عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 01-08-2022, 12:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,188
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع
سُورَةُ يُونُسَ
الحلقة (277)
صــ 17 إلى صــ 23



ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون [ ص: 16 ] قوله تعالى: " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم " أي : لا يضرهم إن لم يعبدوه ، ولا ينفعهم إن عبدوه ، قاله مقاتل ، والزجاج .

قوله تعالى : " ويقولون " يعني المشركين . " هؤلاء " يعنون الأصنام . قال أبو عبيدة : خرجت كنايتها على لفظ كناية الآدميين . وقد ذكرنا هذا المعنى في (الأعراف :191) عند قوله : " وهم يخلقون " وفي قوله : " شفعاؤنا عند الله " قولان : أحدهما : شفعاؤنا في الآخرة ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، ومقاتل . والثاني : شفعاؤنا في إصلاح معايشنا في الدنيا ، لأنهم لا يقرون بالبعث ، قاله الحسن .

قوله تعالى: " قل أتنبئون الله بما لا يعلم " قال الضحاك : أتخبرون الله أن له شريكا ، ولا يعلم الله لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض .
وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون

قوله تعالى : " وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا " قد شرحنا هذا في سورة (البقرة :213) وأحسن الأقوال أنهم كانوا على دين واحد موحدين ، فاختلفوا وعبدوا الأصنام ، فكان أول من بعث إليهم نوح عليه السلام .

قوله تعالى : " ولولا كلمة سبقت من ربك " فيه ثلاثة أقوال .

أحدها : ولولا كلمة سبقت بتأخير هذه الأمة أنه لا يهلكهم بالعذاب كما أهلك الذين من قبلهم ، لقضي بينهم بنزول العذاب ، فكان ذلك فصلا بينهم فيما فيه يختلفون من الدين .

والثاني : أن الكلمة : أن لكل أمة أجلا ، وللدنيا مدة لا يتقدم ذلك على وقته . [ ص: 17 ] والثالث : أن الكلمة : أنه لا يأخذ أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه .

وفي قوله : " لقضي بينهم " قولان : أحدهما لقضي بينهم بإقامة الساعة . والثاني : بنزول العذاب على المكذبين .
ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين

قوله تعالى : " ويقولون " يعني المشركين " لولا " أي : هلا " أنزل عليه آية من ربه " مثل العصا واليد وآيات الأنبياء . " فقل إنما الغيب لله " فيه قولان : أحدهما : أن سؤالكم : لم لم تنزل الآية ؟ غيب ، ولا يعلم علة امتناعها إلا الله .

والثاني : أن نزول الآية متى يكون ؟ غيب ، ولا يعلمه إلا الله

قوله تعالى : " فانتظروا " فيه قولان : أحدهما : انتظروا نزول الآية . والثاني : قضاء الله بيننا بإظهار المحق على المبطل .
وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون

قوله تعالى : " وإذا أذقنا الناس رحمة " سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا على أهل مكة بالجدب فقحطوا سبع سنين ، أتاه أبو سفيان فقال : ادع لنا بالخصب ، فإن أخصبنا صدقناك ، فدعا لهم فسقوا ، ولم يؤمنوا ، ذكره الماوردي . قال المفسرون : المراد بالناس هاهنا : الكفار . وفي المراد بالرحمة والضراء ثلاثة أقوال :

أحدها : أن الرحمة : العافية والسرور ، والضراء : الفقر والبلاء ، قاله ابن عباس .

[ ص: 18 ] والثاني : الرحمة : الإسلام ، والضراء : الكفر ، وهذا في حق المنافقين ، قاله الحسن .

والثالث : الرحمة : الخصب ، والضراء : الجدب قاله الضحاك .

وفي المراد بالمكر هاهنا أربعة أقوال : أحدها أنه الاستهزاء والتكذيب ، قاله مجاهد ، ومقاتل .

والثاني : أنه الجحود والرد ، قاله أبو عبيدة .

والثالث : أنه إضافة النعم إلى غير الله ، فيقولون : سقينا بنوء كذا ، قاله مقاتل بن حيان .

والرابع : أن المكر: النفاق ، لأنه إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، ذكره الماوردي .

قوله تعالى : " قل الله أسرع مكرا " أي : جزاء على المكر " إن رسلنا " يعني الحفظة " يكتبون ما تمكرون " أي : يحفظون ذلك لمجازاتكم عليه . وقرأيعقوب إلا رويسا وأبا حاتم ، وأبان عن عاصم : " يمكرون " بالياء .
هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون [ ص: 19 ] قوله تعالى : " هو الذي يسيركم " أي : الله الذي هو أسرع مكرا ، هو الذي يسيركم " في البر " على الدواب ، وفي البحر على السفن ، فلو شاء انتقم منكم في البر أو في البحر . وقرأ ابن عامر ، وأبو جعفر : " ينشركم " بالنون والشين من النشر ، وهو في المعنى مثل قوله : وبث منهما رجالا كثيرا [النساء :2] . والفلك : السفن . قال الفراء : الفلك تذكر وتؤنث ، وتكون واحدة وتكون جمعا ، قال تعالى هاهنا : " جاءتها " فأنث ، وقال في (يس :41) (في الفلك المشحون ) فذكر .

قوله تعالى : " وجرين بهم " عاد بعد المخاطبة لهم إلى الإخبار عنهم . قال الزجاج : كل من أقام الغائب مقام من يخاطبه جاز أن يرده إلى الغائب ، قال الشاعر :


شطت مزار العاشقين فأصبحت عسرا علي طلابك ابنة مخرم


قوله تعالى : " بريح طيبة " أي : لينة . " وفرحوا بها " للينها . " جاءتها " يعني الفلك . قال الفراء : وإن شئت جعلتها للريح ، كأنك قلت : جاءت الريح الطيبة ريح عاصف ، والعرب تقول : عاصف وعاصفة ، وقد عصفت الريح وأعصفت ، والألف لغة لبني أسد . قال ابن عباس : الريح العاصف : الشديدة . قال الزجاج : يقال عصفت الريح ، فهي عاصف وعاصفة ، وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . " وجاءهم الموج من كل مكان " أي : من كل أمكنة الموج .

قوله تعالى : " وظنوا " فيه قولان : أحدهما : أنه بمعنى اليقين . والثاني : أنه التوهم . وفي قوله " أحيط بهم " قولان :

أحدهما : دنوا من الهلكة . قال ابن قتيبة : وأصل هذا أن العدو إذا أحاط [ ص: 20 ] ببلد ، فقد دنا أهله من الهلكة . وقال الزجاج : يقال لكل من وقع في بلاء : قد أحيط بفلان ، أي : أحاط به البلاء .

والثاني : أحاطت بهم الملائكة ، ذكره الزجاج .

قوله تعالى : " دعوا الله مخلصين له الدين " دون أوثانهم . قال ابن عباس : تركوا الشرك ، وأخلصوا لله الربوبية ، وقالوا : " لئن أنجيتنا من هذه " الريح العاصف " لنكونن من الشاكرين " أي : الموحدين .

قوله تعالى : " يبغون في الأرض " البغي : الترامي في الفساد . قال الأصمعي : يقال : بغى الجرح : إذا ترامى إلى فساد . قال ابن عباس : يبغون في الأرض بالدعاء إلى عبادة غير الله والعمل بالمعاصي والفساد .

" يا أيها الناس " يعني أهل مكة . " إنما بغيكم على أنفسكم " أي : جناية مظالمكم بينكم على أنفسكم . وقال الزجاج : عملكم بالظلم عليكم يرجع .

قوله تعالى : " متاع الحياة الدنيا " قرأ ابن عباس ، وأبو رزين ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، والحسن ، وحفص ، وأبان عن عاصم : " متاع الحياة الدنيا " بنصب المتاع . قال الزجاج : من رفع المتاع ، فالمعنى أن ما تنالونه بهذا البغي إنما تنتفعون به في الدنيا ، ومن نصب المتاع ، فعلى المصدر . فالمعنى : تمتعون متاع الحياة الدنيا . وقرأ أبو المتوكل ، واليزيدي في اختياره ، وهارون العتكي عن عاصم : " متاع الحياة " بكسر العين ، قال ابن عباس : " متاع الحياة الدنيا " ، أي : منفعة في الدنيا .
إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت [ ص: 21 ] الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون

قوله تعالى: " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء " هذا مثل ضربه الله للدنيا الفانية ، فشبهها بمطر نزل من السماء " فاختلط به نبات الأرض " يعني التف النبات بالمطر ، وكثر " مما يأكل الناس " من الحبوب وغيرها " والأنعام " من المرعى . " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها " قال ابن قتيبة : زينتها بالنبات . وأصل الزخرف : الذهب ، ثم يقال للنقش والنور والزهر وكل شيء زين : زخرف . وقال الزجاج : الزخرف كمال حسن الشيء .

قوله تعالى : " وازينت " قرأه الجمهور " وازينت " بالتشديد . وقرأ سعد بن أبي وقاص ، وأبو عبد الرحمن ، والحسن ، وابن يعمر : بفتح الهمزة وقطعها ساكنة الزاي : ، على وزن وأفعلت . قال الزجاج : من قرأ " وازينت " بالتشديد ، فالمعنى : وتزينت ، فأدغمت التاء في الزاي : ، وأسكنت الزاي : فاجتلبت لها ألف الوصل ; ومن قرأ " وأزينت " بالتخفيف على أفعلت ، فالمعنى : جاءت بالزينة . وقرأ أبي ، وابن مسعود : " وتزينت " .

قوله تعالى : " وظن أهلها " أي : أيقن أهل الأرض " أنهم قادرون عليها " أي : على ما أنبتته ، فأخبر عن الأرض ، والمراد النبات ، لأن المعنى مفهوم . " أتاها أمرنا " أي : قضاؤنا بإهلاكها " فجعلناها حصيدا " أي : محصودا لا شيء فيها . والحصيد : المقطوع المستأصل . " كأن لم تغن بالأمس " قال الزجاج : لم تعمر . والمغاني : المنازل التي يعمرها الناس بالنزول فيها . يقال : غنينا بالمكان : إذا نزلوا به . وقرأ الحسن : " كأن لم يغن " بالياء ، يعني الحصيد . قال بعض المفسرين : [ ص: 22 ] تأويل الآية : أن الحياة في الدنيا سبب لاجتماع المال وما يروق من زهرة الدنيا ويعجب ، حتى إذا استتم ذلك عند صاحبه ، وظن أنه ممتع بذلك ، سلب عنه بموته ، أو بحادثة تهلكه ، كما أن الماء سبب لالتفاف النبات وكثرته ، فإذا تزينت به الأرض ، وظن الناس أنهم مستمتعون بذلك ، أهلكه الله ، فعاد ما كان فيها كأن لم يكن .
والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون

قوله تعالى : " والله يدعو إلى دار السلام " يعني الجنة . وقد ذكرنا معنى تسميتها بذلك عند قوله : " لهم دار السلام عند ربهم " [الأنعام :127] . واعلم أن الله عم بالدعوة وخص الهداية من شاء ، لأن الحكم له في خلقه .

وفي المراد بالصراط المستقيم أربعة أقوال :

أحدها : كتاب الله ، رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم . والثاني : الإسلام ، رواه النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم . والثالث : الحق ، قاله مجاهد ، وقتادة . والرابع : المخرج من الضلالات والشبه ، قاله أبو العالية .

[ ص: 23 ] قوله تعالى : " للذين أحسنوا " قال ابن عباس : قالوا : لا إله إلا الله . قال ابن الأنباري : الحسنى : كلمة مستغنى عن وصفها ونعتها ، لأن العرب توقعها على الخلة المحبوبة المرغوب فيها المفروح بها ، فكان الذي تعلمه العرب من أمرها يغني عن نعتها ، فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ومتعرف من جهتها ، يدل على هذا قول امرئ القيس :


فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال

فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا
ورضت فذلت صعبة أي إذلال

أي : إلى الأمر المحبوب . وهصرت بمعنى مددت . والغصن كناية عن المرأة . والباء مؤكدة للكلام ، كما تقول العرب : ألقى بيده إلى الهلاك ، يريدون : ألقى يده . والشماريخ كناية عن الذوائب . ورضت ، معناه : أذللت . ومن أجل هذا قال : أي إذلال ، ولم يقل : أي رياضة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 52.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 51.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.21%)]