عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 18-08-2022, 08:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,359
الدولة : Egypt
افتراضي رد: رواية " نابليون في الأزهر " لنجيب الكيلاني

قال المدبولي:

الكارثة هي أني لا أؤمن بجدوى المقاوَمة بعد كل الذي سمعته، يجب أن تفتحوا أعينكم جيدًا.



إن مدافع الأعداء لا يقف في طريقها شيء.



وخبرتهم الحربية فوق التصوُّر.



واستعداداتهم لا مثيل لها.



دعوا الأوهام والحماس جانبًا؛ وفكِّروا بعقل.



أعرف أن كلامي قد يُضايقكم، ولعله يَصِمُني بالجبن والخيانة.



ليكن، فأنا رجل أُحكم عقلي، وقد علمتني التجارة أشياء كثيرة[3].



وبعد أن ينتقل الكاتب "الكيلاني" بأحداث هذا الفصل ضمن أسلوب قصصي فنِّي تَحكم إطاره عبارات حوارية بين أبطال مَشاهده، ما بين استفهام وتعجُّب، وعرض وإقناع ومشادَّة، حتى إذا شكل عقدة الفصل اتَّجه إلى أسلوب الحلِّ الناجع.



ومِن هنا يُدرك القارئ والمتلقي قدرة الكاتب على استكناه الغاية مِن القصة الإسلامية، وذلك بربطِها إلى التصور الإسلامي وشدِّها إلى مِحوَره؛ حيث تبرز نقطة الحل مِن نقطة الانطلاق إلى الجهاد الإسلامي، فيدور المشهد الأخير مِن هذا الفصل في ظلال الأسلوب التالي من قوله:

توتُّر الجو في منزل الحاج "مصطفى" بصورة لافتة للنظر، لقد كانت زوجته أطوعَ له مِن بناته؛ لم تسفِّهْ له رأيًا، أو تعترض على أمر من الأمور، إن زوجها هو سيدها، وهي تؤمن بأنه يعرف أكثر مما تعرف، وخبرته في الحياة أكبر من خبرتها، ثم إنه - أولاً وأخيرًا - رجل، هل تستطيع أن تنسى وضعها البديهي المعروف - كأنثى في منزله - التابع المُطيع.



لقد خرجت عن هذا الوضع المألوف فجأة، وأقامت الدنيا وأقعدتها، وخاصة عندما أعادت النظر في تصرُّفات زوجها، لقد رفض رأيها في الهجرة قبل أن تَقترب ساعات الخطر، لم تستطعْ أن تلحَّ عليه كثيرًا؛ لأنها تعلم الكثير مِن صلابة تشبُّثه وعدم تنازله بسهولة عن رأي ارتضاه.



لكنَّها فوجئت به يُجنِّد ابنه الوحيد، ويدسُّه ضِمن القوات المجاهدة، بل في الصفوف الأولى تحت إمرة إبراهيم بك الذي عسكر بجيشه عند بولاق.



ومعنى ذلك أن فرصة النجاة لولدها أصبحت نادرة الحدوث، ولم يَكتفِ الزوج بذلك، بل دسَّ نفسه ضمن القوات البحرية على إحدى السفن الراسية في الميناء.



وأكبر مِن ذلك أنه لم يرحم ابنته (زينب)؛ فقد اختطف خطيبها ودفعه إلى الميدان، بل واشترى شحنة هائلة من البارود والسلاح بمبلغ كبير من ماله ووزَّعه على القوات المُجاهِدة، وتخلَّص مِن معظم المخزون لديه مِن البضائع بأبخس الأثمان؛ كي يموِّل بها المُحاربين.



وعندما بدت الدهشة على وجه زوجته صرخ محتدًّا: أيتها الجاهلة، لقد استطاع عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن يجهز جيشًا كاملاً مِن ماله في صدر الإسلام، وما عند الله خير وأبقى، والدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لقد شغلتْك الدنيا عن كل معنى نبيل، إنك لم تفكِّري في شيء سوى أولادك والمال والخنوع للحياة الدنيا، يا للمهزلة! ومنذ متى كنت تعترضين مَشيئتي"[4].



وهكذا يمضي الكاتب في تصوير المشاهد وعرضها بأسلوب قصصي رائع، مُستلهَم مِن الفكر الإسلامي.



فيُصوِّر موقف الزوج والزوجة، حتى ينتهي الأمر بالإصرار على الجهاد، ويصور احتدام المعارك بين المجاهدين وأعدائهم مبينًا غاية المسلم من الجهاد، وأنها في إحدى الحُسنَيَين (النصر أو الشهادة)، ومِن هنا يصور الكاتب مشاهد المُجاهدين ما بين قتيل وجريح مضرَّج بالدماء، ويُصوِّر لوعات الأقارب وأحزانهم وصبرهم وبلاءهم، وكل ذلك لم يثنِ عزيمة أحد مِن هؤلاء أو هؤلاء؛ ليَقينهم أنهم أحياء مهما ماتوا، وليَقينهم بعِظَم الأجر والمثوبة، نُصروا أو هُزموا.



ثم يُضفي الكاتب على بقية فصول القصة مِن سحر بيانه ما يعالج به عددًا مِن قضايا الإسلام والمسلمين في حقبة ضَعُف فيها المدد، وقوي فيها الأعداء، ويُلحُّ في كل فكرة يَسوقها على أن قوة المجاهد المسلم لا تكون إلا بالإيمان لتكون كلمة الله هي العليا، وأن كل شيء هالك إلا وجهه.



وبعد، فلنتخيَّر بعض الجزئيات التي أدرجها الكاتب في تلك القصة التي سكَب قوالبَها في أربعة وثلاثين فصلاً لنتبيَّن أن كل فصل يُعبِّر عن مشهد تتنوَّع جزئياته مِن الأطر القصصية ذات الصِّبغة الفنيَّة ما بين مشاهد درامية في أسلوب حواري متكرِّر في عدد مِن أبطال القصة الذين يُسوِّقون أحداثها مِن خلال واقع مجتمع مسلم كادت تذهب ريحُه وتَنفلِت عُراه، وتقضي عليه زمرة الكفْر والإلحاد، لولا أن الله سلَّم وانتصر للحق، فهو الحق وحده لا شريك له، وهو وحده لا قوة ولا حول ولا طول لغيره.



وفيما أوردنا من نصوص الفصل السادس من فصول هذه القصة يلحُّ الكاتب على فكرة إسلامية تربط الناس بخالقهم كلما حزبهم أمر، يقول على لسان أحد أبطال القصة في هذا الفصل وكان تاجرًا سماه: أحمد المدبولي، مخاطبًا بطلاً آخر مِن أبطال القصة (البشتيلي):

"رجال إبراهيم بك استولوا على كل ما عندي من بارود دون أن يدفعوا ثمنًا، إن السلب والنهب لا يفارقهم حتى في أحرج الأوقات وأدقِّها، أسرع البشيلي قائلاً: وماذا في ذلك؟ يرد التاجر أحمد المدبولي: لكنَّك أقمتَ الدنيا وأقعدتها عندما نهبوا متاجِرَك، وهكذا يستمر الحوار بين هذين البطلين حتى يقاطع التاجر بهذه العبارات عن معنى الجهاد والتفكير فيه بعقل وروية حتى لا يَنزلِق المُجاهدون ويرموا بأنفسهم إلى التهلكة، فلا بد مِن استعداد تام وقوة تقودها قوة الإيمان والضمير، يقول التاجر: "الكارثة هي أني لا أؤمن بجدوى مقاومة الأعداء بعد كل الذي سمعته، يجب أن تفتحوا عيونكم جيدًا، إن مَدَافع الأعداء لا يقف في طريقها شيء، وخبرتهم الحربية فوق التصور، واستعداداتهم لا مثيل لها، دعوا الأوهام والحماس جانبًا وفكِّروا بعقل، أعرف أن كلامي قد ضايقكم، ولعله يَصِمني بالجبن، ولكن ليكن ذلك، فأنا رجل أحكم عقلي، وهنا يسود الأبطالَ صمتٌ رهيب حتى يَخرج فيهم أحد أبطال القصة واسمه (إبراهيم)، فيَنفجِر غضبًا، لكن البشتيلي يقاطعه في هدوء ليرد على التاجر قائلاً: لك أن تفكِّر كيف شئت؟ وتصل إلى ما يُقنعك مِن نتائج، لكن الشيء الذي لا جدال فيه هو أن أيَّة أمة يعتدي عليها المعتدون لا بد أن تهُبَّ للدفاع عن ذاتها وحوزتها وعقيدتها، وهنا يعود الهدوء إلى نفس الشيخ إبراهيم، فيرد على التاجر قائلاً: دائمًا تنسى يا مدبولي حكمَ الله في مثل هذه الأمور البديهية؛ لأنك تفكِّر بعقل التاجر وأسباب التجارة، ناسيًا أو متناسيًا أن الجهاد شيء آخَر؛ فقد يخسَر الإنسان المجاهد ماله وحياته وأولاده، لكنه هو الظافر الرابح، مدبولي مقاطعًا: ولكن كيف؟ الشيخ إبراهيم: هكذا قال الله -تعالى- في كتابه العزيز: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169] إلى آخره مِن آيات الجهاد الكثيرة.



ويستمر الكيلاني في أحداث القصة حتى يَختم أحد مشاهدها بمشهد يتمُّ فيه تجنيد أحد الرجال ابنه الوحيد الذي لا ولد له ولا لأمه سواه، ويركِّز الكاتب على استجاشة عاطفة الأمومة نحو الولد، واستثارة روح الحماس مِن الأب، ويَنتهي المشهد بتغليب موقف الأب، فيَنخرط الابن في صفوف المُجاهدين، وتظل الأم واجمة النفس مُضطربة القلب، وخاصة عندما يشرد بها الخيال فتتخيَّل أن وحيدها قد لا يرجع إليها، وأن زوجها قد تقضي عليه رميَة طائشة، ولكن فجأة يعود الابن بعد أن أبلى في الجهاد بلاءً حسنًا، يعود ليرد إلى أمِّه شيئًا مِن البر بها؛ انطلاقًا من هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ففيهما فجاهد)).



وهكذا تستمر أحداث هذه القصة الروائية الإسلامية بعد أن يترك الكاتب في آخِر فصل مِن فصولها ختامًا بين مصيرين؛ أحدهما: مصير الكفر بين موت وضياع، وثانيهما: مصير الإيمان بين حياتين كريمتَين في الدنيا والآخرة؛ فالأحياء من المؤمنين آوَوا ونصروا ونشروا العدل والسلام، والأموات أحياء عند ربهم يرزقون، ويترك هذا الكاتب الإسلامي على آخِر سطر من سطور قصته (نابليون في الأزهر) عبارة ماتَ برتلي، وعاش البشتيلي، على الرغم من بقاء (برتلي) في حياة بين الذل والضياع والهوان، وموت البشتيلي ملتحقًا بركب الشهداء والأولياء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.



وفي حسنِ هذه الخاتمة تتجلى قيَم شعورية راسخة في قلب كل مسلم، وبخاصة المسلم الأديب؛ لشفافية روحه وصدقه، هذه القيم هي: الصدق، والإخلاص، والإنسانية.



فالصدق أول عنصر توحي به إنسانية القصة، صدق الإحساس وصدق التعبير؛ حيث لا صنعة ولا تزيُّد، والصدق في القصة الأدبية - وبخاصة القصة الإسلامية - لا بد له أن يعتمد على نفاذ البصيرة وألمعيَّة الفِكر؛ فإنه لا سبيل إلى الإحساس الصادق، والتعبير الصادق إلا إذا كان الكاتب مزوَّدًا بقوة الفهم للنفس الإنسانية وسَبرِ أغوارها، وبالحِذق في تصيُّد خوالِجِها الباطنة.



ومعلومٌ أن الصدق الشعوري والصدق الفني مِن خلال براعة التصوير لأحداث القصة وعرض موضوعاتها لمعالجة واقع اجتماعي ينبغي إصلاحه، إنما ذلك الإخلاص في العمل الأدبي، وأيُّ قصَّة أدبية تَحيد عن هذه القيَم، أو هذه الخصائص إنما هي "قصَّة لا يزيد طنينها على أن يَعبر الأسماع، ولا يُمكن أن يكون سلطانها إلا بارد الأثر، عاجزًا عن أن تستجيب له النفس".





[1] نابليون في الأزهر، ص: 5 وما بعدها، د. نجيب الكيلاني.




[2] المصدر السابق، ص: 8 وما بعدها.




[3] المصدر السابق، ص: 44 وما بعدها.




[4] المصدر السابق، ص: 47 وما بعدها.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.48 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.85 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.79%)]