عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 17-08-2022, 08:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,096
الدولة : Egypt
افتراضي رد: اللياقة الروحية

اللياقة الروحية




د. أحمد البراء الأميري



5- الذِّكر:
المراد من الذِّكر حضورُ القلب، فينبغي أن يكون هو مقصودَ الذاكر، فيحرص عليه، ويتدبَّر ما يذكُر، ويتفكر في معناه؛ فالتدبُّر في الذِّكر مطلوب كما هو مطلوب في تلاوة القرآن؛ لأن المقصودَ لا يتحقق من غير تدبُّر.

وأفضلُ الذِّكر ما اشترَك فيه القلبُ واللسان، وكان من الأذكار النبوية، ووعى الذَّاكر معانيَه ومقاصدَه.

والدعاء ذِكر، وقد يكون الذِّكر دعاءً، وقد لا يكون؛ قال الإمام النوويُّ رحمه الله في كتاب الأذكارِ - ولعله أفضلُ ما أُلِّف في موضوعه -: أجمَع العلماءُ على استحباب الذِّكر بعد الصلاة، وفي الصحيحين: "إن رَفْع الصوت بالذِّكر حين ينصرف الناسُ من المكتوبة كان على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ومن الأذكار المتَّفق على صحتها قولُ الذاكر:
((سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم))، و((لا إله إلا اللهُ وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))، و((لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله)).

وفيما يلي بعضُ الأحاديث النبوية الشريفةِ التي ورَدت في الذِّكر:
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقعُدُ قوم يذكرون اللهَ عز وجل إلا حفَّتْهم الملائكةُ، وغشِيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينةُ، وذكَرهم اللهُ فيمن عنده))؛ (مسلم والترمذي).

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكَرني؛ فإن ذكَرني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكَرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأ خيرٍ منهم...))؛ (البخاري ومسلم).

ومن أهمِّ فوائد الذِّكر: شعورُ الذاكر بالسَّكينة والطُّمأنينة، والهدوء النفسي، وهو من الأمور التي يشكو أكثرُ الناس من فقدانِها الذي ينجُم عنه القلقُ والأرَق والتوتُّر والاكتئاب؛ قال تعالى: ï´؟ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ï´¾ [الرعد: 28][6].

6- التوبة:
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون))؛ أي: إن الناس جميعًا كثيرو الخطأ والذنوب، وهذه الأخطاءُ والذنوب ينبغي أن تقابلَها كثرةُ التوبة، والأَوْبة، والرجوع، والاستغفار، ومما ورد في التوبة أيضًا ما رُويَ:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((للهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدِكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ، فانفلتت منه وعليها طعامُه وشرابه فأيِس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلِّها، وقد أيِس من راحلته، فينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخَذ بخطامها، ثم قال مِن شدة الفرح: اللهم أنتَ عبدي وأنا ربُّك، أخطأ من شدة الفرَح))؛ (البخاري ومسلم).

وعن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن اللهَ عز وجل يبسُط يده بالليل ليتوبَ مسيء النهار، ويبسُط يدَه بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها))؛ (رواه مسلم).

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إن اللهَ يقبَلُ توبة العبدِ ما لم يُغرغِرْ))؛ أي: ما لم تبلغ رُوحُه حلقومَه؛ (رواه الترمذي وابن ماجه).

وعن عبدِالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((التائبُ من الذَّنب كمَن لا ذنبَ له))؛ (ابن ماجه)، ((والمستغفر من الذَّنب وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئِ بربِّه))؛ (البيهقي).

وعن أنس بن مالك، وابن مسعود رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((الندمُ توبةٌ))؛ (رواه الحاكم وابنُ حبَّان).

7- البكاء من خشية الله:
الضَّحِك والبكاء من أسرارِ النَّفس الإنسانية التي أودَعها الله تعالى فيها، ذكَرهما سبحانه في كتابه الكريم وهو يعدِّد بعضَ آياته الدالةِ على كمال قدرته عز وجل فقال: ï´؟ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ï´¾ [النجم: 43]، وللبكاء والضحك من الفوائد النفسية والجسمية ما لا يزال العلمُ الحديث يكشِف عن جديده كل يوم.

والبكاء من خشية الله تعالى من صفات الأنبياءِ الكرام عليم السلام، ومن اقتدى بهم من المهديِّين الأبرار، الذين وصَفهم ربنا بقوله: ï´؟ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ï´¾ [مريم: 58]، وقوله: ï´؟ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ï´¾ [الإسراء: 109].

وجاءت السنَّة المشرفة فبيَّنت (قولاً وعملاً) هذه المعانيَ القرآنية، من ذلك:
ما رواه ابنُ عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((عينانِ لا تمسهما النارُ: عين بكَتْ من خشية الله، وعين باتت تحرُسُ في سبيل الله))؛ (الترمذي).

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سبعةٌ يظلُّهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله))، وذكَر منهم: ((ورجل ذكَر الله خاليًا ففاضت عيناه))؛ (البخاري ومسلم وغيرهما).

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يلِجُ النار رجلٌ بكى من خشية الله حتى يعود اللبنُ في الضرع))؛ (رواه أحمد، والترمذي، والنسائي).

فلا غروَ أن يكون البكاء خوفًا من عقابِ الله، وشوقًا إلى لقائه من أهم الوسائلِ لتحقيق اللياقة الرُّوحية.

8- الزهد في الدنيا:
يقال: زهد في الشيء: أعرَض عنه وتركه، وزهد في الدنيا: ترَك حلالها مخافةَ حسابه، وترك حرامَها مخافة عقابه.

عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الدنيا حُلْوة خَضِرة، وإن الله تعالى مستخلِفُكم فيها، فينظر كيف تعمَلون؛ فاتقوا الدنيا واتقوا النساءَ))؛ (رواه مسلم).

وعن أنَسٍ رضي الله عنه، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يتبع الميتَ ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنانِ، ويبقى واحد؛ يرجع أهلُه وماله، ويبقى عمله))؛ (متفق عليه).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخَذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمَنكبي فقال: ((كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ، أو عابر سبيل))؛ (البخاري).

وعن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قد أفلَح من أسلم، ورُزِق كَفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه))؛ (مسلم)، والكَفاف: الذي ليس فيه زيادةٌ عن الكفاية.

وفي حديث أبي الدرداءِ رضي الله عنه: ((.... يا أيها الناسُ، هلمُّوا إلى ربكم؛ فإن ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثُر وألهى))؛ (أحمد والحاكم وابن حبَّان).

وعن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحبَّ آخرتَه أضرَّ بدنياه؛ فآثِروا ما يبقى على ما يفنى))؛ (أحمد والحاكم وغيرهما).

9- الجوع وخشونة العيش:
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ((ما شبِع آل محمدٍ صلى الله عليه وسلم مِن خبز شعيرٍ يومين متتابعينِ حتى قُبِض))؛ (متفق عليه).

وعن أنس رضي الله عنه قال: ((لم يأكلِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على خوانٍ حتى مات، وما أكَل خبزًا مرقَّقًا حتى مات))؛ (رواه البخاري).

عن النعمانِ بن بشير رضي الله عنهما قال: "لقد رأيتُ نبيَّكم صلى الله عليه وسلم وما يجِد من الدَّقَل ما يملأ به بطنَه"؛ (رواه مسلم).

10- ذكر الموت وقِصر الأمل:
قال تعالى: ï´؟ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ï´¾ [آل عمران: 185].

عن أبَيِّ بن كعب رضي الله عنه: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهَب ثُلُث الليل، قام فقال: ((يا أيها الناسُ، اذكروا الله، جاءت الرَّاجفة، تَتْبَعها الرادفة، جاء الموتُ بما فيه، جاء الموت بما فيه))؛ (رواه الترمذي).

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أكثِروا ذِكْرَ هاذمِ اللَّذَّات))، يعني: الموتَ؛ (رواه الترمذيُّ)، وهاذم: قاطع.

11- بين الخوف والرجاء:
إذا كان الإنسانُ ينتظر شيئًا محبوبًا سُمِّي انتظاره رجاءً، وإن كان الشيء مكروهًا سُمِّي خوفًا، والخوف ليس عكس الرجاء، بل عكس الرجاءِ اليأسُ، أما الخوف فهو رفيقُ الرجاء؛ ولذلك قيل: الرجاءُ والخوف جَناحانِ، بهما يطير العبد إلى كل مقامٍ محمود.

وقد ورَدَت في كلٍّ من الرجاء والخوف آياتٌ وأحاديثُ:
فمن الآياتِ الواردة في الرجاء قولُه تعالى: ï´؟ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ï´¾ [الزمر: 53].

ومن الأحاديث قولُه صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيدِه، لو لم تُذنِبوا لذهَب اللهُ بكم، ولجاء بقومٍ يُذنِبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم))؛ (رواه مسلم).

أما في الخوف، فكلُّ ما ورَد في القرآن الكريم والحديث الشريف مِن وصفِ جهنَّم وأهوال يوم القيامة، فهو شاهدٌ يستحقُّ التأمُّل والتدبُّر.

والإنسانُ يخاف اللهَ تعالى على قَدْرِ علمِه به؛ قال سبحانه: ï´؟ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ï´¾ [الرحمن: 46]، وقال: ï´؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ï´¾ [الأنفال: 2]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا أعرَفُكم بالله وأشدُّكم له خشيةً))؛ (الإمام أحمد).

والخوف ثلاثةُ أنواع: زائد، ومعتدل، وناقص؛ فالزائد يسبِّبُ اليأس، والقُنوط، والمرض، والناقص لا يمنَعُ صاحبَه من المعاصي، والمعتدل هو الذي يدعو صاحبَه إلى العمل الصالح الذي ينفَعُه وينفع الناس في الدنيا والآخرة، ويكفُّه عن الأذى والمحرَّمات والمعاصي.

فإن قيل: أيهما أفضل: الخوف أم الرجاء؟
قلنا: هذا كقوله: أيهما أفضل الخبز أم الماء؟
وجوابه: الخبزُ للجائع أفضل، والماء للعطشان أفضل، ولا بدَّ منهما معًا، فإن كان الإنسانُ متجرِّئًا على المعصيةِ فالخوف أفضلُ له، وإن كان في حالةِ ضعف، ويأس، ومرض، وخوف، فالرجاءُ أفضل له؛ ولهذا قال سيدنا عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "إنما العالِم الذي لا يقنِّط الناسَ من رحمة الله، ولا يؤمِّنُهم مَكْرَ الله)).

[1] أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
[2] ابن القيم، الجواب الكافي: 97.
[3] انظر مختصر منهاج القاصدين، 228 - 223.
[4] رواه البخاري (6502).
[5] لابن قدامة: 38 (ط1 مؤسسة الرسالة)، بتصرف.
[6] وفي ص98 كلامٌ مهمٌّ عن الذِّكر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.45 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.82 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.37%)]