عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 23-08-2022, 06:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,355
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حياة محمود سامي البارودي

لكنه - وهو الوفي سجية - ظل إلى نهاية الطَّريق مع الثُّوار، فنفي معهم إلى سَرَنْديب، ولديه سبب مشرِّف هو الدِّفاع عن الدّين والوطن، وإن كانت النّتائج سلبية وكانَ المشاركون سلبيين. يقول من قصيدة مطلعها:
لكلِّ دمعٍ مِن مقلةٍ سببُ
وكيفَ يملكُ دمعَ العينِ مكتئبُ؟

لم أقترفْ زلَّةً تقضي عليَّ بما
أصبحْتُ فيه، فماذا الويلُ والحَرَبُ؟

فهلْ دِفاعي عن ديني وعَنْ وطني
ذنْبٌ أُدانُ به ظلمًا وأغتربُ؟

فلا يَظُنَّ بيَ الحسّادُ مَندمةً
فإنني صابرٌ في اللهِ مُحتسِبُ

أَثْريْتُ مجدًا فلم أعبأْ بما سلَبَتْ
أيدي الحوادثِ منّي فَهْوَ مُكتَسَبُ

لا يُخفِضُ البؤسُ نفسًا وهي عاليةٌ
ولا يُشيدُ بذكْرِ الخاملِ النَّشَبُ[20]



وتطلق الأقلام في "حملة تشهير" على زعماء الثّورة فتشوه سمعتهم وتلصق بهم التُهم وتبث الشُّبهات في نفوس الشّعب حول صلتهم بالثّورة وتعزوها إلى "مآرب شخصية ومنافع ذاتية"[21]، فيتَّهم شاعرنا بخلع توفيق ليحل محله، فيصرخ نافيًا التّهمة مِن سَرَنْديب المنفى:
يقول أناسٌ إنني ثرثُ خالعًا
وتلكَ هنات لم تكن مِن خلائقي



يستنكر شاعرنا التّهمة، وإن كان هو "أول مَن فكر في قلب نظام الحكم في مصر إلى جمهورية مستقلة عن تركيا"[22] لتكون جمهورية حيادية كسويسرا، مؤمنًا بأن ذلك أفضل أنواع الحكم في بلد كمصر، فأصبحت الفكرة عقيدة يدعو لها وأملاً يكرس حياته من أجله يحققه قبل أن يموت، ما يعني أن ذلك الأمل لم يكن الوثوب إلى العرش كما ادّعت حملات التَّشهير"[23]. ولعل هذه الفكرة أسيء فهمها وفُسرت تمامًا كما فُسرت غايات الثَّورة وأحلام رجالاتها:
ولكنَّني ناديْتُ بالعدلِ طالبًا
رضا اللهِ واستنهضْتُ أهلَ الحقائقِ

فإن ْكان عصيانًا قيامي فإنَّني
أردْتُ بعصياني إِطاعةَ خالقي[24]



تحمّل البارودي ذلك حتى وصل إلى مرحلة مِن الإرهاق والتَّعب. وبعد سبعة عشر عامًا مِن النَّفي، عاد إلى أرض الوطن الّذي برحه الشَّوق إليه بعد أن استجاب الخديوي (عباس حلمي الثّاني) لرجاء الرّاجين وإلحافِ الملحفين، فعفا عن البارودي ثم عمَّن بقي على قيد الحياة من رفاقه في المنفى سنة 1889. وحينما أطلّ البارودي على ربوع وطنه نظم هذه الرّائية الخالدة، فكانت أنشودة العودة التي تغنى بها النَّاس، وبخاصة أهل العلم والفكر والأدب في مصر والبلاد العربية، وطرب لها الجيل الجديد الّذي روى شعر البارودي وتأدّب بأدبه، ولم يسعد إلا برؤيته بعد عودته[25]:
أبابلُ رأيَ العينِ أم هذه مصرُ؟
فإنِّي أرى فيها عيونًا هي السِّحرُ[26]



عاد الثَّائر مرفوع الرَّأس، شبه زائل البصر، مشعَّ البصيرة، ودَّع وطنه بحرقة وعاد إليه بحرقة.


[1] راسم رشدي، ع. س، 96.

[2] نفسه، ص106. ويعزو نقولا زيادة سبب هزيمة الغوري ومن بعده طومان باي إلى اعتماد الجند العثماني الأسلحة النارية إذ كانت تحرسهم المدافع في الميدان والمعركة وكانت هذه المدافع تحمي تقدم الجيش بينما كان جيش الشّراكسة غير كفؤ لآلات النّار في المعركتين .كما أن الغوري كان مشغولاً بمحاربة الأسطول البرتغالي بجنوده وأساطيله حين هاجمت سورية ومصر الجيوش العثمانية. ويرى أن الانتصار العثماني كان انتصارًا للأساليب القتالية والأسلحة الجديدة الّتي لم ينتبه الشّراكسة إلى معنى التغيير الّذي نشأ عن استعمالها في المعركة بالنّسبة إلى الجند، فانهزموا رغم بسالتهم وشجاعتهم [نقولا زيادة، ع. س، ص61 - 62].

[3] راسم رشدي، ع. س، ص141 - 106.

[4] نفسه، ص197.

[5] انظر: أحمد عبد الجعظي حجازي، (مذبحة القلعة) من ديوان (مدينة بلا قلب)، (القاهرة: الكاتب العربي للطباعة والنشر، ط2: 1968).

[6] نفسه، ص206.

[7] نفسه، ص208.

[8] راسم رشدي، ع.س، ص210 - 211.

[9] فيصل موسى حبطوش: الشّراكسة في مصر عهد محمد علي باشا الكبير، (عمان: الإخاء، أيلول 1991)، ع: 35، ص26 - 27.

[10] راسم رشدي، شركسي يتحدث عن قومه، القاهرة، 1947.

[11] نفسه، ص28 - 29.

[12] كان الخديوي إسماعيل قد عقد العزم على أن يعيد لمصر سيرتها في عهد جده محمد علي، أي يجب أن يكون لها جيش قوي وأعلام خفاقة، ويجب أن تعود إلى نهضتها في العلم والصّناعة. وقد دامت سنوات حكمه اثنتي عشر سنة نهضت بها مصر نهضة هي أدنى إلى الثورة منها إلى النشاط، ففتحت المدارس ومدت السكك الحديدية وعم النشاط "المعمر" أنحاء الدّولة. وفي عهد الخديوي إسماعيل وبعده عاد إلى مصر عدد قليل من الشّراكسة الّذين فروا من وجه الرّوس (1869ه - 1875م) وكان إسماعيل يرحب بالمهاجرين من جميع الأجناس لتنشيط حركة العمران في مصر، وانخرط بعضهم في صفوف الجيش [انظر: راسم رشدي، ع.س، ص208]. بيد أن أمور مصر ساءت في أخريات عهد إسماعيل واضطربت اضطرابًا كبيرًا وناء الفلاحون بالضرائب الفادحة العديدة. [عمر الدسوقي: في الأدب الحديث (بيروت: دار الفكر، ط8: 1973) ص217]، وكانت انجلترا وفرنسا تدفعان الحوادث نحو التأزم بالتدخل المباشر إذ فرضتا على مصر وزارة فيها وزيران أوروبيان، واشتطت الوزارة في الضرائب، وقررت فصل عدد كبير من الضباط وتدهورت الأمور حتى أقيل عباس وجاء بعده ابنه توفيق. [نفسه، ص218 - 219].

[13] ديوان البارودي (محمود سامي البارودي باشا) 1 - 4، بيروت، دار العودة، حققه وضبطه وشرحه: علي الجارم ومحمد شفيق معروف، ط: 1992، تقديم الديوان، بتصرف.

[14] كان الجيش المصري في عهد الخديوي توفيق يضم عددًا من الشّراكسة، وقد استطاع هؤلاء - لبسالتهم وغريزتهم العسكرية - بلوغ المراتب الرفيعة في الجيش مما أثار حفيظة إخوانهم المصريين. وفي عهد وزارة رياض باشا، اتّهم وزير الحربية: عثمان رفقي باشا - وهو ضابط شركسي - بالتّعصب لأبناء جنسه، فاجتمع بعض الضباط المصريين - ومن بينهم أحمد سامي عرابي باشا - لمناوأة الشّراكسة طالبين عزل عثمان رفقي، فعزل وعين بدله محمود سامي البارودي وزيرًا للحربية، لكنه عاد فاعتزل إثر خلافه مع الخديوي، فقامت حركة الضباط ثانية تطالب بعزل الوزارة بأكملها، فعزلت وعين البارودي رئيسًا للوزارة وعين عرابي وزيرًا للحربية، فرقى الأخير عددًا من الضباط المصريين وقرر التخلص ممن سماهم: "الحزب الشّركسي"، فأحال 600 ضابطًا شركسيًّا إلى المعاش ونفى الباقين إلى السودان، وأمر بالقبض على 48 ضابطًا بينهم عثمان رفقي باشا وأودعهم سجن قشلاق قصر النيل، ثم نفاهم إلى السودان مِن دون محاكمة. وازدادت الهوة بين الخديوي والعرابيين إلى أن أطلق الأسطول الإنجليزي مدافعه على الاسكندرية، ودخلت قواته القاهرة في 15 سبتمبر1882، فقبضت على عرابي باشا وبعض الزّعماء - ومنهم البارودي - ونفوا إلى سَرَنْديب. [انظر: راسم رشدي، ع.س، ص208 - 211].

[15] بخيانة قادتهم وتخاذلهم أمثال الأميرالاي علي عنفي وعبد الرحمن حسن قائد السواري وراغب راشدن وخيانة سعود الطحاوي وتضليله للجيوش المصرية، ثم استسلام القائد محمود همي أحد قادة الجيوش العرابية المصرية المهيمن بينما صمد الشّراكسة أمثال البارودي وراشد حسني الّذي أحرز بعض الانتصارات العسكرية إلا أنه جرح وأدخل المستشفى. وقد حوكم زعماء الحركة وعلى رأسهم عرابي والبارودي الّذي صودرت أملاكه. ورغم انخراط العديد من الشّراكسة من قادة وضباط في حركة العرابيين، ورغم دعم المدنيين الشّراكسة أيضًا من منطلق التفاني في الإخلاص للوطن، إلا أن دعوات إلى قتل الشّراكسة في مصر قد ارتفعت ناعتة إياهم بالأجانب مما أثار استياء الكثيرين من الشّباب المثقف من الشّراكسة والأتراك فتركوا أرض مصر وهاجروا إلى مناطق أخرى علمًا بأن أكثر شراكسة مصر - في ذلك الوقت - كانت لهم جذور موغلة في تاريخ مصر ممتد إلى مئات السّنين، وقد روتها تضحياتهم الكبيرة بالأرواح والدماء والأموال. [انظر: الإخاء - العدد35 - أيلول 1995].

[16] الديوان، ص319.

[17] انظر هامش الصفحة 376 ففيها مناسبة القصيدة.

[18] النّقانق: جمع نقنق،وهو الظّليم، أي ذكَرُ النّعامِ، ويُضرَب به المثلُ في الجبنِ وسرعةِ الفرار.

[19] الديوان، ص378.

[20] نفسه، ص74.

[21] علي محمد الحديدي: محمود سامي البارودي، سلسلة أعلام العرب: 65 (القاهرة: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1967)، ص157.

[22] وهو حلم شركسي قديم راود الشّراكسة منذ احتلال العثمانيين لمصر [انظر: راسم رشدي، ع.س، ص141 - 171].

[23] علي محمد الحديدي، ع. س، ص159.

[24] الديوان، ص387.

[25] الديوان، ص 270، مناسبة القصيدة في الهامش.

[26] الديوان، ص27.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.33 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.70 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.58%)]