عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-08-2022, 07:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,986
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تصوف تقي الدين السروجي

ويقول من أبيات[14]:
عايَنْتُ في بارحتي زفَّةً
قضيتُ فيها كل أوطاري

ما زلتُ مذ عاينتُها قائلاً:
يا ليتَها كانت إلى داري!


وفي تصوري أن مُنادمة السَّروجي أصحابه كانتْ تنبع مِن مشكاة تعلُّقه بالجمال الحسي؛ إذ لا بدَّ أنَّ تعشُّقه هذا الجمال، وكلَفه به، ورؤيته الجمال المُطلَق من خلاله قد أضفى عليه جمالاً نفسيًّا؛ لذلك كان مأمونَ الصُّحبةِ، طاهرَ اللِّسان[15].

ويمتلئ ما تبقى من نصوص شِعر السَّروجي بالأبيات التي تُفصِح عن جماله النفسي كما في مثل قوله[16]:
دُنيا المحب ودينه أحبابُه
فإذا جفَوه تقطَّعت أسبابُه


وقوله داعيًا المحبوب إلى الغُفران والصفح عن المحبِّ[17]:
معاملة الأحباب بالوصل والوفا
فدع يا حبيبي عنكَ ذا الهجرَ والجَفا

فإن كان لي ذنبٌ بجَهلي فعلتُه
فمِثليَ مَن أخطا ومثلُكَ مَن عفا


ويتجلَّى هذا الجَمال النفسيُّ - أيضًا - في هذه الأبيات التي يُظهرُ فيها البِشر بقدوم أحبابه حيث يقول[18]:
يا مرحبًا بقدوم جيران النَّقا
كَمُل السرور بهم وعزَّ المُلتَقى

أَنِسَت بقربِهمُ المنازل واغتدى
وجه الوجودِ بهم مُنيرًا مُشرِقَا

ولطِيب نَشرِهم تعطَّرت الصَّبا
وأرى على الدنيا لذلك رَوْنَقَا


وبعد أن رسم أثير الدِّين الغرناطي لصاحبه هذه الصورةَ الزاهية، وقرَّر - مطمئنًا - أن له فيه اعتقادًا، بعد ذلك كله روى عنه أشياء تُخلُّ بعدالته، وتقدَح في تديُّنه وتصوُّفه؛ قال الصفدي: "أخبرني العلامة أثير الدين أبو حيان قال: ودُفن لما مات بمقبرة الفَخري بجوار مَن كان يهواه ظاهرَ الحُسينيَّة[19]"، وقال الصفدي - أيضًا -: "وقال الشيخ أثير الدين: لما مات قال والد محبوبِه: والله ما أدفنُه إلا في قبر ولدي، وهو كان يهواه، وما أُفرِّق بينهم[20] في الدنيا ولا في الآخرة؛ لما كان يَعتقِد الفخري مِن عفافه[21]".

وهاتان الروايتان - إن صحَّتا - تدُلان في رأينا على أن تصوُّف تقي الدين السَّروجي كان تصوفًا بدعيًّا، وليس تصوفًا سُنيًّا؛ لأن المتصوِّف الحقيقي عند أئمة الصوفية الكبار هو الذي يُلجم نفسه بلجام الشرع الحَنيف، ولا يَترُكها ليتحكَّم فيها الهوى، وتَستعبِدها اللذة؛ قال الإمام أبو القاسم القشيري: "سُئل أحمد الجريري[22] عن التصوُّف فقال: الدخول في كل خلُق سُني، والخروج مِن كل خلُق دنيٍّ[23]"، وروى القُشيري - أيضًا - عن أبي علي الروذباري[24] أن الإمام أبا القاسم[25] الجنيد ابن محمد قال: "الطرُق كلها مسدودة على الخَلقِ إلا مَن اقتفى أثر رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم[26]"، وقال الإمام الجنيد - أيضًا -: "مَن لم يحفظ القرآن الكريم، ولم يَكتُب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر؛ لأنَّ عِلمنا هذا مُقيَّد بالكِتاب والسنَّة[27]".

ولقد حذَّر أهل الشريعة وأهل الحقيقة المُتصوِّفةَ مِن مخالطة الغِلمان خوفًا من الوقوع في حبِّهم، فها هو ذا الإمام ابن الجوزي يروي قصة صوفي مَقدسيٍّ أَحَبَّ غلامًا حبًّا عفيفًا يُشبِه حُبَّ تقي الدين السَّروجي لغلامه فيقول: "وقال أبو محمد بن جعفر بن عبدالله الصوفي: قال أبو حمزة الصوفي: رأيتُ ببيتِ المَقدِس فتى من الصوفية يصحَبُ غلامًا مدة طويلة، فمات الفتى وطال حزنُ الغلام عليه حتى صار جِلدًا وعظمًا مِن الضنا والكمَد، فقلتُ له يومًا: لقد طال حزنك على صديقك حتى أظنُّ أنك لا تسلوا بعده أبدًا، فقال: كيف أسلُو عن رجل أُجلُّ اللهَ - عز وجلَّ - أن يُصيبَه معي طرفة عين أبدًا، وصانَني عن نجاسة الفُسوق في خلال صُحبتي له، وخلواتي معه في الليل والنَّهار[28]".

ويُعلِّق ابن الجوزي على القصة قائلاً: "هؤلاء قوم رآهُم إبليس لا يَنجذِبون معه إلى الفواحِش، فحسَّن لهم بداياتها، فتعجَّلوا لذةَ النظرِ، والصحبة والمُحادَثة، وعزَموا على مقاومة النفس في صدِّها عن الفاحشة، فإن صدقوا وتمَّ لهم ذلك فقد اشتغل القلب الذي يَنبغي أن يكون شُغله بالله -تعالى- لا بغيره، وصرف الزمان الذي يَنبغي أن يخلو فيه القلب بما ينفَع به في الآخرة بمُجاهدة الطبع في كفِّه عن الفاحشة، وهذا كله جهل، وخروج عن آداب الشرع، فإنَّ الله - عزَّ وجل - أمر بغضِّ البصر لأنه طريق إلى القلب ليسلم القلب لله -تعالى- من شائبٍ نَخاف منه، وما مثل هؤلاء إلا كمثل من أقبَلَ إلى سباع في غيضة مُتشاغِلة عنه لا تَراه فأثارها وحارَبَها، وقاوَمها فيا بُعدَ سلامته مِن جراحه إن لم يهلك[29]".

وها هو ذا الشيخ الأكبر محي الدِّين بن عربي يُحذِّر المتصوِّفة من مُخالطة الغِلمان فيقول موضِّحًا آداب الصوفية، ومُعلنًا النكير على مَن ينتهجون هذه السبيل، "وليس مِن شأنهم - رضي الله عنهم - صحبةُ المردِ، ولا مكالمتهم، فإنه لم يكن مِن شأن القوم، وإنما أحْدَثَهُ قومٌ فُجَّار رجعوا إلى الطريق بمُجرَّد الدعوى لا بالصورة، ولا بالحقيقة، من أجل الأوقاف الموقوفة على أهل طريق الله -تعالى- بالخوانق والرباطات، وهم مُفسدون كسالى عاجزون، ولا دين لهم ولا همَّة ولا مروءة، واتَّخذوا السماع عبادةً ودينًا، واتخذوا المرد بسوء ظنِّهم، وسوء ما هم عليه، فلا يَنبغي لمسلم أن يَقتدي في هذا الزمان بهم، فليحذَر المُريد من مجالسة الأحداث ومخالطتِهم"[30].

ومِن هذَين النصين اللذين سُقناهما من كلام الإمام ابن الجوزي، والشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، نجد أن أهل الشريعة وأهل الحقيقة يتَّفقون معًا في تشديد النكير على المُتصوِّفة في صحبة الأحداث، ويرون في هذه المصاحبة خطرًا داهمًا يَحلِق التديُّن والتصوف جميعًا.

وجاء في رواية أثير الدين الغرناطي أن السَّروجي كان يكرَه أن يُخبر أحدًا باسمه ونسَبِه، ويعلق الصفدي على ما جاء بهذه الرواية فيقول: "قلتُ: لأنه كان يقول: لي مع الأصحاب ثلاث رتب، فأول ما أجتمِع بهم يقولون: الشيخ تقي الدين جاء، الشيخ تقي الدِّين راح، فإذا طال الأمر قالوا: راح التقي، جاء التقي، صبرتُ عليهم، وعلمت أنهم أخَذوا في الملل، فإذا قالوا: راح السَّروجيُّ، جاء السَّروجي، فذلك آخِر عهدي بصُحبتهم"[31].

إنَّ الصفدي في هذا النص يَحكي ما قاله السَّروجي نفسه في تعليل امتناعه عن إخبار الآخَرين باسمه ونسبه، وهو تعليل تشتمُّ منه رائحة الابتداع، لا رائحة الاتباع؛ لأنه يُفصِح عن رغبة صاحبه في الترفُّع والاستعلاء على أصحابه، وأهل طريق الله يتحاشَون هذه الرغبة؛ لأن من أخصِّ صِفاتهم أنهم "تواضَعوا وتصاغَروا وحقَّروا أنفسهم لموافقة السنَّة"[32]، وفي مَروياتهم عن الحسن قال: قال رسولُ الله: ((أوحِيَ إليَّ أن أتواضَع، فتواضعوا))[33]، وقد ذكَر الإمام الجنيد أنَّ تواضُع الصوفية على ثلاثة معانٍ: تصغير النفس في النفس، وتصغيرها عند غيرها، وقبول الحقِّ ممَّن كان يترك التعزُّز[34]، وهذه المعاني جميعها يُضْرَب بها تعليل السَّروجي امتناعه عن إخبار الآخرين باسمه ونسبِه عرضَ الحائط.

وقد جاء في رواية عن الشهاب محمود أن تقيَّ الدين السَّروجي كان يكره النساء؛ قال الصفدي: "وقال القاضي شهاب الدين محمود: كان يكره مكانًا فيه امرأة، ومَن دعاه يقول: شرطي معروف ألا تحضر امرأة، قال: كُنا يومًا في دعوة بعض الأصحاب فكان ممَّا أحضروا شواءٌ، فأُدخِلَ إلى النساء ليقطِّعوه ويضعوه في الصحون، فكان يتبرم بذلك ويقول: أفيه، الساعةَ يَلمِسونه بأيديهم"[35]!

وهذه الرواية - إن صحَّت - كفيلة بأن تدلَّ - هي الأخرى - على أن تصوف السَّروجي كان تصوفًا بدعيًّا، ولم يكن تصوفًا سُنيًّا؛ لأن ترك النكاح، وكراهة النِّساء من الأمور التي لم يَسِر عليها سلفُ هذه الأمة، وهو باب واسع مِن أبواب إبليس اللعين التي يُلبِّس بها على بعض طوائف الصوفية - كما يقول ابن الجَوزي[36].


[1] شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلَبي كاتبًا، رؤية أدبية ونقدية؛ للدكتور نبيل محمد رشاد، الطبعة الأولى، 2006 القاهرة، صفحة: 30.

[2] أعيان العصر، وأعوان النصر للصفدي 5/ 207.

[3] أعيان العصر للصفدي 1/ 516 وما بعدها.

[4] أعيان العصر 1/ 417.

[5] السابق نفسه، والصفحة نفسها.

[6] الوافي بالوفيات 17/ 341، وفوات الوفيات 2/ 196، وتاريخ ابن الجزري 1/ 241.

[7] الوافي بالوفيات 17/ 341، وفوات الوفيات 2/ 196، وتاريخ ابن الجزري 1/ 241.

[8] الوافي بالوفيات 17/ 341، وتاريخ ابن الجزري 1/ 241.

[9] الأدب في العصر المملوكي 1/ 363.

[10] تاريخ ابن الجزري 1/ 241.

[11] تاريخ ابن لجزري 1/ 343، والوافي بالوفيات 17/ 342 - 343، وصرف العين 2/ 169، والنص رقم: 17 من مجموعنا هذا بالفصل الثالث.

[12] عقود اللآل 155 - 156، والدر المكنون 315/ 316، والنص رقم: (27) من مجموعنا هذا بالفصل الثالث من هذا الكتاب.

[13] فوات الوفيات 2/ 206، والنص رقم: 26 من مجموعنا هذا.

[14] فوات الوفيات 2/ 203، والنص رقم: 8 من مجموعنا هذا بالفصل الثالث من هذا الكتاب.

[15] تاريخ ابن الجزري 1/ 241، والوافي بالوفيات 17/ 341، وفوات الوفيات 2/ 196.

[16] الوافي بالوفيات 17/ 343، والنص رقم: 2 من مجموعنا هذا بالفصل الثالث من هذا الكتاب.

[17] تاريخ ابن الجزري 1/ 244، والنص رقم: 11 من مجموعنا هذا بالفصل الثالث من هذا الكتاب.

[18] فوات الوفيات 2/ 202، والنص رقم: 12 من مجموعنا هذا بالفصل الثالث من هذا الكتاب.

[19] الوافي بالوفيات 17/ 341.

[20] هذه رواية الوافي بالوفيات، ينظر الوافي 17/ 342، وهي خطأ، والصواب: بينهما.

[21] الوافي بالوفيات 17/ 342.

[22] هو أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري، من كبار أصحاب الإمام الجنيد, ينظر ترجمته في الرسالة القشيرية ص: 402.

[23] الرسالة القشيرية ص: 280.

[24] هو أبو علي أحمد بن محمد بن القاسم بن كسرى ت: 322هـ ينظر في ترجمته: شعراء الصوفية المجهولون ليوسف زيدان ص: 21.

[25] هو أبو القاسم الجنيد بن محمد البغدادي المتوفى 217هـ، أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه بغداد، تُنظَر ترجمته في نفحات الأنس للجامي ص: 256.

[26] الرسالة القشيرية ص: 430.

[27] الرسالة القشيرية ص: 431.

[28] تلبيس إبيلس؛ لابن الجوزي ص: 276.

[29] تلبيس إبليس؛ لابن الجوزي ص: 277.

[30] الأمر المحكم المربوط في معرفة ما يحتاج إليه أهل طريق الله من الشروط؛ الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، رسالة مخطوطة بدار الكتب تحت رقم: 9 مجاميع ورقة 128، نقلاً عن د. عاطف جودة نصر "شعر عمر بن الفارض"، دراسة في فن الشعر الصوفي، دار الأندلس، بيروت، صفحة 78.

[31] الوافي بالوفيات 17/ 341.

[32] كتاب أدب الملوك في بيان حقائق التصوُّف صفحة 55.

[33] السابق نفسه، والصفحة نفسها.


[34] السابق نفسه، والصفحة نفسها.

[35] الوافي بالوفيات 17/ 341 - 342.

[36] ينظر تبليس إبليس صفحة 302 وما بعدها.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.06 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.43 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.16%)]