
17-08-2022, 12:40 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,872
الدولة :
|
|
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد

المحرر في أسباب نزول القرآن
المؤلف: خالد بن سليمان المزيني
المجلد الاول
سورة المائدة
من صــ 511 الى صـ 520
الحلقة (88)
79 - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
1 - أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن أنس ابن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بلغ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أصحابه شيء فخطب فقال: (عرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) قال: فما أتى على أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أشدُّ منه. قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين قال: فقام عمر فقال: رضينا باللُّه رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً قال: فقام ذاك الرجل، فقال: من أبي؟ قال: (أبوك فلان). فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
وفي لفظ لمسلم: عن أبي موسى قال: سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أشياء كرهها. فلما أكثر عليه غضب، ثم قال للناس: (سلوني عما شئتم) ... الحديث.
2 - أخرج البخاري عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كان قوم يسألون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استهزاءً فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته:أين ناقتي؟ فأنبزل الله فيهم هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حتى فرغ من الآية كلها.
3 - أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزلت هذه الآية (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) قالوا: يا رسول اللَّه، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: (لا ولو قلت نعم لوجبت) فأنزل اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) إلى آخر الآية.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الأحاديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
والظاهر - واللَّه أعلم - أن في هذه الأسباب تفصيلاً فيقال:
أما حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في سؤالهم عن الحج أفي كل عام؟ فقد تبين من دراسة إسناده أنه لا يحتج به على النزول بسبب ضعف إسناده المفصلِ في موضعه.
وأما حديث ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عند البخاري قال: كان قوم يسألون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استهزاءً. فقد علق عليه ابن عاشور بما يفيد استبعاده لذلك فقال:
أولاً: (أن البخاري قد انفرد برواية الحديث دون غيره.
ثانياً: أن هؤلاء القوم من المنافقين لأن المؤمنين لا يستهزئون برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويكون الخطاب بالذين آمنوا أي أظهروا الإيمان.
ثالثاً: أن هذا رأي من ابن عبَّاسٍ، وهو لا يناسب افتتاح الآية بخطاب الذين آمنوا إلا أن يراد تحذير المؤمنين من مقاصد المستهزئين كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا). اهـ بتصرف.
وعندي - والله أعلم - أن انفراد البخاري بالحديث ليس علة تقدح فيه، فشأن البخاري أجلُّ من القدح في حديث انفرد بإخراجه.
وأما القول بأن هؤلاء المستهزئين منافقون فضعيف أيضاً فأول الآية صُدر بنداء الإيمان، وآخرها ختم بالمغفرة والحلم، وليس هذا شأن اللَّه مع المستهزئين واقرأ قول اللَّه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).
فلم يبق إلا أن هذا رأي ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ومما يؤيد هذا أنه خالف أنساً وأبا موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أن سببها كثرة الأسئلة التي لا نفع فيها ولا طائل تحتها.
وأما حديث أبي موسى فمجمل فسره حديث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وأما حديث أنس فرواته كثيرون، وشهرته ظاهرة، وموافقته لسياق الآية القرآني غير خافية، وذلك أن الله قال: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) فقد روى مسلم في حديث أنس قال: قال ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابني قط أعقَّ منك؟ أَأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبدٍ أسود للحقته.
فماذا سيكون حال عبد الله لو ظهر على لسان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما خافت منه أم عبد اللَّه؟
قال ابن عاشور: (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أي إن تُظهر لكم وقد أخفيت عنكم يكن في إظهارها ما يسؤكم) اهـ.
وأيضاً فقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) يوافق ما روى البخاري عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في سياق الحديث قال: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: (النار).
فما الظن بحال الرجل، وقد أُخبر أن مدخله النار بعد أن كان هذا خافيًا عليه؟
قال ابن عاشور: (ومنها ما ساءهم جوابه، وهو سؤال من سأل أين أبي، أو أين أنا فقيل له: في النار فهذا يسوءُه لا محالة) اهـ.
وأيضاً فقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... ) إلى قوله: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) يوافق ما روى الشيخان واللفظ لمسلم عن سعد بن وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن أمر لم يحرم فحرِّم على الناس من أجل مسألته).
وهذه الأمثلة التي دلت عليها السنة الصحيحة لا ريب أنها أولى ما تُفسر به الآية الكريمة.
قال السعدي: (ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم وأحزنتهم، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن آبائهم، وعن حالهم في الجنة أو النار، فهذا ربما لو بُين للسائل لم يكن له فيه خير، كسؤالهم للأمور غير الواقعة.
وكالسؤال الذي يترتب عليه تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة، وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة وما أشبهها هي المنهي عنها.
وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شىء من ذلك فهو مأمور به كما قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) اهـ.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة ما روى أنس في أسئلتهم لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن مع ما يؤيده من حديث سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والله أعلم.
* * * * *
80 - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مُخوَّصاً من ذهب فأحلفهما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم وجد الجامُ بمكة، فقالوا ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: (لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم قال: وفيهم نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث ومثله معه منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور.
قال ابن عطية: (لا نعلم خلافًا أن سبب هذه الآية أن تميماً الداري وعدي بن بداء كانا نصرانيين.) اهـ ثم ساق الحديث.
وقال القرطبي: (ولا أعلم خلافاً أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء) اهـ.
وقال السعدي: (وهذه الآيات الكريمة، نزلت في قصة تميم الداري، وعدي بن بداء المشهورة حين أوصى لهما العدوي واللَّه أعلم) اهـ.
وقال ابن عاشور: (وقد حدثت في آخر حياة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حادثة كانت سبباً في نزول هذه الآية وذكر كلامًا إلى أن قال: ذلك أنه كان في سنة تسع من الهجرة نزلت قضية وهي أن رجلين أحدهما تميم الداري والآخر عدي بن بداء.
وحيث إن السبب المذكور معنا مختصر لا يتحقق بقراءته فهم القصة فإني سأذكر القصة كما سردها الطاهر بن عاشور في تفسيره فقال:ذلك أنه كان في سنة تسع من الهجرة نزلت قضية: هي أن رجلين أحدهما تميم الداري اللخمي، والآخر عدي بن بداء، كانا من نصارى العرب تاجرين، وهما من أهل دارين، وكانا يتجران بين الشام، ومكة، والمدينة. فخرج معهما من المدينة بُديل بن أبي مريم مولى بني سهم - وكان مسلماً - بتجارة إلى الشام، فمرض بديل (قيل في الشام وقيل في الطريق براً أو بحراً) وكان معه في أمتعته جام من فضة مخوَّص بالذهب قاصداً به ملك الشام، فلما اشتد مرضه أخذ صحيفة فكتب فيها ما عنده من المتاع والمال ودسَّها في مطاوي أمتعته ودفع ما معه إلى تميم وعدي وأوصاهما بأن يبلّغاه مواليَه من بني سهم، وكان بديل مولى للعاصي بن وائلٍ السهمي، فولاؤه بعد موته لابنه عمرو بن العاص.
وبعض المفسرين يقول: إن ولاء بُديل لعمرو ابن العاصي والمطلب بن وداعة، ويؤيد قولهم أن المطلب حلف مع عمرو بن العاصي على أن الجام لبديل بن أبي مريم. فلما رجعا باعا الجام بمكة بألف درهم ورجعا إلى المدينة فدفعا ما لبديل إلى مواليه. فلما نشروه وجدوا الصحيفة فقالوا لتميم وعدي: أين الجام فأنكرا أن يكون دفع إليهما جامًا. ثم وجد الجام بعد مدة يباع بمكة فقام عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على الذي عنده الجام فقال: إنه ابتاعه من تميم وعدي.
وفي رواية أن تميماً لما أسلم في سنة تسع تأثم مما صنع فأخبر عمرو بن العاصي بخبر الجام ودفع إليه الخمسمائة درهم الصائرة إليه من ثمنه، وطالب عمرو عدياً ببقية الثمن فأنكر أن يكون باعه. وهذا أمثل ما روي في سبب نزول هذه الآية ... إلى أن قال: واتفقت الروايات على أن الفريقين تقاضوا في ذلك إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونزلت هذه الآية في ذلك، فحلف عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على أن تميمًا وعديًا أخفيا الجام، وأن بُديلاً صاحبه وما باعه ولا خرج من يده، ودفع لهما عدي خمسمائة درهم وهو يومئذ نصراني) اهـ.
ولأن الآيات النازلة على هذا السبب لا يتأتى معرفة تفسيرها لكل أحد فسأذكر تفسيرها نقلاً من تفسير السعدي - رحمه الله - حيث قال:
(يخبر تعالى خبرًا متضمنًا للأمر بإشهاد اثنين على الوصية إذا حضر الإنسان مقدمات الموت وعلائمه، فينبغي له أن يكتب وصيته ويُشهد عليها (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ) ممن تعتبر شهادتهما، (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) أي: من غير أهل دينكم من اليهود أو النصارى أو غيرهم، وذلك عند الحاجة والضرورة وعدم غيرهما من المسلمين، (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي سافرتم فيها، (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) أي: فأشهدوهما ولم يأمر بإشهادهما إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول ويؤكد عليهما، أن يحبسا من بعد الصلاة التي يعظمونها، (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) أنهما صدقا وما غيرا وما بدلا هذا (إِنِ ارْتَبْتُمْ) في شهادتهما، فإن صدقتموهما فلا حاجة إلى القسم بذلك.
ويقولان: (لَا نَشْتَرِي بِهِ) أي بأيماننا (ثَمَنًا) بأن نكذب فيها لأجل عرض من الدنيا (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) فلا نراعيه لأجل قربه منا (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ) بل نؤديها على ما سمعناها (إِنَّا إِذًا) أي إن كتمناها (لَمِنَ الْآثِمِينَ).
(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا) أي الشاهدين (اسْتَحَقَّا إِثْمًا) بأن وجد من القرآن ما يدل على كذبهما، وأنهما خانا (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) أي: فليقم رجلان من أولياء الميت، وليكونا من أقرب الأولياء إليه (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) أي: أنهما كذبا وغيَّرا وخانا، (وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي: إن ظلمنا واعتدينا وشهدنا بغير الحق.
قال اللَّه تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة وتأكيدها وردها على أولياء الميت حين تظهر من الشاهدين الخيانة: (ذَلِكَ أَدْنَى) أي أقرب (أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) حين تؤكد عليهما تلك التأكيدات (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي: أن لا تقبل أيمانهم ثم ترد على أولياء الميت (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) أي الذين وصفهم الفسق فلا يريدون الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم.
وحاصل هذا أن الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه، مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين - أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين، فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين جاز أن يوصي إليهما.
ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة أنهما ما خانا، ولا كذبا، ولا غيرا، ولا بدَّلا فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما.
فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين فإن شاء أولياء الميت فليقم منهم اثنان فيقسمان باللَّه: لشهادتنا أحق من شهادة الشاهدين الأولين وأنهما خانا وكذبا فيستحقون منهما ما يدّعون) اهـ.
* النتيجة:
أن سبب النزول المذكور في قصة تميم الداري وعدي بن بداء كان سبباً لنزول الآيات الكريمات وذلك لصحة إسناده، وموافقة سياقه لظاهر الآية واحتجاج المفسرين به وتعويلهم عليه واللَّه أعلم.
* * * * *

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|