عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 01-08-2022, 12:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (273)
صــ507 إلى صــ 514



ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم

[ ص: 507 ] قوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين في سبب نزولها أربعة أقوال .

أحدها: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: "أي عم، قل معي: لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا . الآية، ونزلت إنك لا تهدي من أحببت [القصص:56]، أخرجه البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه . وقيل: إنه لما مات أبو طالب، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر له، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه؟ فاستغفروا للمشركين، فنزلت هذه الآية . قال أبو الحسين بن المنادي: هذا لا يصح، إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" قبل أن يموت، [ ص: 508 ] وهو في السياق، فأما أن يكون استغفر له بعد الموت، فلا، فانقلب ذلك على الرواة، وبقي على انقلابه .

والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أمه آمنة، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم بكى، فبكى الناس لبكائه، ثم انصرف إليهم، فقالوا: ما الذي أبكاك؟ فقال: "مررت بقبر أمي فصليت ركعتين، ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنهيت، فبكيت، ثم عدت فصليت ركعتين، واستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزجرت زجرا، فأبكاني"، ثم دعا براحلته فركبها; فما سار إلا هنيأة، حتى قامت الناقة لثقل الوحي; فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا والآية التي بعدها، رواه بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والثالث: أن رجلا استغفر لأبويه، وكانا مشركين، فقال له علي بن أبي طالب: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكر ذلك علي للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه أبو الخليل عن علي عليه السلام .

والرابع: أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا [ ص: 509 ] نستغفر لهم؟ فقال: "بلى، والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه"، فنزلت هذه الآية، وبين عذر إبراهيم، قاله قتادة . ومعنى قوله: من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم أي: من بعد ما بان أنهم ماتوا كفارا .

قوله تعالى: إلا عن موعدة وعدها إياه فيه قولان .

أحدهما: أن إبراهيم وعد أباه الاستغفار، وذلك قوله: سأستغفر لك ربي [مريم:47]، وما كان يعلم أن الاستغفار للمشركين محظور حتى أخبره الله بذلك .

والثاني: أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن; فلما تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله تعالى: بموته على الكفر، ترك الدعاء له . فعلى الأول، تكون هاء الكناية في "إياه" عائدة على آزر، وعلى الثاني، تعود على إبراهيم . وقرأ ابن السميفع، ومعاذ القارئ، وأبو نهيك: "وعدها أباه" بالباء

وفي الأواه ثمانية أقوال .

أحدها: أنه الخاشع الدعاء المتضرع، رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

والثاني: أنه الدعاء، رواه زر عن عبد الله، وبه قال عبيد بن عمير .

والثالث: الرحيم، رواه أبو العبيد بن العامري عن ابن مسعود، وبه قال الحسن، وقتادة، وأبو ميسرة .

والرابع: أنه الموقن، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك .

والخامس: أنه المؤمن، رواه العوفي، ومجاهد وابن أبي طلحة عن ابن عباس .

[ ص: 510 ] والسادس: أنه المسبح، رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن جبير .

والسابع: أنه المتأوه لذكر عذاب الله، قاله الشعبي . قال أبو عبيدة: مجاز أواه مجاز فعال من التأوه، ومعناه: متضرع شفقا وفرقا ولزوما لطاعة ربه، قال المثقب:


إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين


والثامن: أنه الفقيه رواه ابن جريج عن مجاهد . فأما الحليم، فهو الصفوح عن الذنوب .
وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير

قوله تعالى: وما كان الله ليضل قوما الآية، سبب نزولها: أنه لما نزلت آية الفرائض، وجاء النسخ، وقد غاب قوم وهم يعلمون بالأمر الأول مثل أمر القبلة والخمر، ومات أقوام على ذلك، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقال قوم: المعنى أنه بين أنه لم يكن ليأخذهم بالاستغفار للمشركين قبل تحريمه، فإذا حرمه ولم يمتنعوا عنه، فقد ضلوا . وقال ابن الأنباري: في الآية حذف، واختصار، والتأويل: حتى [ ص: 511 ] يتبين لهم ما يتقون، فلا يتقونه، فعند ذلك يستحقون الضلال; فحذف ما حذف لبيان معناه، كما تقول العرب: أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال; يريدون: فتجرت فكسبت .
لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم

قوله تعالى: لقد تاب الله على النبي قال المفسرون: تاب عليه من إذنه للمنافقين في التخلف . وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام، وذلك أنه لما كان سبب توبة التائبين، ذكر معهم كقوله: فأن لله خمسه وللرسول [الأنفال:41] .

قوله تعالى: الذين اتبعوه في ساعة العسرة قال الزجاج : هم الذين اتبعوه في غزوة تبوك، والمراد بساعة العسرة: وقت العسرة، لأن الساعة تقع على كل الزمان، وكان في ذلك الوقت حر شديد، والقوم في ضيقة شديدة، كان الجمل بين جماعة يعتقبون عليه، وكانوا في فقر، فربما اقتسم التمرة اثنان، وربما مص التمرة الجماعة ليشربوا عليها الماء، وربما نحروا الإبل فشربوا من ماء كروشها من الحر . وقيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن ساعة العسرة، فقال خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع، حتى إن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده . فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع لنا . قال: "تحب [ ص: 512 ] ذلك"؟ قال: نعم فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر .

قوله تعالى: من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم قرأ حمزة، وحفص عن عاصم: "كاد يزيغ" بالياء . وقرأ الباقون بالتاء . وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال .

أحدها: تميل إلى التخلف عنه، وهم ناس من المسلمين هموا بذلك، ثم لحقوه، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أن القلوب مالت إلى الرجوع للشدة التي لقوها، ولم تزغ عن الإيمان، قاله الزجاج .

والثالث: أن القلوب كادت تزيغ تلفا بالجهد والشدة، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: ثم تاب عليهم كرر ذكر التوبة، لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ذنبهم، فقدم ذكر التوبة فضلا منه، ثم ذكر ذنبه ثم أعاد ذكر التوبة .
وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم

قوله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وقرأ أبو رزين، وأبو مجلز، والشعبي، وابن يعمر: "خالفوا" بألف . وقرأ معاذ القارئ، وعكرمة، وحميد: [ ص: 513 ] "خلفوا" بفتح الخاء واللام المخففة . وقرأ أبو الجوزاء، وأبو العالية: "خلفوا" بفتح الخاء واللام مع تشديدها . وهؤلاء هم المرادون بقوله: وآخرون مرجون وقد تقدمت أسماؤهم [التوبة:106] . وفي معنى "خلفوا" قولان .

أحدهما: خلفوا عن التوبة، قاله ابن عباس، ومجاهد . فيكون المعنى: خلفوا عن توبة الله على أبي لبابة وأصحابه إذ لم يخضعوا كما خضع أولئك .

والثاني: خلفوا عن غزوة تبوك، قاله قتادة . وحديثهم مندرج في توبة كعب بن مالك، وقد رويتها في كتاب "الحدائق"

قوله تعالى: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي: ضاقت مع سعتها، وذلك أن المسلمين منعوا من معاملتهم وكلامهم، وأمروا باعتزال أزواجهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم . وضاقت عليهم أنفسهم بالهم والغم . (وظنوا) أي: أيقنوا أن لا ملجأ أي: لا معتصم من الله ومن عذابه إلا هو . ثم تاب عليهم أعاد التوبة تأكيدا، ليتوبوا قال ابن عباس : ليستقيموا . وقال غيره: وفقهم للتوبة ليدوموا عليها ولا يرجعوا إلى ما يبطلها . وسئل بعضهم عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب وصاحبيه .
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أنها نزلت في قصة الثلاثة المتخلفين . [ ص: 514 ] والثاني: أنها في أهل الكتاب . والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكونوا مع الصادقين .

وفي المراد بالصادقين خمسة أقوال .

أحدها: أنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن عمر .

والثاني: أبو بكر وعمر، قاله سعيد بن جبير، والضحاك . وقد قرأ ابن السميفع، وأبو المتوكل، ومعاذ القارئ: "مع الصادقين" بفتح القاف وكسر النون على التثنية .

والثالث: أنهم الثلاثة الذين خلفوا صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تأخرهم قاله السدي .

والرابع: أنهم المهاجرون، لأنهم لم يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد، قاله ابن جريج . قال أبو سليمان الدمشقي: وقيل: إن أبا بكر الصديق احتج بهذه الآية يوم السقيفة، فقال: يا معشر الأنصار، إن الله يقول في كتابه: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا إلى قوله: أولئك هم الصادقون [الحشر:8] من هم؟ قالت الأنصار: أنتم هم . قال: فإن الله تعالى يقول: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن نكون معكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء .

والخامس: أنه عام، قاله قتادة . "ومع" بمعنى "من" وكذلك هي في قراءة ابن مسعود: وكونوا من الصادقين" .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.39 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]