عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 10-08-2022, 06:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,474
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حياة تقي الدين السروجي وثقافته



ففي هذَين البيتَين يتحدَّث الشاعرُ عن تفنُّنِه في التودُّد لمَحبوبه بالقولِ اللين، وبالإشارة اللطيفة بطرفِ العين، وبإظهارِ شَوقِ القلب إليه، وتلهُّفه عليه، ولقد وظَّف السَّروجي في هذا الحديث عددًا من أسماء الكتب المَشهورة في فقه الإمام الشافعي - رضي الله عنه - من مثل كتاب "التنبيه"[10]؛ للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الشافعي المتوفَّى 476هـ، وكتاب "المهذَّب"[11] له أيضًا، وهذا فيه مِن الدَّلالة ما فيه على أن شاعرَنا كان شافعيَّ المذهب.

ويقول مِن موشَّحة في وصف هوى مَن يُحبُّ[12]:
هَواهُ مِن أَشْكلِ المَسائل
كم حارَ في وَصْفِه فَقِيهُ




والسَّروجي في هذا النصِّ لا يشير إلى أسماء مؤلَّفات فقهيَّة بعينها، وإنما يَستخدِم في وصْف ألمِ الهوى وحُرْقة الوَجْدِ مُصطَلحًا من المصطلحات التي يشيع استعمالها بين الفقهاء، وهو مُصطَلح: المسائل المشكلة.

ولقد ذاع صيت السَّروجيِّ شاعرًا في عصرِه، ويبدو أنه كان مِن المُكثِرين المُجيدين؛ لأن الصفدي يتحدَّث عنه فيقول: "وشِعر تقي الدين السروجي كثيرٌ، وكله يتدفَّق سلاسةً، ويَذوبُ حلاوةً لمن يَذوق[13]"، ويتحدَّث عن أبي الربيع سليمان بن إبراهيم بن سليمان المَعروفِ في الديارِ المصريَّة بابن كاتب قراسنقر، وفي الشام بالمستوفي (ت 744هـ) فيَذكُر أنَّ لهذا الكاتب الشاعر نصًّا يَنحو فيه منحى تقي الدين السَّروجي في أبياته التي أولها:
يا ساعيَ الشوقِ......

يقول الصفدي: "فلمَّا أنشَدَني لنفسِه قوله يَنحو فيه ما نَحاه الشيخ تقي الدين السَّروجيِّ في أبياته المَشهورة:
قصَّة الشوقِ سِرْ بها يا رسولي
نحو مَن قُربُه مُناي وسُولي

عند باب الفُتوح حارة بها الدي
ن تحت الساباط قِف يا خليلي

وإذا ما حللتَ تلك المغاني
قِف بتلك الطلولِ غيرَ مُطيلِ

وتأمَّل هناك تلقَ غريرَ الط
رفِ أحوى يَرنو بطرفٍ كحيلِ

مِن بني التركِ فاتر الطرفِ يَرمي
بنبالِ الجُفون كلَّ نبيلِ

ألفيَّ القوام قد أَلِف الهج
رَ دَلالاً على المُحب الذَّليل

فإذا قال: أوزي نجك در سلام بر
كيف حال المُضني الكئيبِ العَليل؟

قبِّل الأرضَ ثمَّ قدِّم إليه
قصةً قُدِّمت بشرح طويل

فإذا قال: أوزي نجك در سلام بر
كيف حال المُضني الكئيب العليل[14]؟

قل: قلن خشي داكل تلاماس دن
ادن ألاسن بلا تَطويل[15]

كال سني كرسكين [16]كشي شفَّه الو
جدُ فأضحى حِلفَ الضَّنى والنُّحولِ[17]




والصِّلة واضحةٌ بين هذا النص الشِّعري ونصِّ تقيِّ الدِّين السَّروجي المُشار إليه، فهما يَنتميان إلى غرضٍ شِعري واحدٍ وهو الغزَل، وقد نهَج ابن كاتب قراسنقر نَهْجَ السَّروجي في بناء النص من حيث:
أولاً: التجريد:
لأن كلَّ واحد مِن الشاعرين ابتدأ نصه بمُخاطبة غيره، وهو في الحقيقة يوجِّه الخطاب إلى نفسه؛ فلقد خاطَب السَّروجي ساعيَ الشوق، وخاطب ابن كاتب قراسنقر رسولَه إلى المَحبوب، فأمَرَ السَّروجي ساعي الشوق أن يذهبَ إلى حيِّ الحُسينية، ذلك الحي الذي يسكن فيه الأتراك مِن طائفة الأويراتية الذين يُشبِهون الغزلان في الحُسنِ[18]، وطلب منه أن يترفَّق في دخول دار المَحبوب بإلقاء السلام، حتى يأنس المحبوب إليه، كما طلب الشاعر من الرسول أن يَشرَح للمحبوب ما يعتمل في صدر المُحبِّ مِن لواعج الهوى بأفصح عبارة، وأبْيَن إشارة، وَوُعِدَ إن هو نجح في إلانة عِطف المحبوب بالمكافأة وحُسنِ العُقبى.

وأمر ابن كاتب قراسنقر رسوله إلى المَحبوب أن يذهبَ إلى حارة بهاء الدِّين الكائنة بباب الفُتوح، وأن يقفَ هناك عند منازل الأحبَّة، وأطلالِهم الدارسة إلى أن يُقابل المَحبوب، ولم ينسَ ابن كاتب قراسنقر أن يُبيِّن أوصافَ ذلك المحبوب للرسول؛ حيث نصَّ على أنَّ المحبوب فاتر الطرف، مُعتدلُ القدِّ، رشيق القوام، جانح للهَجر، جامع في الدَّلال والتمنُّع، تتشوَّق نفسه إلى معرفة أخبار عاشقِه، فأمر ابن كاتب قراسنقر مبعوثَه أن يتأمل أهل ذلك الحي، ويتفرس في وجوههم، وألا ينبس ببنت شفة حتى يتعرَّف المحبوبُ بنفسه عليه؛ حيث سيدفع القلق على المحبِّ المحبوبَ إلى السؤال قائلاً: كيف حال المُضني الكئيب العليل؟ فإذا ما سأل المحبوب عن حبيبِه أجبتَه أيها الرسولُ إجابةً قصيرة موجزة فحواها أن المحبَّ قد شفَّه الوجدُ فأضحى حليفَ الضنى والنُّحول.

ثانيًا: المزج بين اللغتين العربية والتُّركيَّة في نظم النص؛ حيث استعان كلُّ واحدٍ مِن الشاعرَين ببعض الألفاظ والعبارات التركية التي أدرَجَها في مَطاوي الكلام، فلقد استعان السَّروجي ببعض الكلمات والعبارات التركية، بدءًا من البيت السادس من أبيات نصِّه، وضمَّن ابن كات قراسنقر نصه بعض الكلمات والعبارات التركيَّة، بدءًا من البيت السابع من أبيات نصِّه، مع ملاحظة أن ابن كاتب قراسنقر كان أكثر إيغالاً في استخدام اللغة التركيَّة في نصِّه من السَّروجي.


[1] تاريخ ابن الجزري 1: 241، والوافي بالوفيات 17: 341، وفوات الوفيات 2: 196.

[2] فوات الوفيات 2: 205، ديوان الموشَّحات المملوكية الدولة الأولى 285، والنَّص الثامن والعشرون من مجموعنا هذا.

[3] ينظر: عقود اللآل للنواجي صفحة 2: 205، وديوان الموشَّحات المملوكية الدولة السادسة 285، والنص الثامن والعشرون من مجموعنا.

[4] ينظر الوافي بالوفيات 17: 347، وفوات الوفيات 2: 201، والنَّص السابع من مجموعنا هذا.

[5] ينظر الوافي بالوفيات 17: 344، وفوات الوفيات 2: 199، والنَّص العشرون من مجموعنا هذا.

[6] هو القاضي أبو بكر عبدالله بن محمد بن جعفر، ترجم له الباخرزي ضمن مَن ترجمَ لهم في الدمية مِن شُعراء الجبال، وأصفهان، وفارس، وكرمان؛، يُنظَر دمية القصر بتحقيق الدكتور سامي مكي العاني 1: 355، وقد رَوى الباخرزي هذه الأبيات للشاعر نقلاً عن الشيخ أبي القاسم بكر بن المستعين الكاتب.

[7] الوافي بالوفيات 17: 345.

[8] فوات الوفيات 2: 199 هامش رقم (2).

[9] ينظر فوات الوفيات 2: 200، والوافي بالوفيات 17: 346، والنَّص الأول من مجموع شِعره، بالفصل الثالث من هذه الدراسة.

[10] ينظر في هذا الكتاب وما وُضع عليه من شُروح كشف الظنون 1: 489 وما بعدَها.

[11] يُنظر في هذا الكتاب وما وضع عليه من شروح كشف الظنون 2: 1912 وما بعدها.

[12] فوات الوفيات 2: 205، والنَّص رقم 26 من مجموعنا هذا.

[13] الوافي بالوفيات 17: 346.

[14] تكرَّر هذا البيت في النص مرتَين، وورَد في نَصِّ فوات الوفيات مرة واحدة في موضعِه هذا من النص؛ يُنظَر فوات الوفيات 2: 199 - 200.

[15] جاء بهامش رقم 2 من صفحة 200 بفوات الوفيات قول د/ إحسان عباس: في هذا البيتِ والذي قبله ألفاظٌ تركية، ولستُ واثقًا من صحة كتابتِها.


[16] جاء بفوات الوفيات بدلَ هذا الكلام التركي كلام عربي هو (جدَّ لمَن في هواهُ قد).

[17] أعيان العصر 2: 416.

[18] الأدب في العصر المملوكي 1: 363.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.59%)]