حجاب المرأة (7)
د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
شروط الحجاب الشرعي:
يُشترط في الحجاب الشرعي أربعة شروط:
1- ألا يكون ملتصقا يصف جسمها، ولا شفافا يبدي لون، أو هيئة ما يجب عليها ستره من بدنها.
أجمع الصحابة رضي الله عنهم، والتابعون وجميع العلماء على ذلك.
فمن التبرج أن تلبس المرأة ثوبا رقيقا يصفها، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا،..... وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»[1]، وإنما جعلهن كاسيات؛ لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بعاريات؛ لأن الثوب إذا رقَّ يكشفهن؛ وذلك حرام[2].
وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كَسَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: »مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسِ الْقُبْطِيَّةَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً[3]، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا»[4].
هذا الحديث فيه دلالة على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه، وإنما أمر بالثوب تحته؛ لأن القباطي ثياب رقيق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها[5].
قال القرطبي رحمه الله: «أمر الله سبحانه جميع النساء بالستر، وإن ذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها إلا إذا كانت مع زوجها فلها أن تلبس ما شاءت»[6].
2- ألا يكون مطيَّبًا.
عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما، قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا»[7].
وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ»[8].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ»[9].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ»[10]، يعني لا طيب عليهن، يقال: امرأة تَفِلَة حتى لا يتعلق بها نفْس[11].
3- ألا يكون لباس المرأة مشابها للباس الرجال.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ»[12].
وذلك في كل من تتشبه بالآخر في زينته، أو لبسه، أو مشيه، أو نغمة كلامه[13].
4- ألا يكون لباس المرأة مختصا بلباس غير المسلمات.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا»، قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا»[14].
فهذا يدل على أن علة النهي عن لباسهما التشبه بالكفار[15].
[1] صحيح: أخْرجَهُ مسلم (2128)، كتاب اللباس والزينة، من حديث أبي هريرة.
[2] يُنْظَر: ابن العربي، أحكام القرآن، (3 /419).
[3]غلالة: أي ثوبا. [يُنْظَر: لسان العرب، مادة «غلل»].
[4]حسن: أخْرجَهُ أحمد (21786)، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في التعليق عليه: «حديث محتمل للتحسين، عبد الله بن محمد بن عقيل يعتبر به في المتابعات والشواهد، وباقي رجال الإسناد لا بأس بهم».
[5] يُنْظَر: الشوكاني، نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، (3 /443).
[6] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (14 /243).
[7] صحيح: أخْرجَهُ مسلم (443)، كتاب الصلاة.
[8] صحيح: أخْرجَهُ الترمذي (2786)، وقال: «حسن صحيح»، باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة، والنسائي (5126)، باب ما يكره للنساء من الطيب، وأحمد (19711)، وحسنه الألباني. [يُنْظَر: الألباني، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، (273)].
[9] صحيح: أخْرجَهُ مسلم (444)، كتاب الصلاة.
[10] صحيح: أخْرجَهُ أبو داود (565)، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، وأحمد (9645)، وصححه الألباني. [يُنْظَر: الألباني، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، (8 /39)].
[11] يُنْظَر: ابن العربي، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، (3 /45).
[12]صحيح: أخْرجَهُ البخاري (5885)، باب المتشبهون بالنساء، والمتشبهات بالرجال.
[13] ابن العربي، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، (10 /175).
[14] صحيح: أخْرجَهُ مسلم (2077)، كتاب اللباس والزينة.
[15] يُنْظَر: أبو العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، (5 /399).