عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 12-08-2022, 04:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,604
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الروضة الوائلية

الروضة الوائلية (8)

وائل حافظ خلف







((فوائد في علوم شتى نفيسات - خواطر عليات - حِكَم فائقات - نوادر مستحسنات - أشعار منتقاة - حكايات مصطفاة))




[هذه - أسعدك الله - روضة لديدة سَنية، ناضرة بهية، دانية قطوفها، مأمونة فصولها؛ فتأنق حيث شئت فيها جَيْئَة وذُهُوبًا، وكن للدعاء لغارسها بذَّالاً وَهُوبًا].





[طغيان (أنا)، و(لي)، و(عندي)]




قال العلامة ابن القيم[1] - رحمه الله -:

وليحذر كلَّ الحذر من طغيان (أنا)، و (لي)، و(عندي)؛ فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتُلِي بها إبليسُ وفرعون وقارون. فـ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لإبليسَ ﴾، و ﴿ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ لفرعون، و﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ لقارون.



وأحسن ما وُضِعَت (أنا) في قول العبد: أنا العبد المذنب، المخطئ، المستغفر، المعترف، ونحوه.



و (لي) في قوله: لي الذنب، ولي الجُرْم، ولي المسكنة، ولي الفقر والذل.



و (عندي) في قوله: اللهم اغفر لي جِدِّي وهَزْلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي.





[ في الإجماع ]




الإجماع في الاصطلاح هو اتفاق مجتهدي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور[2].



وفي شرح حده، ومعرفة فصله وجنسه، والبحث في إمكانه في نفسه، والكلام على حجيته مع أنواعه، مباحثُ كثيرة تُطلب من مظانها.



لكن الذي إليه المقصَد هنا الكلام على أمور أُخرَ.



فمنها:

الكلام على نقل إمامين كبيرين من أهل نقل الإجماع، أولهما أبو بكر بن المنذر، فمن المعلوم عند أولي العلم أنه واسع الخطو في نقل الإجماع، والإحاطة بمذهبه رائد جيد لمن يبتغي التحرير، ومذهبه ما نقله ابن ضويان في "المنار"[3] عن ابن القيم قال: ((عادة ابنِ المنذر أنه إذا رأى أكثر أهل العلم، حكاه إجماعًا)). انتهى.



لكن مما ينبغي أن نلمع إليه هنا أن ابن المنذر - رحمه الله - في مواضعَ من كتابه "الأوسط" يقيد النقل بعلمه هو، فيقول مثلاً: ((لا أعلمهم يختلفون فيه))، أو: ((لا أعلم فيه خلافًا))، ونحو هذا. ولا معاب عليه في ذلك إذا ما اطلع في المسألة على خلاف؛ إذ إن الرجل إنما انتهى إلى ما علم، وقيد وما أطلق، ومخطئ مَن حكى عنه نقل الإجماع من مثل هذه المواضع، فإن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدمه، فإن عثر على خلاف فليعتبر حينئذ من غير ما إنكار على من قيد. ولابن القيم كلام يدور في فلك هذا.



والإمام الثاني هو أبو جعفر ابن جرير الطبري - رحمه الله -، فإن أصله الذي يبني عليه الإجماع يضارع ما سلف، وهو أنه إذا رأى خلاف رجل أو رجلين في المسألة لم يعده شيئًا ويحكي الإجماع على قول الأكثرين. ذكر هذا عنه غيرُ واحد، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن تلامذته: ابن قيم الجوزية في غير موضع من كتبه، ومنها "جِلاء الأفهام"، والعماد ابن كثير في "التفسير".



وقال الشيخ - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (ج8/ص335-336)، من كلامه على إمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -:

((لا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضر فيه تخلف الواحد والاثنين والطائفة القليلة، فإنه لو اعتُبر ذلك لم يكد ينعقد إجماع على إمامة؛ فإن الإمامة أمر مُعَيَّن، فقد يتخلف الرجل لهوًى لا يُعلم...



ومَن ترك الشيء لهوى لم يؤثر تركُه، بخلاف الإجماع على الأحكام العامة، كالإيجاب والتحريم والإباحة، فإن هذا لو خالف فيه الواحد أو الاثنان فهل يعتد بخلافهما؟ فيه قولان للعلماء.



وذُكر عن أحمدَ في ذلك روايتان:

إحداهما: لا يُعتدُّ بخلاف الواحد والاثنين، وهو قول طائفة كمحمد بن جرير الطبري.

والثاني: يعتد بخلاف الواحد والاثنين في الأحكام، وهو قول الأكثرين.



والفرق بينه وبين الإمامة أن الحُكم أمر عام يتناول هذا وهذا؛ فإن القائل بوجوب الشيء يُوجبه على نفسه وعلى غيره، والقائل بتحريمه يُحَرِّمه على نفسه وعلى غيره، فالمنازِع فيه ليس متهمًا؛ ولهذا تُقبَل روايةُ الرجل للحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القصة وإن كان خصمًا فيها؛ لأن الحديث عام يتناولها ويتناول غيرها، وإن كان المحدِّث اليوم محكومًا له بالحديث فغدًا يكون محكومًا عليه، بخلاف شهادته لنفسه؛ فإنها لا تُقبل؛ لأنه خصم، والخصم لا يكون شاهدًا)) انتهى.



رأيت فيما مر من كلام شيخ الإسلام - رحمه الله - أن الإجماع على الأحكام بخرقه خلافُ الواحد في قول الأكثرين، وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن أكثر (الأكثرين) يقولون: إن مخالفة داودَ الظاهريِّ لا يُعتد بها.



قال الإمام النووي - رحمه الله - في "شرح مسلم" (ج3/ص142):

((وقد حكى الشيخ أبو حامد الإسْفَرَايينيُّ إمامُ أصحابنا العراقيين عن داودَ الظاهري أنه أوجب السواك للصلاة، وحكاه الماوردي عن داودَ، وقال: هو عنده واجب لو تركه لم تبطل صلاته.



وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقلَ الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابُه عن داود لم تَضُرَّ مخالفتُه في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون)).



وقال في موضع آخرَ (14/29):

((قال أصحابنا: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر الاستعمال في إناء ذهب أو فضة إلا ما حكي عن داودَ وقول الشافعي في القديم، فهما مردودان بالنصوص والإجماع. وهذا إنما يُحتاج إليه على قول من يَعْتَدُّ بقول داود في الإجماع والخلاف، وإلا فالمحققون يقولون: لا يُعتد به؛ لإخلاله بالقياس وهو أحد شروط المجتهد الذي يعتد به)). انتهى.



وقد أبى هذا المسلكَ جماعة، ومذهبهم هو الأصح، ومنهم العلامة الشوكاني - رحمه الله -، قال في "نيل الأوطار"[4]:

عدم الاعتداد بخلاف داودَ مع علمه وورعه وأخذ جماعة من الأئمة الأكابر بمذهبه من التعصبات التي لا مستند لها إلا مجرد الهوى والعصبية، وقد كثُر هذا الجنس في أهل المذاهب، وما أدري ما هو البرهان الذي قام لهؤلاء المحققين حتى أخرجوه من دائرة علماء المسلمين؟! فإن كان لما وقع منه من المقالات المستبعدة فهي بالنسبة إلى مقالات غيره المؤسَّسَة على محض الرأي المضادة لصريح الرواية في حيز القلة المتبالَغة؛ فإن التعويل على الرأي وعدم الاعتناء بعلم الأدلة قد أفضى بقوم إلى التمذهب بمذاهبَ لا يوافق الشريعةَ منها إلا القليل النادر، وأما داود فما في مذهبه من البدع التي أوقعه فيها تمسكه بالظاهر وحملوه عليه هي في غاية الندرة. ولكن:

لِهَوَى النفوس سريرةٌ لا تُعْلَم



قال المناوي في "الفيض" (ج5/ص677) ط/ مكتبة مصر، عند شرحه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، قال:

((قال أصحابنا في الأصول: يجوز أن يجمع عن قياس، كإمامة أبي بكر هنا؛ فإن الصحب أجمعوا على خلافته، وهي الإمامة العظمى، ومستندهم القياس على الإمامة الصغرى، وهي الصلاة بالناس بتعيين المصطفى صلى الله عليه وسلم)). انتهى.



وأقول: القول بأن الصحب - رضوان عليهم - قاسوا الكبرى على الصغرى مجال نظر. قال أبو الحسن السندي في "حاشيته على النسائي"[5]: ((في الحديث تقديم أهل الفضل والعلم في الإمامة الصغرى والكبرى جميعًا، وأنهم فهموا من تقديم أبي بكر في الصغرى تقديمه في الكبرى أيضًا بعد بيان عُمَرَ لهم ذلك، وليس ذلك لقياس الكبرى على الصغرى حتى يقال: إنه قياس باطل؛ بل لأن الصغرى يومئذ كانت من وظائف الإمام الكبير، فتفويضها إلى أحد عند الموت دليل على نصبه للكبرى. فليتأمل)). انتهى.



وقد بسطنا الكلام على هذا في كتابنا "نزهة العيون". والله الهادي إلى الصواب.





[ كمال عقل الشافعي ]




روى الحافظ ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" عن محمد بن سفيان بن سعيد قال: قال لنا يونس بن عبد الأعلى:

((ما رأيت أحدًا أعقل من الشافعي، لو جُمِعَتْ أمةٌ فجُعلتْ في عقل الشافعي لوسعهم عقلُه)).



قال:

وقال لنا يونسُ: ناظرت الشافعي يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال لي: ((يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة ؟!)). انتهى.



قال الذهبي[6]:

((هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام، وفِقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون)).





[ خبر كُثَيِّر عَزَّةَ مع عبد الملك بن مروان ]




قال أبو علي القالي في "الأمالي" (ج1/ص46-47):

أخبرَنا أبو بكر (هو ابن دُرَيْد)، قال: أخبرنا السَّكَنُ بن سعيد، قال: أخبرنا عليُّ بن نصر الجَهْضَمي قال: دخل كُثَيِّر على عبد الملك بن مروان - رحمه الله -، فقال عبد الملك بن مروان: أأنت كثير عزة؟

قال: نعم.

قال: ((أنْ تَسْمَعَ بالْمُعَيْدِىِّ خيرٌ من أن تراه))[7].



فقال: يا أمير المؤمنين، كلٌّ عند محله رَحْبُ الفِناء، شامخُ البناء، عالي السناء. ثم أنشأ يقول:



ترى الرجل النحيف فتزدريه

وفي أثوابه أسدٌ هَصُورُ



ويُعْجِبُك الطَّرِيرُ إذا تراه

فيُخْلِف ظنَّكَ الرجلُ الطريرُ



بُغَاث الطير أطولها رقابا

ولم تَطُلِ البُزَاةُ ولا الصقورُ



خَشَاش الطير أكثرها فِرَاخا

وأُمُّ الصقرِ مِقْلَاتٌ نَزُورُ



ضِعَاف الأُسْد أكثرُها زَئِيرا

وأَصْرَمُها اللواتي لا تَزِيرُ



وقد عَظُمَ البعيرُ بغير لُبٍّ

فلم يَسْتَغْنِ بالعِظَم البعيرُ



يُنَوَّخ ثم يُضْرَب بالهَرَاوَى

فلا عُرْفٌ لديهِ ولا نَكِيرُ



يُقَوِّدُه الصبيُّ بكل أرض

ويَنْحَرُه على التُّرْب الصغيرُ



فما عِظَمُ الرجالِ لهم بِزَيْنٍ

ولكن زَيْنُهم كَرَمٌ وخِيرُ







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.03 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.40 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.16%)]