عرض مشاركة واحدة
  #279  
قديم 01-08-2022, 12:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,716
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع
سُورَةُ يُونُسَ
الحلقة (279)
صــ 31 إلى صــ 37




قوله تعالى : " أمن لا يهدي " قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وورش عن نافع : " يهدي " بفتح الياء والهاء وتشديد الدال . قال الزجاج : الأصل يهتدي ، فأدغمت التاء في الدال ، فطرحت فتحتها على الهاء . وقرأ نافع إلا ورشا ، وأبو عمرو : " يهدي " بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال ، غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئا من الفتح . وقرأ حمزة ، والكسائي : " يهدي " بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال . قال أبو علي : والمعنى : لا يهدي غيره إلا أن يهدى هو ، ولو هدي الصم لم يهتد ، ولكن لما جعلوها كمن يعقل ، أجريت مجراه . وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم : " يهدي " بكسر الياء والهاء وتشديد الدال ، وكذلك روى أبان وجبلة عن المفضل وعبد الوارث ، قال الزجاج : أتبعوا الكسرة الكسرة ، وهي رديئة لثقل الكسرة في الياء . وروى حفص عن عاصم ، والكسائي عن أبي بكر عنه : " يهدي " بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال ، قال الزجاج : وهذه في الجودة كالمفتوحة الهاء ، إلا أن الهاء كسرت لالتقاء الساكنين . وقرأ ابن السميفع : " يهتدي " بزيادة تاء . والمراد بقوله : " أم من لا يهدي " الصم [ ص: 31 ] " إلا أن يهدى " . وظاهر الكلام يدل على أن الأصنام إن هديت اهتدت وليست كذلك ، لأنها حجارة لا تهتدي ، إلا أنهم لما اتخذوها آلهة ، عبر عنها كما يعبر عمن يعقل ، ووصفت صفة من يعقل وإن لم تكن في الحقيقة كذلك ; ولهذا المعنى قال في صفتها : " أمن " لأنهم جعلوها كمن يعقل . ولما أعطاها حقها في أصل وضعها ، قال : " يا أبت لم تعبد ما لا يسمع " [مريم :42] . وقال الفراء : " أمن لا يهدي " أي : أتعبدون ما لا يقدر أن ينتقل من مكانه إلا أن يحول ؟ وقد صرف بعضهم الكلام إلى الرؤساء والمضلين ، والأول أصح .

قوله تعالى : " فما لكم " قال الزجاج : هو كلام تام ، كأنه قيل لهم : أي شيء لكم في عبادة الأوثان ؟ ثم قيل لهم : " كيف تحكمون " أي : على أي حال تحكمون ؟ وقال ابن عباس : كيف تقضون لأنفسكم ؟ وقال مقاتل : كيف تقضون بالجور ؟
وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون

قوله تعالى : " وما يتبع أكثرهم " أي : كلهم " إلا ظنا " أي : ما يستيقنون أنها آلهة ، بل يظنون شيئا فيتبعونه . " إن الظن لا يغني من الحق شيئا " أي : ليس هو كاليقين ، ولا يقوم مقام الحق وقال مقاتل : ظنهم بأنها آلهة لا يدفع عنهم من العذاب شيئا ، وقال غيره : ظنهم أنها تشفع لهم لا يغني عنهم .
وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين

[ ص: 32 ] قوله تعالى : " وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله " قال الزجاج : هذا جواب قولهم : ائت بقرآن غير هذا أو بدله [يونس :15] وجواب قولهم : افتراه [الفرقان :4] . قال الفراء : ومعنى الآية : ما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله ، فجاءت " أن " على معنى ينبغي . وقال ابن الأنباري : يجوز أن تكون " أن " مع " يفترى " مصدرا ، وتقديره : وما كان هذا القرآن افتراء . ويجوز أن تكون " كان " تامة فيكون المعنى : ما نزل هذا القرآن ، وما ظهر هذا القرآن لأن يفترى ، وبأن يفترى ، فتنصب " أن " بفقد الخافض في قول الفراء ، وتخفض بإضمار الخافض في قول الكسائي . وقال ابن قتيبة : معنى " أن يفترى " أي : يضاف إلى غير الله ، أو يختلق .

قوله تعالى : " ولكن تصديق الذي بين يديه " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه تصديق الكتب المتقدمة ، قاله ابن عباس . فعلى هذا ، إنما قال : " الذي " لأنه يريد الوحي .

والثاني : ما بين يديه من البعث والنشور ، ذكره الزجاج .

والثالث : تصديق النبي صلى الله عليه وسلم الذي بين يدي القرآن ، لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوه قبل سماعهم القرآن ، ذكره ابن الأنباري .

قوله تعالى : " وتفصيل الكتاب " أي : وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرائض التي فرضها عليهم .
أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين

قوله تعالى : " أم يقولون افتراه " في " أم " قولان : أحدهما : أنها بمعنى الواو ، قاله أبو عبيدة . والثاني : بمعنى بل ، قاله الزجاج .

[ ص: 33 ] قوله تعالى : " فأتوا بسورة مثله " قال الزجاج : المعنى : فأتوا بسورة مثل سورة منه ، فذكر المثل لأنه إنما التمس شبه الجنس ، " وادعوا من استطعتم " ممن هو في التكذيب مثلكم " إن كنتم صادقين " أنه اختلقه .
بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين

قوله تعالى : " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه " فيه قولان : أحدهما : أن المعنى : بما لم يحيطوا بعلم ما فيه ذكر الجنة والنار والبعث والجزاء . والثاني : بما لم يحيطوا بعلم التكذيب به ، لأنهم شاكون فيه .

وفي قوله : " ولما يأتهم تأويله " قولان : أحدهما : تصديق ما وعدوا به من الوعيد . والتأويل : ما يؤول إليه الأمر . والثاني : ولم يكن معهم علم تأويله ، قاله الزجاج .

قيل لسفيان بن عيينة : يقول الناس : كل إنسان عدو ما جهل ، فقال : هذا في كتاب الله . قيل : أين ؟ فقال : " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه " .

وقيل للحسين بن الفضل : هل تجد في القرآن : من جهل شيئا عاداه ؟ فقال : نعم ، في موضعين . قوله : " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه " وقوله : وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم [الأحقاف :11]
ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين

قوله تعالى : " ومنهم من يؤمن به " في المشار إليهم قولان :

[ ص: 34 ] أحدهما : أنهم اليهود ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني : قريش ، قاله مقاتل بن سليمان .

وفي هاء " به " قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ، قاله مقاتل . والثاني : إلى القرآن ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

وهذه الآية تضمنت الإخبار عما سبق في علم الله ، فالمعنى : ومنهم من سيؤمن به . وقال الزجاج : منهم من يعلم أنه حق فيصدق به ويعاند فيظهر الكفر ، " ومنهم من لا يؤمن به " أي : يشك ولا يصدق .

قوله تعالى : " وربك أعلم بالمفسدين " قال عطاء : يريد المكذبين ، وهذا تهديد لهم .
وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون .

قوله تعالى : وإن كذبوك فقل لي عملي . . . " الآية . قال أبو صالح عن ابن عباس : نسختها آية السيف ; وليس هذا بصحيح ، لأنه لا تنافي بين الآيتين .
ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون

قوله تعالى : ومنهم من يستمعون إليك اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال : أحدها : في يهود المدينة ، كانوا يأتون رسول الله ويستمعون القرآن فيعجبون ويشتهونه ويغلب عليهم الشقاء ، فنزلت هذه الآية .

والثاني : أنها نزلت في المستهزئين ، كانوا يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم للاستهزاء والتكذيب ، فلم ينتفعوا ، فنزلت فيهم هذه الآية ، والقولان مرويان عن ابن عباس .

[ ص: 35 ] والثالث : أنها نزلت في مشركي قريش ، قاله مقاتل . قال الزجاج : ظاهرهم ظاهر من يستمع ، وهم لشدة عداوتهم بمنزلة الصم . " ولو كانوا لا يعقلون " أي : ولو كانوا مع ذلك جهالا . وقال ابن عباس : يريد أنهم شر من الصم ، لأن الصم لهم عقول وقلوب ، وهؤلاء قد أصم الله قلوبهم .
ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون

قوله تعالى : " ومنهم من ينظر إليك " قال ابن عباس ; يريد : متعجبين منك . أفأنت تهدي العمي " يريد أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون . وقال الزجاج : ومنهم من يقبل عليك بالنظر ، وهو من بغضه لك وكراهته لما يرى من آياتك كالأعمى . وقال ابن جرير : ومنهم من يستمع قولك وينظر إلى حججك على نبوتك ، ولكن الله قد سلبه التوفيق . وقال مقاتل : و " لو " في الآيتين بمعنى " إذا " .
إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون .

قوله تعالى : " إن الله لا يظلم الناس شيئا " لما ذكر الذين سبق القضاء عليهم بالشقاوة ، أخبر أن تقدير ذلك عليهم ليس بظلم ، لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء ، وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم بذلك ، لأن الفعل منسوب إليهم ، وإن كان بقضاء الله .

قوله تعالى : " ولكن الناس " قرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف : " ولكن الناس " بتخفيف النون وكسرها ، ورفع الاسم بعدها .
ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين

[ ص: 36 ] قوله تعالى : " ويوم نحشرهم " وقرأ حمزة : " يحشرهم " بالياء . قال أبو سليمان الدمشقي : هم المشركون .

قوله تعالى : " كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار " فيه قولان :

أحدهما : كأن لم يلبثوا في قبورهم ، قاله ابن عباس . والثاني : في الدنيا ، قاله مقاتل . قال الضحاك : قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم ، فصار كالساعة من النهار ، لهول ما استقبلوا من القيامة .

قوله تعالى : " يتعارفون بينهم " قال ابن عباس : إذا بعثوا من القبور تعارفوا ، ثم تنقطع المعرفة . قال الزجاج : وفي معرفة بعضهم بعضا ، وعلم بعضهم بإضلال بعض ، التوبيخ لهم ، وإثبات الحجة عليهم . وقيل : إذا تعارفوا وبخ بعضهم بعضا ، فيقول هذا لهذا : أنت أضللتني ، وكسبتني دخول النار .

قوله تعالى : " قد خسر الذين كذبوا " هو من قول الله تعالى ، لا من قولهم ، والمعنى : خسروا ثواب الجنة إذ كذبوا بالبعث " وما كانوا مهتدين " من الضلالة .
وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون

قوله تعالى : " وإما نرينك بعض الذي نعدهم " قال المفسرون : كانت وقعة بدر مما أراه الله في حياته من عذابهم . " أو نتوفينك " قبل أن نريك " فإلينا مرجعهم " بعد الموت ، والمعنى : إن لم ننتقم منهم عاجلا ، انتقمنا آجلا .

قوله تعالى : " ثم الله شهيد على ما يفعلون " من الكفر والتكذيب . قال [ ص: 37 ] الفراء : " ثم " هاهنا عطف ، ولو قيل : معناها هناك الله شهيد ، كان جائزا . وقال غيره : " ثم " هاهنا بمعنى الواو . وقرأ ابن أبي عبلة : " ثم الله شهيد " بفتح الثاء ، يراد به : هنالك الله شهيد .

قوله تعالى : " فإذا جاء رسولهم قضي بينهم " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : إذا جاء في الدنيا بعد الإذن له في دعائهم ، قضي بينهم بتعجيل الانتقام منهم ، قاله الحسن . وقال غيره : إذا جاءهم في الدنيا ، حكم عليهم عند اتباعه وخلافه بالطاعة والمعصية .

والثاني : إذا جاء يوم القيامة ، قاله مجاهد . وقال غيره : إذا جاء شاهدا عليهم .

والثالث : إذا جاء في القيامة وقد كذبوه في الدنيا ، قاله ابن السائب .

قوله تعالى : " قضي بينهم بالقسط " فيه قولان : أحدهما : بين الأمة ، فأثيب المحسن وعوقب المسيء . والثاني : بينهم وبين نبيهم .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 51.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 51.28 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.21%)]