عرض مشاركة واحدة
  #272  
قديم 01-08-2022, 12:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,747
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (272)
صــ499 إلى صــ 506




والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون

قوله تعالى: والذين اتخذوا مسجدا قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي: "والذين" بواو ، وكذلك هي في مصاحفهم . وقرأ نافع ، وابن عامر: "الذين" بغير واو ، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام . قال أبو علي: من قرأ بالواو ، فهو معطوف على ما قبله ، نحو قوله: ومنهم من عاهد الله [التوبة:75] ، ومنهم من يلمزك [التوبة:58] ، ومنهم الذين يؤذون النبي [التوبة:61] ، والمعنى: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا . ومن حذف الواو ، فعلى وجهين .

أحدهما: أن يضمر - ومنهم الذين اتخذوا كقوله: أكفرتم ، المعنى: فيقال لهم: أكفرتم .

والثاني: أن يضمر الخبر بعد ، كما أضمر في قوله: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام [الحج:25] ، المعنى ينتقم منهم ويعذبون . قال أهل التفسير: لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء ، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاهم ، فصلى فيه; حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف ، وكانوا من منافقي الأنصار فقالوا: نبني مسجدا ، ونرسل إلى رسول الله فيصلي [ ص: 499 ] فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام; وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية وتنصر ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، عاداه ، فخرج إلى الشام ، وأرسل إلى المنافقين أن أعدوا من استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا لي مسجدا ، فإني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه ، فبنوا هذا المسجد إلى جنب مسجد قباء; وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد ومن داره أخرج المسجد ، ونبتل بن الحارث ، وبجاد بن عثمان ، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف، ووديعة بن ثابت، وأبو حبيبة بن الأزعر، وجارية بن عامر، وابناه يزيد ومجمع; وكان مجمع إمامهم فيه، ثم صلحت حاله، وبحزج جد عبد الله بن حنيف، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أردت بما أرى"؟ فقال: والله ما أردت إلا الحسنى، وهو كاذب . وقال مقاتل: الذي حلف مجمع . وقيل: كانوا سبعة عشر; فلما فرغوا منه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد ابتنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه; فدعى بقميصه ليلبسه، فنزل عليه القرآن وأخبره الله خبرهم، فدعا معن بن عدي، ومالك بن الدخشم في آخرين، وقال: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وأحرقوه"، وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف . ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا .

فأما التفسير، فقال الزجاج : "الذين" في موضع رفع، المعنى: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا . و"ضرارا" انتصب مفعولا له المعنى: اتخذوه للضرار والكفر والتفريق والإرصاد . فلما حذفت اللام، أفضى الفعل فنصب قال المفسرون:

[ ص: 500 ] والضرار بمعنى المضارة لمسجد قباء، (وكفرا) بالله ورسوله (وتفريقا بين المؤمنين) لأنهم كانوا يصلون في مسجد قباء جميعا، فأرادوا تفريق جماعتهم، والإرصاد: الانتظار فانتظروا به مجيء أبي عامر، وهو الذي حارب الله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار . وليحلفن إن أردنا أي: ما أردنا (إلا الحسنى) أي: ما أردنا بابتنائه إلا الحسنى; وفيها ثلاثة أوجه .

أحدها: طاعة الله . والثاني: الجنة . والثالث: فعل التي هي أحسن من إقامة الدين والاجتماع للصلاة . وقد ذكرنا اسم الحالف .
لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين

قوله تعالى: لا تقم فيه أي: لا تصل فيه أبدا . لمسجد أسس على التقوى أي: بني على الطاعة، وبناه المتقون (من أول يوم) أي: منذ أول يوم . قال الزجاج : "من" في الزمان، والأصل: منذ ومذ، وهو الأكثر في الاستعمال . وجائز دخول "من" لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، ومثله قول زهير:


لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن شهر


وقيل معناه: من مر حجج ومن مر شهر . وفي هذا المسجد ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الذي فيه منبره وقبره . روى سهل بن سعد أن رجلين اختلفا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على [ ص: 501 ] التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال "هو مسجدي هذا" وبه قال ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب .

والثاني: أنه مسجد قباء، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، وعروة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، ومقاتل .

والثالث: أنه كل مسجد بني في المدينة، قاله محمد بن كعب .

قوله تعالى: فيه رجال يحبون أن يتطهروا سبب نزولها أن رجالا من أهل قباء كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية، قاله الشعبي .

قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية، أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "ما الذي أثنى الله به عليكم" فقالوا: إنا نستنجي بالماء . فعلى هذا، المراد به الطهارة بالماء . وقال أبو العالية: أن يتطهروا من الذنوب .
أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين

قوله تعالى: أفمن أسس بنيانه قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة [ ص: 502 ] والكسائي "أسس" بفتح الألف في الحرفين جميعا وفتح النون فيهما . وقرأ نافع، وابن عامر "أسس: بضم الألف "بنيانه" برفع النون . والبنيان مصدر يراد به المبني . والتأسيس: إحكام أس البناء، وهو أصله، والمعنى: المؤسس بنيانه متقيا يخاف الله ويرجو رضوانه خير، أم المؤسس بنيانه غير متق؟ قال الزجاج : وشفا الشيء: حرفه وحده . والشفا، مقصور، يكتب بالألف، ويثنى شفوان .

قوله تعالى: جرف قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، والكسائي "جرف" مثقلا . وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: "جرف" ساكنة الراء . قال أبو علي: فالضم الأصل، والإسكان تخفيف، ومثله: الشغل والشغل . قال ابن قتيبة: المعنى: على حرف جرف هائر . والجرف: ما يتجرف بالسيول من الأودية . والهائر: الساقط . ومنه: تهور البناء وانهار: إذا سقط . وقرأ ابن كثير، وحمزة "هار" بفتح الهاء . وأمال الهاء نافع، وأبو عمرو . وعن عاصم كالقراءتين .

قوله تعالى: فانهار به أي: بالباني في نار جهنم قال الزجاج : وهذا مثل، والمعنى: أن بناء هذا المسجد كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها . وقال قتادة: ذكر لنا أنهم حفروا فيه حفرة، فرؤي فيها الدخان . قال جابر: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان .
لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم

قوله تعالى: لا يزال بنيانهم يعني مسجد الضرار الذي بنوا ريبة في قلوبهم وفيها ثلاثة أقوال [ ص: 503 ] أحدها: شكا ونفاقا، لأنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه، قاله ابن عباس، وابن زيد .

والثاني: حسرة وندامة، لأنهم ندموا على بنائه، قاله ابن السائب ومقاتل .

والثالث: أن المعنى: لا يزال هدم بنيانهم حزازة وغيظا في قلوبهم، قاله السدي، والمبرد .

قوله تعالى: إلا أن تقطع قلوبهم قرأ الأكثرون: "إلا" وهو حرف استثناء . وقرأ يعقوب "إلى أن" فجعله حرف جر . وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: "تقطع" بضم التاء . وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: "تقطع" بفتح التاء ثم في المعنى قولان .

أحدهما: إلا أن يموتوا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في آخرين .

والثاني: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم، ذكره الزجاج .
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم

قوله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم سبب نزولها أن الأنصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلا، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم"، قالوا: فإذا [ ص: 504 ] فعلنا ذلك، فما لنا؟ قال: "الجنة" قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت إن الله اشترى . . . الآية، قاله محمد بن كعب القرظي . فأما اشتراء النفس فبالجهاد .

وفي اشتراء الأموال وجهان . أحدهما: بالإنفاق في الجهاد . والثاني: بالصدقات . وذكر الشراء هاهنا مجاز، لأن المشتري حقيقة هو الذي لا يملك المشترى، فهو كقوله: من ذا الذي يقرض الله [البقرة:245] . والمراد من الكلام أن الله أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم عن ذلك بالجنة، فعبر عنه بالشراء لما تضمن من عوض ومعوض . وكان الحسن يقول: لا والله، إن في الدنيا مؤمن إلا وقد أخذت بيعته . وقال قتادة: ثامنهم والله فأغلى لهم .

قوله تعالى: فيقتلون ويقتلون قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر، وعاصم "فيقتلون ويقتلون" فاعل ومفعول . وقرأ حمزة، والكسائي "فيقتلون ويقتلون" مفعول وفاعل . قال أبو علي: القراءة الأولى بمعنى أنهم يقتلون أولا ويقتلون، والأخرى يجوز أن تكون في المعنى كالأولى، لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم; فإن لم يقدر فيه التقديم، فالمعنى: يقتل من بقي منهم بعد قتل، من قتل كما أن قوله: فما وهنوا لما أصابهم [آل عمران:146] ما وهن من بقي بقتل من قتل . ومعنى الكلام: إن الجنة عوض عن جهادهم، قتلوا أو قتلوا . "وعدا عليه"، قال الزجاج : نصب "وعدا" بالمعنى، لأن معنى قوله بأن لهم الجنة : وعدا عليه حقا قال: وقوله: في التوراة والإنجيل يدل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه الجنة .

[ ص: 505 ] قوله تعالى: ومن أوفى أي: لا أحد أوفى بما وعد من الله فاستبشروا أي: فافرحوا بهذا البيع .
التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين

قوله تعالى: التائبون سبب نزولها: أنه لما نزلت التي قبلها، قال رجل: يا رسول الله، وإن سرق وإن زنا وإن شرب الخمر؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس . قال الزجاج : يصلح الرفع هاهنا على وجوه . أحدها: المدح، كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو هم التائبون . ويجوز أن يكون على البدل، والمعنى: يقاتل التائبون; فهذا مذهب أهل اللغة، والذي عندي أنه رفع بالابتداء، وخبره مضمر، المعنى: التائبون ومن ذكر معهم لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذا لم يقصدوا ترك الجهاد ولا العناد، لأن بعض المسلمين يجزئ عن بعض في الجهاد .

وللمفسرين في قوله: "التائبون" قولان . أحدهما: الراجعون عن الشرك والنفاق والمعاصي . والثاني: الراجعون إلى الله في فعل ما أمر واجتناب ما حظر .

وفي قوله: العابدون ثلاثة أقوال . أحدها: المطيعون لله بالعبادة، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: المقيمون الصلاة، قاله الضحاك عن ابن عباس .

والثالث: الموحدون، قاله سعيد بن جبير .

قوله تعالى: الحامدون قال قتادة: يحمدون الله على كل حال .

وفي السائحين أربعة أقوال . [ ص: 506 ] أحدها: الصائمون، قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة في آخرين . قال الفراء: ويرى أهل النظر أن الصائم إنما سمي سائحا تشبيها بالسائح، لأن السائح لا زاد معه; والعرب تقول للفرس إذا كان قائما لا علف بين يديه: صائم وذلك أن له قوتين، غدوة وعشية، فشبه به صيام الآدمي لتسحره وإفطاره .

والثاني: أنهم الغزاة، قاله عطاء . والثالث: طلاب العلم، قاله عكرمة . والرابع: المهاجرون، قاله ابن زيد .

قوله تعالى: الراكعون الساجدون يعني في الصلاة . الآمرون بالمعروف وهو طاعة الله . والناهون عن المنكر وهو معصية الله .

فإن قيل: ما وجه دخول الواو في قوله: "والناهون" فعنه جوابان .

أحدهما: أن الواو إنما دخلت هاهنا لأنها الصفة الثامنة، والعرب تعطف بالواو على السبعة، كقوله: وثامنهم كلبهم [الكهف:22] وقوله في صفة الجنة: وفتحت أبوابها [الزمر:73]، ذكره جماعة من المفسرين .

والثاني: أن الواو إنما دخلت على الناهين لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره، فكان دخول الواو دلالة على أن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون بالسياحة دون الحامدين في بعض الأحوال والأوقات .

قوله تعالى: والحافظون لحدود الله قال الحسن: القائمون بأمر الله .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 53.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 52.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.18%)]