عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 20-08-2022, 01:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,488
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1499 الى صـ 1508
الحلقة (249)



ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم أكمل - بذلك العابد - المائة، ثم سأل عالما: هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك [ ص: 1501 ] وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد أخرى يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الأخرى أدركه الموت في أثناء الطريق. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبا، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فأمر الله هذه أن تقترب من هذه وهذه أن تبعد، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة.

وفي رواية: أنه لما جاءه الموت نأى بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.


وروى الإمام أحمد ، عن عبد الله بن عتيك - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله، فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله .
القول في تأويل قوله تعالى:

وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا [101]

وقوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض أي: سافرتم: فليس عليكم جناح أي: إثم [ ص: 1502 ] أن تقصروا أي: تنقصوا شيئا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم أي: يقاتلكم الذين كفروا في الصلاة: إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ظاهر العداوة، فلا يراعون حرمة الصلاة لعدواتهم.
تنبيه: في مسائل تتعلق بالآية:

الأولى: ذهب الجمهور إلى أن الآية عني بها تشريع صلاة السفر ، وإن معنى قوله تعالى: أن تقصروا من الصلاة هو قصر الكمية، وذلك بأن تجعل الرباعية ثنائية، قالوا: وحكمها لمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا.

روى الترمذي والنسائي وابن أبي شيبة ، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين، فصلى ركعتين.

وروى البخاري وبقية الجماعة عن حارثة بن وهب قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمن ما كان بمنى ركعتين .

وروى البخاري والبقية عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة ، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ، قلت: أقمتم بمكة شيئا ؟ قال: أقمنا بها عشرا.

وحينئذ فقوله تعالى: إن خفتم خرج مخرج الغالب حال نزول الآية؛ إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب [ ص: 1503 ] فلا مفهوم له كقوله: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا [النور: من الآية 33] وكقوله تعالى: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم [النساء: 23] الآية.

قالوا: ويدل على أن المراد بالآية صلاة السفر ما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب ، قلت له: قوله تعالى: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر - رضي الله عنه -: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته .

وروى أبو بكر بن أبي شيبة ، عن أبي حنظلة الحذاء قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ [ ص: 1504 ] فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ونحن آمنون فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى ابن مردويه، عن أبي الوداك قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر؟ فقال: هي رخصة نزلت من السماء فإن شئتم فردوها.

قالوا: فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات، وإن ذلك كان مفهوما عندهم من معنى الآية. قالوا: ومما يدل على أن لفظ (القصر) كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات، ولهذا المعنى لما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ركعتين، قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟

هذا، وذهب كثير من السلف، منهم مجاهد والضحاك والسدي إلى أن هذه الآية نزلت في صلاة الخوف، وأن المعني بالقصر هو قصر الكيفية لا الكمية؛ لأن عندهم كمية صلاة المسافر ركعتان، فهي تمام غير قصر، كما قاله عمر وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - قالوا: ولهذا قال تعالى: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقال تعالى بعدها: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة الآية، فبين المقصود من القصر ههنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد البخاري : (كتاب صلاة الخوف) صدره بقوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إلى قوله: أعد للكافرين عذابا مهينا

وهكذا قال جويبر ، عن الضحاك في قوله: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة قال: ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه.

وقال [ ص: 1505 ] أسباط، عن السدي في هذه الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير، لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة فالتقصير ركعة.

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة يوم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بعسفان ، والمشركون بضجنان فتوافقوا، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات، بركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم .

ورواه ابن جرير ، عن مجاهد والسدي ، وعن جابر ، وابن عمر ، واختار ذلك أيضا، فإنه قال - بعدما حكاه من الأقوال في ذلك -: وهو الصواب.

ثم روي عن أمية أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر: فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - يعمل عملا عملنا به ، فقد سمى صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنص القرآن.

وأصرح من هذا ما رواه أيضا عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة ؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.

هذا ما نقله ابن كثير ، وهو موافق لما نقله بعض مفسري الزيدية عن الهادوية والقاسمة أن الآية واردة في صلاة الخوف، وأن المراد بالقصر في الآية قصر الصفة، بمعنى أن المأموم يقصر ائتمامه فيأتم بركعة، ويصلي منفردا في ركعة. انتهى.

[ ص: 1506 ] قال العلامة أبو السعود : إن هذه الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر وكيفيته، وفي حق ما يتعلق به من الصلوات، وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به القصر، فكل ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من القصر في حال الأمن، وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف، وبالضرب في المدة المعينة - بيان لإجمال الكتاب.

المسألة الثانية: إذا حمل القصر على قصر العدد، وأن الرباعية تكون ركعتين، فما حكم هذا القصر ؟ قلنا: في هذا مذاهب أربعة:

الأول: أن القصر رخصة والإتمام أفضل.

الثاني: أنه حتم.

الثالث: أنه سنة غير حتم.

الرابع: أنه مخير كما يخير في الكفارات، وأنهما - أعني القصر والإتمام - واجبان.

وهناك بيان متعلق بهذه المذاهب:

تعلق أهل القول الأول بقوله تعالى: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة وهذه الكلمة تستعمل فيما هو مباح جائز، لا فيما هو فرض، نحو: فلا جناح عليهما أن يتراجعا [البقرة: من الآية 230] و لا جناح عليكم إن طلقتم النساء [البقرة: من الآية 236]: فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: من الآية 229] إن قيل: قد يستعمل ذلك في الواجب [ ص: 1507 ] مثل: فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما [البقرة: من الآية 158] أجابوا بأن ذلك على سبيل المجاز.

ومن جهة السنة ما روي عن عائشة قالت: اعتمرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة ، قلت: يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - قصرت وأتممت وصمت وأفطرت؟ فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب علي، وكان عثمان يقصر ويتم.

ومن جهة المعنى أن المعقول والمفهوم من لفظ (القصر) إنما هو الرخصة لأجل مشقة المسافر، كما رخص له في الإفطار، وفي الحديث: تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته .

تعلق أهل المذهب الثاني بأن قالوا: حملنا لفظ الجناح على الفرض - وإن كان مجازا - لما روي عن ابن عباس قال: فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين.

وعن عمر: صلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم، وكانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره ركعتين، وأقام بمكة ثمانية عشر يوما يقصر ويقول: أتموا، يا أهل مكة ! فإنا قوم سفر .

وعن الشعبي : من أتم في السفر فقد رغب عن ملة إبراهيم.

وروي أن عثمان أتم الصلاة بمنى، فأنكر عليه عبد الله بن مسعود، وقال: صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، وخلف أبا بكر ركعتين منفصلتين، فاعتذر عثمان بضروب من الأعذار ، منها أنه قد تأهل، وقيل: أتم لأن مذهبه أن القصر لمن لم يكن له زاد ولا راحلة، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص، فيكون قولنا: قصرت [ ص: 1508 ] الصلاة مجازا؛ لأنها تامة إذا نقص من الأربع، ويقولون: هذه الأخبار تعارض ما يفهم من معقولية التسهيل.

ومتعلق أهل القول الثالث والرابع بالجمع بين الروايات، وسائر الوجوه التي تعلق بها أهل القولين الأولين، فكان واجبا مخيرا، ومن قال: إنه سنة فلأن المشهور عنه - صلى الله عليه وسلم - القصر في الأسفار، كذا في تفسير بعض الزيدية.

أقول: حديث عائشة المذكور رواه النسائي والدارقطني والبيهقي ، واختلف قول الدارقطني فيه، فقال في "السنن": إسناده حسن، وقال في "العلل": المرسل أشبه، وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه، وطعن فيه، وقال ابن النحوي "في البدر المنير": في متن هذا الحديث نكارة، وهو كون عائشة خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمرة رمضان، والمشهور أن عمره كلهن في ذي القعدة، وأطال في ذلك.

وقال الإمام ابن القيم في "زاد المعاد": وكان - صلى الله عليه وسلم - يقصر الرباعية، فيصليها ركعتين من حين خرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة ، ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة، وأما حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلامابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وقد روي (كان يقصر وتتم) الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق، وكذلك (يفطر وتصوم) أي: تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين.

قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل: ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجميع أصحابه، فتصلي خلاف صلاتهم، كيف؟ والصحيح عنها أن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة زيدت في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، فكيف يظن بها - مع ذلك - أن تصلي بخلاف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين معه؟.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.95 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]