليهم أربعة أقوال :

أحدها : أنه نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه ، قال : لا أنتهي حتى أنظر إلى السماء ، فأمر بفرخي نسر فربيا حتى سمنا واستعلجا ، ثم أمر بتابوت فنحت ، ثم جعل في وسطه خشبة ، وجعل على رأس الخشبة لحما شديد الحمرة ، ثم جوعهما وربط أرجلهما بأوتار إلى قوائم التابوت . ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق بابه ، ثم أرسلهما ، فجعلا يريدان اللحم ، فصعدا في السماء ما شاء الله ، ثم قال لصاحبه : افتح وانظر ماذا ترى ؟ ففتح ، فقال : أرى الأرض كأنها الدخان ، فقال له : أغلق ، ثم صعد ما شاء الله ، ثم قال : افتح فانظر ، ففتح ، فقال : ما أرى إلا السماء ، وما نزداد منها إلا بعدا ، قال : فصوب خشبتك ، فصوبها ، فانقضت النسور تريد اللحم ، فسمعت الجبال هدتها ، فكادت تزول عن مراتبها . هذا قول علي بن أبي طالب . وفي رواية عنه : كانت النسور أربعة . وروى السدي عن أشياخه : أنه مازال يصعد إلى أن رأى الأرض يحيط بها بحر ، فكأنها فلكة في ماء ، ثم صعد حتى وقع في ظلمة ، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ، ففزع ، فصوب اللحم ، فانقضت النسور ، فلما نزل أخذ في بناء الصرح . ثم صعد منه مع النسور ، فلما لم يقدر على السماء ، اتخذه حصنا ، فأتى الله بنيانه من القواعد . وقال عكرمة : كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب ، فرمى بسهم فعاد إليه ملطخا بالدم ، فقال : كفيت إله السماء ، وذلك من دم سمكة في بحر معلق في الهواء ، فلما هاله الارتفاع ، [ ص: 374 ] قال لصاحبه : صوب الخشبة ، فصوبها ، فانحطت النسور ، فظنت الجبال أنه أمر نزل من السماء فزالت عن مواضعها . وقال غيره : لما رأت الجبال ذلك ، ظنت أنه قيام الساعة ، فكادت تزول ، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير ، وأبو مالك .

والقول الثاني : أنه بختنصر ، وأن هذه القصة له جرت ، وأن النسور لما ارتفعت تطلب اللحم إلى حيث شاء الله ، نودي : يا أيها الطاغية ، أين تريد ؟ ففرق ، ثم سمع الصوت فوقه ، فنزل ، فلما رأت الجبال ذلك ، ظنت أنه قيام الساعة فكادت تزول ، وهذا قول مجاهد .

والثالث : أن المشار إليهم الأمم المتقدمة . قال ابن عباس ، وعكرمة : مكرهم : شركهم .

والرابع : أنهم الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم حين هموا بقتله وإخراجه .

وفي قوله : " وعند الله مكرهم " قولان :

أحدهما : أنه محفوظ عنده حتى يجازيهم به ، قاله الحسن ، وقتادة . والثاني : وعند الله جزاء مكرهم .

قوله تعالى : " وإن كان مكرهم " وقرأ أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي ، وابن عباس ، وعكرمة ، وأبو العالية : " وإن كاد مكرهم " بالدال . " لتزول منه الجبال " . وقرأ الأكثرون " لتزول " بكسر اللام الأولى من " لتزول " وفتح الثانية . أراد : وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، أي : هو أضعف وأوهن ، كذلك فسرها الحسن البصري . وقرأ الكسائي " لتزول " بفتح اللام الأولى وضم الثانية ، أراد : قد كادت الجبال تزول من مكرهم ، كذلك فسرها ابن الأنباري .

وفي المراد بالجبال قولان :

أحدهما : أنها الجبال المعروفة ، قاله الجمهور .

والثاني : أنها ضربت مثلا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وثبوت دينه كثبوت الجبال [ ص: 375 ] الراسية ، والمعنى : لو بلغ كيدهم إلى إزالة الجبال ، لما زال أمر الإسلام ، قاله الزجاج . قال أبو علي : ويدل على صحة هذا قوله : " فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله " أي : فقد وعدك الظهور عليهم . قال ابن عباس : يريد بوعده : النصر والفتح وإظهار الدين . " إن الله عزيز " أي : منيع " ذو انتقام " من الكافرين ، وهو أن يجازيهم بالعقوبة على كفرهم .
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار

قوله تعالى : " يوم تبدل الأرض غير الأرض " وروى أبان " يوم نبدل " بالنون وكسر الدال " الأرض " بالنصب ، " والسموات " بخفض التاء ، ولا خلاف في نصب " غير " .

وفي معنى تبديل الأرض قولان :

أحدهما : أنها تلك الأرض ، وإنما يزاد فيها وينقص منها ، وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها ، وتمد مد الأديم ، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس . وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " يوم تبدل الأرض غير الأرض " قال : يبسطها ويمدها مد الأديم " .

[ ص: 376 ] والثاني : أنها تبدل بغيرها . ثم فيه أربعة أقوال : أحدها : أنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة ، رواه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود ، وعطاء عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد . والثاني : أنها تبدل نارا ، قاله أبي بن كعب . والثالث : أنها تبدل بأرض من فضة ، قاله أنس بن مالك . والرابع : تبدل بخبزة بيضاء ، فيأكل المؤمن من تحت قدميه ، قاله أبو هريرة ، وسعيد بن جبير ، والقرظي . وقال غيرهم : يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغ من حسابهم .

فأما تبديل السموات ، ففيه ستة أقوال :

أحدها : أنها تجعل من ذهب ، قاله علي عليه السلام . والثاني : أنها تصير جنانا ، قاله أبي بن كعب . والثالث : أن تبديلها : تكوير شمسها وتناثر نجومها ، قاله ابن عباس . والرابع : أن تبديلها : اختلاف أحوالها ، فمرة كالمهل ، ومرة تكون كالدهان ، قاله ابن الأنباري . والخامس : أن تبديلها أن تطوى كطي السجل للكتاب . والسادس : أن تنشق فلا تظل ، ذكرهما الماوردي .

قوله تعالى : " وبرزوا لله الواحد القهار " أي : خرجوا من القبور .
وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب

قوله تعالى : " وترى المجرمين " يعني : الكفار " مقرنين " يقال : قرنت الشيء إلى الشيء : إذا وصلته به .

[ ص: 377 ] وفي معنى " مقرنين " ثلاثة أقوال :

أحدها : أنهم يقرنون مع الشياطين ، قاله ابن عباس . والثاني : أن أيديهم وأرجلهم قرنت إلى رقابهم ، قاله ابن زيد . والثالث : يقرن بعضهم إلى بعض ، قاله ابن قتيبة .

وفي الأصفاد ثلاثة أقوال :

أحدها : أنها الأغلال ، قاله ابن عباس ، وابن زيد ، وأبو عبيدة ، وابن قتيبة ، والزجاج ، وابن الأنباري . والثاني : القيود والأغلال ، قاله قتادة . والثالث : القيود ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

فأما السرابيل ، فقال أبو عبيدة : هي القمص ، واحدها سربال . وقال الزجاج : السربال : كل ما لبس . وفي القطران ثلاث لغات : فتح القاف وكسر الطاء ، وفتح القاف مع تسكين الطاء ، وكسر القاف مع تسكين الطاء .

وفي معناه قولان :

أحدهما : أنه النحاس المذاب ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

والثاني : أنه قطران الإبل ، قاله الحسن ، وهو شيء يتحلب من شجر تهنأ به الإبل . قال الزجاج : وإنما جعل لهم القطران ، لأنه يبالغ في اشتعال النار في الجلود ، ولو أراد الله تعالى المبالغة في إحراقهم بغير ذلك لقدر ، ولكنه حذرهم ما يعرفون حقيقته . وقرأ ابن عباس ، وأبو رزين ، وأبو مجلز ، وعكرمة ، وقتادة ، وابن أبي عبلة ، وأبو حاتم عن يعقوب : " من قطر " بكسر القاف وسكون الطاء والتنوين " آن " بقطع الهمزة وفتحها ومدها . والقطر : النحاس ، وآن قد انتهى حره .

[ ص: 378 ] قوله تعالى : " وتغشى وجوههم النار " أي : تعلوها . واللام في " ليجزي " متعلقة بقوله : " وبرزوا " .
هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب

قوله تعالى : " هذا بلاغ للناس " في المشار إليه قولان :

أحدهما : أنه القرآن . والثاني : الإنذار . والبلاغ : الكفاية . قال مقاتل : والمراد بالناس : أهل مكة .

قوله تعالى : " ولينذروا به " أي : أنزل لينذروا به ، وليعلموا بما فيه من الحجج " أنما هو إله واحد ، وليذكر " أي : وليتعظ " أولو الألباب " .
سُورَةُ الْحِجْرِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ

قَوْلُهُ تَعَالَى : " الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ " قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ [يُونُسَ :1] .

قَوْلُهُ تَعَالَى : " وَقُرْآنٍ مُبِينٍ " فِيهِ قَوْلَانِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْقُرْآنَ : هُوَ الْكِتَابُ ، جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الْاسْمَيْنِ .

وَالثَّانِي : أَنَّ الْكِتَابَ : هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ ، وَالْقُرْآنَ : كِتَابُنَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ يُوسُفَ مَعْنَى الْمُبِينِ .
ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين

قوله تعالى : " ربما " وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي " ربما " مشددة . وقرأ نافع ، وعاصم ، وعبد الوارث " ربما " بالتخفيف . قال الفراء : أسد وتميم يقولون : " ربما " بالتشديد ، وأهل الحجاز وكثير من قيس يقولون : " ربما " بالتخفيف . وتيم الرباب يقولون : " ربما " بفتح الراء . وقيل : إنما قرئت بالتخفيف ، لما فيها من التضعيف ، والحروف [ ص: 380 ] المضاعفة قد تحذف ، نحو " إن " و " لكن " فإنهم قد خففوها . قال الزجاج : يقولون : رب رجل جاءني ، ورب رجل جاءني ، وأنشد :


أزهير إن يشب القذال فإنني رب هيضل مرس لففت بهيضل


هذا البيت لأبي كبير الهذلي ، وفي ديوانه :

رب هيضل لجب لففت بهيضل

والهيضل : جمع هيضلة ، وهي الجماعة يغزى بهم ، يقول : لففتهم بأعدائهم في القتال . و " رب " كلمة موضوعة للتقليل ، كما أن " كم " للتكثير ، وإنما زيدت " ما " مع " رب " ليليها الفعل ، تقول : رب رجل جاءني ، وربما جاءني زيد . وقال الأخفش : أدخل مع " رب " ما ، ليتكلم بالفعل بعدها ، وإن شئت جعلت " ما " بمنزلة " شيء " ، فكأنك قلت : رب شيء ، أي : رب ود يوده الذين كفروا . وقال أبو سليمان الدمشقي : " ما " هاهنا بمعنى " حين " فالمعنى : رب حين يودون فيه .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.71 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]