
10-08-2022, 10:29 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة :
|
|
رد: تفسير أيسر التفاسير**** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
سورة الإنسان
مدنية وآياتها إحدى وثلاثون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
هل أتى على الأنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الأنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12)
شرح الكلمات:
هل أتى: أي قد أتى.
على الإنسان: أي آدم عليه السلام.
حين من الدهر: أي أربعون سنة.
لم يكن شيئا مذكورا: أي لا نباهة ولا رفعة له لأنه طين لازب وحمأ مسنون وذلك قبل أن ينفخ الله تعالى فيه الروح.
أمشاج: أي أخلاط من ماء المرأة وماء الرجل.
نبتليه: أي نختبر بالتكاليف بالأمر والنهي عند تأهله لذلك بالبلوغ والعقل.
إنا هديناه السبيل: أي بينا له طريق الهدى ببعثة الرسل وإنزال الكتب.
إنا أعتدنا: أي هيأنا.
سلاسل: أي يسحبون بها في نار جهنم.
وأغلالا: أي في أعناقهم.
وسعيرا: أي نارا مسعرة مهيجة.
إن الأبرار: أي المطيعين لله ورسوله الصادقين في إيمانهم وأقوالهم وأحوالهم.
مزاجها: أي ما تمزج به وتخلط.
يفجرونها: أي يجرونها ويسيلونها حيث شاءوا.
شره مستطيرا: أي ممتدا طويلا فاشيا منتشرا.
عبوسا: أي تكلح الوجوه من طوله وشدته.
نضرة وسرورا: أي حسنا ووضاءة في وجوههم وفرحا في قلوبهم.
معنى الآيات:
قوله تعالى {هل أتى1 على الأنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} يخبر تعالى عن آدم أبي البشر عليه السلام أنه أتى عليه حين من الدهر قد يكون أربعين سنة وهو صورة من طين لا روح فيها، فلم يكن في ذلك الوقت له نباهة أو رفعة فيذكر. هذا الإنسان الأول آدم أخبر تعالى عن بدء أمره. وقوله {إنا خلقنا الأنسان من نطفة أمشاج} يخبر تعالى عن الإنسان الذي هو ابن آدم أنه خلقه من نطفة وهي2ما ينطف ويقطر من ماء الرجل وماء المرأة، ومعنى أمشاج3
أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة فهذا مبدأ خلق الإنسان ابن آدم. وقوله {نبتليه4} أي نختبره بالتكاليف بالأمر والنهي وذلك عند تأهله لذلك بالبلوغ والعقل ولذلك جعله سميعا بصيرا إذ بوجود السمع والبصر معا أو بأحدهما يتم التكليف فإن انعدما فلا تكليف لعدم القدرة عليه. وقوله تعالى {إنا هديناه السبيل} أي بينا له طريق الهدى ببعثة الرسل وإنزال الكتب واستبان له بذلك أيضا طريق الغي والردى إذ هما النجدان إن عرف أحدهما عرف الثاني وهو في ذلك إما5 أن يسلك سبيل الهدى فيكون شكورا، وإما أن يسلك سبيل الغي والردى فيكون كفورا، والشكور المؤمن الصادق في إيمانه المطيع لربه،
والكفور المكذب بآيات الله ولقائه. وقوله تعالى {إنا3 أعتدنا للكافرين} الآيات شروع في بيان ما أعد لكل من سالكي سبيل الرشد وسالكي سبيل الغي فقال بادئا بما أعد لسالكي سبيل الغي موجزا في بيان ما أعد لهم من عذاب بخلاف ما أعد لسالكي سبيل الرشد فإنه نعيم تفصيله محبوب والإطناب في بيانه مرغوب فقال {إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا} يسحبون بها في النار، وأغلالا تغل بها أيديهم في أعناقهم وسعيرا متأججا وجحيما مستعرا. هذا موجز ما أعد لسالكي سبيل الغي أما سالكي سبيل الرشد فقد بينه بقوله {إن الأبرار4} أي المؤمنين المطيعين في صدق لله والرسول {يشربون من كأس} ملأى شرابا مزاجها كافورا ومزجت بالكافور لبرودته وبياض لونه وطيب رائحته عينا يشرب بها5 عباد الله لعذوبة مائها وصفائه أصبحت كأنها أداة يشرب بها ولذا قال يشرب بها ولم يقل يشرب منها وقوله يفجرونها تفجيرا أي يجرونها ويسيلونها حيث شاءوا من غرفهم وقصورهم ومجالس سعادتهم. وقوله {يوفون بالنذر} قطع الحديث عن نعيمهم ليذكر بعض فضائلهم ترغيبا في فعلهم ونعيمهم، ثم يعود إلى عرض النعيم فقال {يوفون بالنذر} أي كانوا في دار الدنيا يوفون بالنذر وهو ما يلتزمونه من طاعات لربهم كالصلاة والصيام والحج والصدقات تقربا
إلى ربهم وتزلفا إليه ليحرزوا رضاه عنهم وتلك غاية مناهم. وقوله يخافون يوما كان شره مستطيرا10 أي وكانوا في حياتهم يخافون يوم الحساب يوم العقاب يوما كان شره منتشرا ومع ذلك يطعمون الطعام على حبه أي مع حبهم وشهوتهم له ورغبتهم فيه، يطعمونه مسكينا فقيرا مسكنه الفقر وأذلته الحاجة، ويتيما لا عائل له ولا مال عنده، وأسيرا سجينا بعيد الدار نائي المزار لا يعرف له أصل ولا فصل يطعمونهم ولسان حالهم أو قالهم يقول إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء تجازوننا به في يوم ما من الأيام ولا شكورا ينالنا منكم. إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا أي كالح الوجه مسودا ثقيلا طويلا لا يطاق. واستجاب الله لهم وحقق بفضله مناهم فوقاهم الله شر ذلك اليوم العبوس القمطرير، ولقاهم نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم وجزاهم بما صبروا على فعل الصالحات وعن ترك المحرمات جنة وحريرا، وما سيذكر بعد في الآيات التاليات.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
1- بيان نشأة الإنسان الأب والإنسان الأبن وما تدل عليه من إفضال الله وإكرامه لعباده.
2- حاستا السمع والبصر وجودهما معا أو وجود إحداهما ضروري للتكليف مع ضميمة العقل.
3- بيان أن الإنسان أمامه طريقان فيسلك أيهما شاء وكل طريق ينتهي به إلى غاية فطريق الرشد يوصل إلى الجنة دار النعيم، وطريق الغي يوصل إلى دار الشقاء الجحيم.
4- وجوب الوفاء بالنذر فمن نذر شيئا لله وجب أن يفي بنذره إلا أن ينذر معصية فلا يجوز له الوفاء11 بنذره فيها فمن قال لله على أن أصوم يوم أو شهر كذا وجب عليه أن يصوم ومن قال لله علي أن لا أصل رحمي، أو أن لا أصلي ركعة مثلا فلا يجوز له الوفاء بنذره وليصل رحمه وليصل صلاته ولا كفارة عليه.
5- الترغيب في إطعام الطعام للمحتاجين إليه من فقير ويتيم وأسير.
__________
1 الاستفهام تقريري بمعنى أتى على الإنسان كذا. وجائز أن يكون المراد من الإنسان غير آدم وكونه آدم هو المراد من الآية أولى.
2 يقال مشج الشيء يمشجه أي خلطه فهو ممشوج ومشيج مثل مخلوط وخليط وهل أمشاج جمع مشج على وزن سبب وأسباب أو هو مفرد خلاف.
3 من نطفة أي من ماء يقطر وهو المني وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة كقول عبد الله بن رواحة:
مالي أراك تكرهين الجنة
هل أنت إلا نطفة في شنة
4 الجملة حالية من الإنسان.
5 إما حرف تفصيل وهو بسيط عند الجمهور وقال سيبويه هو مركب حرف إن الشرطية وما النافية، ولما تجردت إن من الشرطية وما من النفي أصبحت إما حرف تفصيل بسيط في الواقع وليس مركبا.
6 الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأنها واقعة موقع جواب للسؤال عن حال كل من الشاكر والكفور فكان الكلام بيانا لحال كل منهما.
7 الأبرار جمع بر وبار، وهو المكثر من فعل البر الذي هو الخير ولذا كان البر من أسماء الله تعالى، قال تعالى: إنا كنا ندعوه من قبل إنه هو البر الرحيم ويجمع البر على بررة.
8 جائز أن تكون الباء في بها بمعنى من التبعيضية وجائز أن يكون يشرب مضمنا معنى يروى أي يروى بها عباد الله ومن شواهد هذه الباء قول الشاعر:
شربت بماء البحر ثم تدفقت
متى لجج خضر لهن نئيح
متى بمعنى في والنئيح مر سريع مع صوت والشاهد قي بماء البحر.
9 النذر هو ما يوجبه المكلف على نفسه في الطاعة بحيث لو لم يوجبه لم يلزمه.
10 يقال استطار الحريق إذا انتشر قال حسان
وهان على سراة بني لؤي
حريق بالبويرة مستطير
قال قتادة استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض.
11 ما يروى عن فاطمة وعلي رضي الله عنهما في مرض الحسنين وما نذرا لله في شأنهما حديث موضوع باطل رده أهل العلم جملة وتفصيلا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|