عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 15-08-2022, 01:04 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,998
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ الرَّعْدِ
الحلقة (320)
صــ 318 إلى صــ 324


والخامس : أنه الباسط كفيه ليقبض على الماء حتى يؤديه إلى فيه ، لا يتم [ ص: 318 ] له ذلك ، والعرب تقول : من طلب ما لا يجد فهو القابض على الماء ، وأنشدوا :


وإني وإياكم وشوقا إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله


أي : لم تحمله ، والوسق : الحمل ، وقال آخر :


فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد


هذا قول أبي عبيدة ، وابن قتيبة .

قوله تعالى : " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ، فيه قولان :

أحدهما : وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال ، لأن أصواتهم محجوبة عن الله ، رواه الضحاك عن ابن عباس .

والثاني : وما عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسران وباطل ، قاله مقاتل .
ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال

قوله تعالى : " ولله يسجد من في السماوات " أي : من الملائكة ، ومن في الأرض من المؤمنين " طوعا وكرها " .

وفي معنى سجود الساجدين كرها ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه سجود من دخل في الإسلام بالسيف ، قاله ابن زيد .

والثاني : أنه سجود ظل الكافر ، قاله مقاتل .

[ ص: 319 ] والثالث : أن سجود الكاره تذلله وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر .

قوله تعالى : " وظلالهم " أي : وتسجد ظلال الساجدين طوعا وكرها ، وسجودها : تمايلها من جانب إلى جانب ، وانقيادها للتسخير بالطول والقصر ، قال ابن الأنباري : قال اللغويون : الظل ما كان بالغدوات قبل انبساط الشمس ، والفيء ما كان بعد انصراف الشمس ، وإنما سمي فيئا ، لأنه فاء ، أي : رجع إلى الحال التي كان عليها قبل أن تنبسط الشمس ، وما كان سوى ذلك فهو ظل ، نحو ظل الإنسان ، وظل الجدار ، وظل الثوب ، وظل الشجرة ، قال حميد بن ثور :


فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق


وقال لبيد :


بينما الظل ظليل مونق طلعت شمس عليه فاضمحل


وقال آخر :


أيا أثلات القاع من بطن توضح حنيني إلى أظلالكن طويل


وقيل : إن الكافر يسجد لغير الله ، وظله يسجد لله . وقد شرحنا معنى الغدو والآصال في (الأعراف :7) .
[ ص: 320 ] قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار

قوله تعالى : " قل من رب السماوات والأرض قل الله " إنما جاء السؤال والجواب من جهة ، لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شيء ، فلما لم ينكروا ،كان كأنهم أجابوا . ثم ألزمهم الحجة بقوله : " قل أفاتخذتم من دونه أولياء " يعني : الأصنام توليتموهم فعبدتموهم وهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فكيف لغيرهم ؟ ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام والذي يعبد الله بقوله : " قل هل يستوي الأعمى والبصير " يعني المشرك والمؤمن " أم هل تستوي الظلمات والنور " وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : " تستوي " بالتاء . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم : " يستوي " بالياء . قال أبو علي : التأنيث حسن ، لأنه فعل مؤنث ، والتذكير سائغ ، لأنه تأنيث غير حقيقي . ويعني بالظلمات والنور : الشرك والإيمان . " أم جعلوا لله شركاء " قال ابن الأنباري : معناه : أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ، فتشابه خلق الله بخلق هؤلاء ؟ وهذا استفهام إنكار ، والمعنى : ليس الأمر على هذا ، بل إذا فكروا علموا أن الله هو المنفرد بالخلق ، وغيره لا يخلق شيئا .

قوله تعالى : " قل الله خالق كل شيء " قال الزجاج : قل ذلك وبينه بما أخبرت به من الدلالة في هذه السورة مما يدل على أنه خالق كل شيء ، وقد ذكرنا في (يوسف :39) معنى الواحد القهار .
[ ص: 321 ] أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد

قوله تعالى : " أنزل من السماء ماء " يعني : المطر " فسالت أودية " وهي جمع واد ، وهو كل منفرج بين جبلين يجتمع إليه ماء المطر فيسيل " بقدرها " أي : بمبلغ ما تحمل ، فإن صغر الوادي ، قل الماء ، وإن هو اتسع ، كثر . وقرأ الحسن ، وابن جبير ، وأبو العالية ، وأيوب ، وابن يعمر ، وأبو حاتم عن يعقوب : " بقدرها " بإسكان الدال . وقوله : " فسالت أودية " توسع في الكلام ، والمعنى : سالت مياهها ، فحذف المضاف ، وكذلك قوله : " بقدرها " أي : بقدر مياهها . " فاحتمل السيل زبدا رابيا " أي : عاليا فوق الماء ، فهذا مثل ضربه الله عز وجل . ثم ضرب مثلا آخر ، فقال : " ومما توقدون عليه في النار " قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : " توقدون عليه " بالتاء . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم بالياء . قال أبو علي : من قرأ بالتاء ، فلما قبله من الخطاب ، وهو قوله : " أفاتخذتم " ، ويجوز أن يكون خطابا عاما للكافة ، ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله : " أم جعلوا لله شركاء " .

[ ص: 322 ] ويعني بقوله : " ومما توقدون عليه " ما يدخل إلى النار فيذاب من الجواهر " ابتغاء حلية " يعني : الذهب والفضة " أو متاع " يعني : الحديد والصفر والنحاس والرصاص تتخذ منه الأواني والأشياء التي ينتفع بها ، " زبد مثله " أي : له زبد إذا أذيب مثل زبد السيل ، فهذا مثل آخر .

وفيما ضرب له هذان المثلان ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه القرآن ، شبه نزوله من السماء بالماء ، وشبه قلوب العباد بالأودية تحمل منه على قدر اليقين والشك ، والعقل والجهل ، فيستكن فيها ، فينتفع المؤمن بما في قلبه كانتفاع الأرض التي يستقر فيها المطر ، ولا ينتفع الكافر بالقرآن لمكان شكه وكفره ، فيكون ما حصل عنده من القرآن كالزبد وكخبث الحديد لا ينتفع به .

والثاني : أنه الحق والباطل ، فالحق شبه بالماء الباقي الصافي ، والباطل مشبه بالزبد الذاهب ، فهو وإن علا على الماء فإنه سيمحق ، كذلك الباطل ، وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال ، فإن الله سيبطله .

والثالث : أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، فمثل المؤمن واعتقاده وعمله كالماء المنتفع به ، ومثل الكافر واعتقاده وعمله كالزبد .

قوله تعالى : " كذلك " أي : كما ذكر هذا ، يضرب الله مثل الحق والباطل . وقال أبو عبيدة : كذلك يمثل الله الحق ويمثل الباطل .

فأما الجفاء ، فقال ابن قتيبة : هو ما رمى به الوادي إلى جنباته ، يقال : أجفأت القدر بزبدها : إذا ألقته عنها . قال ابن فارس : الجفاء : ما نفاه السيل ، ومنه اشتقاق الجفاء . وقال ابن الأنباري : " جفاء " أي : باليا متفرقا . قال ابن عباس : إذا مس الزبد لم يكن شيئا .

[ ص: 323 ] قوله تعالى : " وأما ما ينفع الناس " من الماء والجواهر التي زال زبدها " فيمكث في الأرض " فينتفع به " كذلك " يبقى الحق لأهله .

قوله تعالى : " للذين استجابوا لربهم " يعني : المؤمنين ، " والذين لم يستجيبوا له " يعني : الكفار . قال أبو عبيدة : استجبت لك واستجبتك سواء ، وهو بمعنى : أجبت .

وفي الحسنى ثلاثة أقوال :

أحدها : أنها الجنة ، قاله ابن عباس ، والجمهور . والثاني : أنها الحياة والرزق ، قاله مجاهد . والثالث : كل خير من الجنة فما دونها ، قاله أبو عبيدة .

قوله تعالى : " لافتدوا به " أي : لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب ، ولا يقبل منهم . وفي سوء الحساب ثلاثة أقوال :

أحدها : أنها المناقشة بالأعمال ، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس . وقال النخعي : هو أن يحاسب بذنبه كله ، فلا يغفر له منه شيء .

والثاني : أن لا تقبل منهم حسنة ، ولا يتجاوز لهم عن سيئة .

والثالث : أنه التوبيخ والتقريع عند الحساب .
أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب

قوله تعالى : " أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى " قال ابن عباس : نزلت في حمزة ، وأبي جهل . " إنما يتذكر " أي : إنما يتعظ ذوو العقول . والتذكر : الاتعاظ .
[ ص: 324 ] الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب

قوله تعالى : " الذين يوفون بعهد الله: " في هذا العهد قولان :

أحدهما : أنه ما عاهدهم عليه حين استخرجهم من ظهر آدم .

والثاني : ما أمرهم به وفرضه عليهم . وفي الذي أمر الله به ، عز وجل ، أن يوصل ، ثلاثة أقوال قد نسبناها إلى قائلها في أول سورة (البقرة :27) ، وقد ذكرنا سوء الحساب آنفا .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.85 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.22 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]