عرض مشاركة واحدة
  #303  
قديم 14-08-2022, 11:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,605
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ يُوسُفَ
الحلقة (303)
صــ 199 إلى صــ 205





قوله تعالى : " وكذلك مكنا ليوسف " أي : وكما أنجيناه من إخوته وأخرجناه من ظلمة الجب ، مكنا له في الأرض ، أي : ملكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها . " ولنعلمه " قال ابن الأنباري : إنما دخلت الواو في " ولنعلمه " لفعل مضمر هو المجتلب للام ، والمعنى : مكنا ليوسف في الأرض ، واختصصناه [ ص: 199 ] بذلك لكي نعلمه من تأويل الأحاديث . وقد سبق تفسير " تأويل الأحاديث " [يوسف :6] .

" والله غالب على أمره " في هاء الكناية قولان :

أحدهما : أنها ترجع إلى الله ، فالمعنى : أنه غالب على ما أراد من قضائه ، وهذا معنى قول ابن عباس .

والثاني : أنها ترجع إلى يوسف ، فالمعنى : غالب على أمر يوسف حتى يبلغه ما أراده له ، وهذا معنى قول مقاتل . وقال بعضهم : والله غالب على أمره حيث أمر يعقوب يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته ، فعلموا بها ، ثم أراد يعقوب أن لا يكيدوه ، فكادوه ، ثم أراد إخوة يوسف قتله ، فلم يقدر لهم ، ثم أرادوا أن يلتقطه بعض السيارة فيندرس أمره ، فعلا أمره ، ثم باعوه ليكون مملوكا ، فغلب أمره حتى ملك ، وأرادوا أن يعطفوا أباهم ، فأباهم ، ثم أرادوا أن يغروا يعقوب بالبكاء والدم الذي ألقوه على القميص ، فلم يخف عليه ، ثم أرادوا أن يكونوا من بعده قوما صالحين ، فنسوا ذنبهم إلى أن أقروا به بعد سنين فقالوا : إنا كنا خاطئين [يوسف :97] ، ثم أرادوا أن يمحوا محبته من قلب أبيه ، فازدادت ، ثم أرادت أزليخا أن تلقي عليه التهمة بقولها : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا [يوسف :25] ، فغلب أمره ، حتى شهد شاهد من أهلها ، وأراد يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي ، فنسي الساقي حتى لبث في السجن بضع سنين .
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين

قوله تعالى : " ولما بلغ أشده " قد ذكرنا معنى الأشد في (الأنعام :152) ، [ ص: 200 ] واختلف العلماء في المراد به هاهنا على ثمانية أقوال :

أحدها : أنه ثلاث وثلاثون سنة ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وقتادة . والثاني : ثماني عشرة سنة ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال عكرمة . والثالث : أربعون سنة ، قاله الحسن . والرابع : بلوغ الحلم ، قاله الشعبي ، وربيعة ، وزيد بن أسلم ، وابنه . والخامس : عشرون سنة ، قاله الضحاك . والسادس : أنه من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين ، قاله الزجاج . والسابع : أنه بلوغ ثمان وثلاثين سنة ، حكاه ابن قتيبة . والثامن : ثلاثون سنة ، ذكره بعض المفسرين .

قوله تعالى : " آتيناه حكما " فيه أربعة أقوال :

أحدها : أنه الفقه والعقل ، قاله مجاهد . والثاني : النبوة ، قاله ابن السائب . والثالث : أنه جعل حكيما ، قاله الزجاج ، قال : وليس كل عالم حكيما ، إنما الحكيم : العالم المستعمل علمه ، الممتنع به من استعمال ما يجهل فيه . والرابع : أنه الإصابة في القول ، ذكره الثعلبي . قال اللغويون : الحكم عند العرب ما يصرف عن الجهل والخطإ ، ويمنع منهما ، ويرد النفس عما يشينها ويعود عليها بالضرر ، ومنه حكمة الدابة . وأصل أحكمت في اللغة : منعت ، وسمي الحاكم حاكما ، لأنه يمنع من الظلم والزيغ .

[ ص: 201 ] وفي المراد بالعلم هاهنا قولان : أحدهما : الفقه . والثاني : علم الرؤيا

قوله تعالى : " وكذلك نجزي المحسنين " أي : ومثل ما وصفنا من تعلم يوسف وحراسته ، نثيب من أحسن عمله ، واجتنب المعاصي ، فننجيه من الهلكة ، ونستنقذه من الضلالة فنجعله من أهل العلم والحكمة كما فعلنا بيوسف .

وفي المراد بالمحسنين هاهنا ثلاثة أقوال :

أحدها : الصابرون على النوائب . والثاني : المهتدون ، رويا عن ابن عباس . والثالث : المؤمنون . قال محمد بن جرير : هذا ، وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن ، فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : كما فعلت بيوسف بعد ما لقي من البلاء فمكنته في الأرض وآتيته العلم ، كذلك أفعل بك وأنجيك من مشركي قومك .
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون

قوله تعالى : " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه " أي : طلبت منه المواقعة ، وقد سبق اسمها . قال الزجاج : المعنى : راودته عما أرادته مما يريد النساء من الرجال . " وقالت هيت لك " قرأ ابن كثير : " هيت لك " بفتح الهاء وتسكين الياء وضم التاء . وقرأ نافع ، وابن عامر : " هيت لك " بكسر الهاء وتسكين الياء وفتح التاء . وهي مروية عن علي بن أبي طالب . وروى الحلواني عن هشام عن ابن عامر مثله ، إلا أنه همزه . قال أبو علي الفارسي : هو خطأ . وروي عن ابن عامر : " هئت لك " بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء ، وهي قراءة ابن عباس ، وأبي الدرداء ، وقتادة . قال الزجاج : هو من الهيئة ، كأنها قالت : تهيأت لك . وعن ابن محيصن ، وطلحة بن مصرف مثل قراءة ابن عباس ; [ ص: 202 ] إلا أنها بغير همز . وعن ابن محيصن بفتح الهاء وكسر التاء . وهي قراءة أبي رزين ، وحميد . وعن الوليد بن عتبة بكسر الهاء والتاء مع الهمز ، وهي قراءة أبي العالية . وقرأ ابن خثيم مثله ، إلا أنه لم يهمز . وعن الوليد بن مسلم عن نافع بكسر الهاء وفتح التاء مع الهمز . وقرأ ابن مسعود ، وابن السميفع ، وابن يعمر ، والجحدري : " هيئت لك " برفع الهاء والتاء وبياء مشددة مكسورة بعدها همزة ساكنة . وقرأ أبي بن كعب : " ها أنا لك " . وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء بغير همز . قال الزجاج : وهو أجود اللغات ، وأكثرها في كلام العرب ، ومعناها : هلم لك ، أي : أقبل على ما أدعوك إليه ، وقال الشاعر :


أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا


أي : فأقبل وتعال . وقال ابن قتيبة : يقال هيت فلان لفلان : إذا دعاه وصاح به ، قال الشاعر :


قد رابني أن الكري أسكتا لو كان معنيا بها لهيتا


أي : صار ذا سكوت . واختلف العلماء في قوله : " هيت لك " بأي لغة هي ، على أربعة أقوال :

أحدها : أنها عربية ، قاله مجاهد . وقال ابن الأنباري : وقد قيل : إنها من كلام [ ص: 203 ] قريش ، إلا أنها مما درس وقل في أفواههم آخرا ، فأتى الله به ، لأن أصله من كلامهم ، وهذه الكلمة لا مصدر لها ، ولا تصرف ، ولا تثنية ، ولا جمع ، ولا تأنيث ، يقال للاثنين : هيت لكما ، وللجميع : هيت لكم ، وللنسوة : هيت لكن .

والثاني : أنها بالسريانية ، قاله الحسن .

والثالث : بالحورانية ، قاله عكرمة ، والكسائي . وقال الفراء : يقال : إنها لغة لأهل حوران ، سقطت إلى أهل مكة فتكلموا بها .

والرابع : أنها بالقبطية ، قاله السدي .

قوله تعالى : " قال معاذ الله " قال الزجاج : هو مصدر ، والمعنى : أعوذ بالله أن أفعل هذا ، يقال عذت عياذا ومعاذا ومعاذة . " إنه ربي " أي : إن العزيز صاحبي " أحسن مثواي " ، قال : ويجوز أن يكون " إنه ربي " يعني الله عز وجل " أحسن مثواي " أي : تولاني في طول مقامي .

قوله تعالى : " إنه لا يفلح الظالمون " أي : إن فعلت هذا فخنته في أهله بعدما أكرمني فأنا ظالم . وقيل : الظالمون هاهنا : الزناة .
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين

قوله تعالى : " ولقد همت به " الهم بالشيء في كلام العرب : حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يواقع . فأما هم أزليخا ، فقال المفسرون : دعته إلى نفسها واستلقت له . واختلفوا في همه بها على خمسة أقوال :

أحدها : أنه كان من جنس همها ، فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل ، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، والسدي ، وهو قول [ ص: 204 ] عامة المفسرين المتقدمين ، واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير ، وابن الأنباري . وقال ابن قتيبة : لا يجوز في اللغة : هممت بفلان ، وهم بي ، وأنت تريد : اختلاف الهمين . واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر ، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه . قالوا : ورجوعه عما هم به من ذلك خوفا من الله تعالى يمحو عنه سيئ الهم ، ويوجب له علو المنازل ، ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ثلاثة خرجوا فلجؤوا إلى غار ، فانطبقت عليهم صخرة ، فقالوا : ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله . فقال أحدهم : اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار ، فلما أتيتها بها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة أرعدت وقالت : إن هذا لعمل ما عملته قط ، فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ، فزال ثلث الحجر . والحديث معروف ، وقد ذكرته في " الحدائق " فعلى هذا نقول : إنما همت ، فترقت همتها إلى العزيمة ، فصارت مصرة على الزنا . فأما هو ، فعارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب ، وحديث النفس ، من غير عزم ، فلم يلزمه هذا الهم ذنبا ، فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد ، فإذا لم يشرب لم يؤاخذ بما هجس في نفسه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل " وقال صلى الله عليه وسلم " هلك المصرون " ، وليس [ ص: 205 ] الإصرار إلا عزم القلب ، فقد فرق بين حديث النفس وعزم القلب ، وسئل سفيان الثوري : أيؤاخذ العبد بالهمة ؟ فقال : إذا كانت عزما ، ويؤيده الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله تعالى : إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه ، فإن عملها كتبتها عليه سيئة " . واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة العزيمة ، وإنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله : " قال معاذ الله إنه ربي " وقوله " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء " وكل ذلك إخبار ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية .

فإن قيل : فقد سوى القرآن بين الهمتين ، فلم فرقتم ؟

فالجواب : أن الاستواء وقع في بداية الهمة ، ثم ترقت همتها إلى العزيمة ، بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه ، ولم تتعد همته مقامها ، بل نزلت عن رتبتها ، وانحل معقودها ، بدليل هربه منها ، وقوله : " معاذ الله " ، وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم . ولا يصح ما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل ، فإنه لو كان هذا ، دل على العزم ، والأنبياء معصومون من العزم على الزنا .

والقول الثاني : أنها همت به أن يفترشها ، وهم بها ، أي : تمناها أن تكون له زوجة ، رواه الضحاك عن ابن عباس .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.27%)]