عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 25-08-2022, 07:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,268
الدولة : Egypt
افتراضي رد: محمود سامي البارودي .. مصر بين الحنين والوجع

محمود سامي البارودي في شعره (2)


د. إيمان بقاعي







ومن السَّيف إلى الخيل، والخيل إرث يعتز به ابتداء مِن الموطن الأصلي في القفقاس وظل موضع اعتزاز وفخر في الوطن البديلِ. وكما يعتز البارودي بالنَّسب الأصيل لنفسه ولقومه، فللخيل أنساب أصيلة أيضًا تليق بالرّجل الأصيل؛ فالخيل الأصيلة تتقن فن الحرب وتتقن - كما المحارب الأصيل - الارتواء من نبع النصر:
وخيلٌ يعُمُّ الخافقين[1] صهيلُها

نزائعُ[2] معقودٌ بأعرافِها النَّصْرُ

معوَّدةٌ قطعَ الفيافي كأنَّها

خُداريةٌ فتخاءُ ليسَ لها وَكْرُ[3]


وهذا الخيل "المعقود بأعرافها النصر" لا تليق برجل عادي، بل تحتاج إلى مقاتل غير هياب. هنا، يصف البارودي مقاتلي قومه بأنهم شجعان في ساحة الوغى: شبابهم وشيبهم. ففي المعركة لا يميز بين قوة الشَّاب والأقل شبابًا، بل يملأ الحماس المقاتلين في كل عمر، تمامًا كما يتصف الشَّاب بالحكمة كالشَّيخ في أوقات السّلم.

وحين يصف شاعرنا أبناء قومه بالشَّجاعة الّتي لا تضعفها الأيام وبالحكمة الّتي لا تنقص منها قلة التجارب، فهو يصف قومًا بالكمال:
فأشْيَبُنا في ملتقى الخيلِ أمردٌ
وأَمْرَدُنا في كلِّ مُعضلة ٍكهلُ[4]



إن الشَّجاعة تورث الإقدام والعزة والاندفاع، وتورث كذلك المصداقية في القول والفعل:
رجالٌ أولو بأسٍ شديدٍ ونجدةٍ
فقَوْلُهمْ قَوْلٌ وفعلُهم فعلُ[5]



وهم مقاتلون أشداء "حازوا المجد فرسانًا تحت ألوية النّصر الحمراء، يرمون بالصليبيين إلى البحر، ويحمون بشجاعتهم الشّرق العربي مِن زحف التّتار والمغول المدمر ويهزمونهم في "عين جالوت" ويركزون أعلام مصر على ربوع الشَّام وجزر البحر المتوسط"[6]:
مساعيرُ حربٍ[7] لا يخافونَ ذِلَّةً
ألا إنَّ تَهْيابَ الحروبِ هو الذّلُ[8]



وكيف لمن لا يخاف الحرب ألا يكون إلا متوهجًا، مشرقًا، مقدامًا، يحمل معه ضوء الشَّجاعة منيرًا به دروبًا كانت ستغرق في الظلام لولا حمله النور:
مِن كلِّ أزهر كالدّينارِ غرتُهُ
يجلو الكريهةَ منه كوكب ضرم[9]



إننا نجد تلازم الشَّجاعة والشّرف وتلازم الخوف والذلة. والشَّجاعة تدفع قوم الشّاعر للاقتصاص من أعدائهم إذ لا ينامون بذلٍّ على ثأر لهم:
إذا نامَتِ الأضغانُ عن وَتَراتِها[10]
فقومي قومٌ لا ينامُ لهم ذَحْلُ[11]




على أنهم وقت السلم يتميزون بالقدرة على العيش الهنيء وعلى التّمتع بالرفاهية والغنى والترف.

وإذا أسقطنا صفات الشّاعر على صفات قومه، وجدنا أنه مثلهم: قادر على عيش الحرب بتفاعل كامل والسّلم بتفاعل كامل؛ وهذا ما شرحه العقاد أثناء كلامه عنه بقوله:
"وكان على العهد في رجال الحرب مستخفًّا بالحياة في ميدان القتال، محبًّا للحياة أيام السّلم، مفرطًا في حبها والمتعة بها، كأنما يعوض أيام المخاطرة والمغامرة بأيام الرغد والنعمة، أو كأنما يتناول من مائدة منزوعة، فيأخذ منها كل ما طاب إذ هي حاضرة بين يديه، وهو على أهبة الزّهد فيها والحرمان منها"[12].

ويخلص العقاد إلى أن هذا التفاعل الكامل، إنما يدل على إيجابية في الشَّخصية، "وتلك حال خليقة بأصحاب الطّبيعة الحيوية الّتي تنقاد لدفعة الجسم وسورة اللّحم والدم في ثورة الغضب والنخوة وفي ثورة الطرب والمتعة"[13]، ومن هنا كان وصف الشّاعر لقومه وصفًا لنفسه:
لهم عُمُدٌ مرفوعةٌ ومعاقلٌ
وألويةٌ حمرٌ وأفنيةٌ خضرُ[14]




وإذ تدل الأفنية الخضر على الكرم والغنى والرّفاهة، تدل النّار المشتعلة على كرم الضّيافة والسّخاء، فهي تضيء ليل الجوع وليل الضّياع وليل الوحشة وتفتح بابًا للكرم واسعًا:
ونارٌ لها في كلِّ شرقٍ ومغربٍ
لِمُدَّرعِ الظَّلماء السّنةٌ حمرُ[15]





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.35 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.14%)]