عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 20-08-2022, 06:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,625
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أزمة الثقافة في قصيدة هذيان بائع الدموع

أزمة الثقافة في قصيدة هذيان بائع الدموع


شريف محمد جابر






التحليل الثقافي لهذيان بائع الدموع

كانت (هذيان) وليدة الجو الثقافي الخانق الذي تحدث عنه محمود شاكر في رسالته تلك.. وتحدث عنه غيره.. ولمسه الشاعر في المحيط الذي كان يعيش فيه[46]، ويحدّثنا الشاعر عن مناسبة القصيدة فيقول:
"جاءت في سنة 1996م.. وكنت وقتها في الرياض بالمملكة العربية السعودية.. غريب الروح والجسد.. وحيداً بعيداً عن الأهل.. تؤرقني الأحداث التي تأتيني أخبارها تباعاً عما يحدث في بلدي ومدينتي من قتل وقتال شبه يومي بين من سُموا بالإرهابيين وبين النظام المصري.. وقد ارتكبت في هذه الأحداث بشاعات لا أظنها ارتكبت مؤخراً في فلسطين.. بل إنني سمعت بعد ذلك أن شارون قد استقى فكرة هدم بيوت الاستشهاديين في فلسطين من ضباط النظام المصري الذين كانوا يهدمون البيوت بعد أن ينهبوا كل ما فيها... ثم أضف إلى هذا أن التسعينات كانت فترة كالحة لاشتداد عود الحداثة في السعودية وفي مصر بمذاهبها ومناهجها المختلفة.. وكنت على احتكاك مباشر بما يحدث في الأندية الثقافية والصالونات الأدبية في الرياض، فشبهت هذه الفترة بفترة الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين في مصر.. إبان اشتداد الغزو الفكري والثقافي والتغريب الذي بلغ أشده وقتها وطال كل شيء..

"وكان الجو خانقاً.. والشباب متلهفاً على الحداثة ليقال مثقف.. والأنماط السائدة كلها أو أغلبها لا بد أن تتلبس بشيء من التغريب أو الأمركة أو الأوربة حتى ينظر إليها باحترام وتقدير..."[47].

في هذا الجوّ الخانق ولدت قصيدة "هذيان بائع الدموع". إنّها تواجه ثقافة "الأنا المتضخّمة الفحوليّة التي لا تقوم إلا عبر التفرّد المطلق بإلغاء الآخر وبتعاليها الكوني، وبكونها هي الأصحّ والأصدق حكمًا ورأيًا، وبكون الظلم عندها علامة قوة وسؤدد"[48]. ثقافة النسق المسيطر حيث "لا مكان للمعارضة أو مخالفة الرأي، والآخر دائمًا قيمة ملغيّة"[49].

سنحاول أن نقرأ القصيدة من منظور نقدي ثقافي يعتمد تقنية "الفرز الثقافي" التي سخّر لها الغذامي في كتابه "النقد الثقافي" فصلاً كاملاً، عالج فيه قصة غنيّة في كتاب العصا للجاحظ[50]. غير أننا لن نلتزم بنفس معطيات ذلك الفرز الذي يتعامل مع الثقافة السائدة في العصر العباسي، إنما نريد فرز الثقافة المعاصرة لقصيدة "هذيان بائع الدموع" إلى "ثقافة هامش" و "ثقافة متن". ثقافة الهامش هي - كما أسلفنا - الثقافة التي ينتمي إليها الشاعر كما يبدو من قصيدته، وثقافة المتن هي ثقافة المؤسسة الأدبية التي عاش الشاعر في صراع معها. ولا بدّ لنا أن نبدأ بتحليل القصيدة بحسب الترتيب الطبيعيّ لأبياتها[51]:
عِمْ مساءً يا بائعَ الليلِ دمعه
كلّ رأس يثبِّتُ الآن وضعهْ

عِمْ مساءً، أراكَ تصنعُ شيئًا
غيرَ ذاكَ الذي تمنّيتَ صنعهْ

كلُّ يومٍ لكَ انهيارٌ جديدٌ
فيهِ تنهدُّ قطعةً بعدَ قطعةْ

تمتطي أعنف القضايا وتأتي
لابسًا من صراخكَ المرّ خِلعةْ

أخصبت فيكَ غائلاتُ المآسي
والمآسي لحامل الهمّ شِرعةْ

تحتسي كوخك القلاعُ وتغضي
أترى الكوخُ سوفَ يصبحُ قلعةْ؟

أنتَ مثلَ الرّدى، حنينُكَ نارٌ
تتلظّى، ولمحُ عينيْكَ فزعةْ

أنتَ كالريح، حشرجاتُكَ طبلٌ
بلديٌّ، وقبضُ كفّيْكَ صرعةْ

جئتَ من أينَ؟ أو إلى أينَ تمضي؟
كلُّ دربٍ يرى الخطا منكَ بدعةْ


نحن مع علي فريد في مقطع القصيدة الأول، يصف لنا حالته النفسيّة الصعبة وهو يخاطب ذاته، ولعله الحزن الذي سببته له الأخبار التي أتته تباعًا من بلاده "مصر" إلى حيثُ يقيم، فيفزع لما يجري من قتل وتدمير، فيجد في نفسه مخاطبًا يفرز لنا تلك التجربة الشعوريّة شعرًا يحمل طابع الحزن الممزوج بالسخرية اللاذعة.
"كلّ رأسٍ يُثبِّتُ الآن وضعهْ"

تلك هي الحالة التي تسود مصر، حالة التدمير وسببها أن الرأس (السلطة) يسعى إلى تثبيت وضعه (السيطرة). إن هذا المقطع الأول من القصيدة يرسم لنا بواعث القصيدة الرئيسيّة، ويحدّد لنا معالمها، ثم يمضي بعد ذلك في المقاطع القادمة يخوض في تلك المعركة بين "الهامش" و"المتن". معركة تنبعث صورها من "الانهيارات" المتعدّدة للشاعر، وامتطائه لـ "أعنف القضايا"، و"المآسي" التي غدت شريعته ومنهجه كونه "حامل همّ".
تحتسي كوخك القلاعُ وتغضي
أترى الكوخُ سوفَ يصبحُ قلعةْ؟

هذا البيت يجسّدُ العلاقة بين الشاعر (المهمّش) وبين (السيطرة). هذه السيطرة تتجلى في القصيدة ببعدين اثنين:
1) سيطرة "القوة" المتمثّلة بالسلطة في مصر.
2) سيطرة "المؤسّسة الثقافية" في مكان إقامته في السعوديّة.

بهذين البعدين يمكننا أن نمضي في قراءة للنسق الثقافي المختبئ وراء "الجماليّة" الطاغية للقصيدة، متجاوزين أيضًا مجرد قراءة المضمون ببعده التاريخي إلى محاولة رصد "الصراع" الثقافي الذي يدور من وراء الأبيات بعد تمهيدنا له في الفصلين السابقين بما يكفي لنلتقط صورة واضحة عن ماهيته وأبعاده. بالإضافة إلى بيان كشف الشاعر عن النسق الثقافي "المعيب" في نظره والذي تختبئ من ورائه "ثقافة المؤسسة" الطاغية. ولا نريد أن نتعرّض لكل أبيات القصيدة بالشرح والتأويل واستشفاف المعاني لاعتقادنا بأنّ ذلك لا يفيدنا في الغاية التي نتصدّى لها والمحصورة في نطاق النقد الثقافي.

"أترى الكوخُ سوفَ يصبحُ قلعةْ؟"

هذا السؤال هو "الحلم" الذي يعرضه الشاعر مفصّلاً بشكل أكبر في المقطع التالي، حيث يعبّر عن رفضه المطلق للوضع الثقافي الراهن الذي يعيشه ويشكّل له جوًّا خانقًا:
ما الذي تبتغيه؟ أبغي زمانًا
غيرَ هذا الذي تثيرون نقعهْ

عصركم رائد التوجّس والحزنِ
وأسماؤه رياءٌ وسمعةْ

الأماني بهِ بقايا هباءٍ
والأغاني بهِ بكاءٌ ولوعةْ


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.01 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.77%)]