عرض مشاركة واحدة
  #262  
قديم 31-07-2022, 11:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,844
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (262)
صــ428 إلى صــ 434



أحدهما: ليظهر هذا الدين على سائر الملل . ومتى يكون ذلك؟ [ ص: 428 ] فيه قولان . أحدهما: عند نزول عيسى عليه السلام ، فإنه يتبعه أهل كل دين ، وتصير الملل واحدة ، فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام أو أدوا الجزية ، قاله أبو هريرة ، والضحاك . والثاني: أنه عند خروج المهدي ، قاله السدي .

والقول الثاني: أن إظهار الدين إنما هو بالحجج الواضحة ، وإن لم يدخل الناس فيه .
يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم

قوله تعالى: إن كثيرا من الأحبار الأحبار من اليهود ، والرهبان من النصارى . وفي الباطل أربعة أقوال .

أحدها: أنه الظلم ، قاله ابن عباس . والثاني: الرشا في الحكم ، قاله الحسن . والثالث: الكذب ، قاله أبو سليمان . والرابع: أخذه من الجهة المحظورة ، قاله القاضي أبو يعلى . والمراد: أخذ الأموال ، وإنما ذكر الأكل ، لأنه معظم المقصود من المال . وفي المراد بسبيل الله هاهنا قولان .

أحدهما: الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس ، والسدي .

والثاني: أنه الحق والحكم .

قوله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها نزلت عامة في أهل الكتاب والمسلمين ، قاله أبو ذر ، والضحاك .

[ ص: 429 ] والثاني أنها خاصة في أهل الكتاب ، قاله معاوية بن أبي سفيان .

والثالث: أنها في المسلمين ، قاله ابن عباس ، والسدي .

وفي الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه ما لم تؤد زكاته . قال ابن عمر: كل مال أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز ، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا على وجه الأرض وإلى هذا المعنى ذهب الجمهور . فعلى هذا ، معنى الإنفاق: إخراج الزكاة .

والثاني: أنه ما زاد على أربعة آلاف ، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: أربعة آلاف نفقة ، وما فوقها كنز .

والثالث: ما فضل عن الحاجة ، وكان يجب عليهم إخراج ذلك في أول الإسلام ثم نسخ بالزكاة .

فإن قيل كيف قال: "ينفقونها" وقد ذكر شيئين؟ فعنه جوابان .

أحدهما: أن المعنى: يرجع إلى الكنوز والأموال .

والثاني: أنه يرجع إلى الفضة ، وحذف الذهب ، لأنه داخل في الفضة ، قال الشاعر:


نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف


يريد: نحن بما عندنا راضون ، وأنت بما عندك راض ، ذكر القولين الزجاج .

[ ص: 430 ] وقال الفراء: إن شئت اكتفيت بأحد المذكورين ، كقوله: ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا [النساء:112] ، وقوله: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وأنشد:


إني ضمنت لمن أتاني ما جنى وأبى وكان وكنت غير غدور


ولم يقل: غدورين ، وإنما اكتفى بالواحد لاتفاق المعنى . قال أبو عبيدة: والعرب إذا أشركوا بين اثنين قصروا ، فخبروا عن أحدهما استغناء بذلك ، وتحقيقا; لمعرفة السامع بأن الآخر قد شاركه ، ودخل معه في ذلك الخبر ، وأنشد:


فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب


والنصب في "قيار" أجود ، وقد يكون الرفع . وقال حسان بن ثابت:

إن
شرخ الشباب والشعر الأس ود ما لم يعاص كان جنونا


ولم يقل يعاصيا
يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون

قوله تعالى: يوم يحمى عليها في نار جهنم أي: على الأموال . قال ابن [ ص: 431 ] مسعود: والله ما من رجل يكوى بكنز ، فيوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده ، فيوضع كل دينار ودرهم على حدته .

وقال ابن عباس : هي حية تنطوي على جنبيه وجبهته ، فتقول: أنا مالك الذي بخلت به .

قوله تعالى: هذا ما كنزتم فيه محذوف تقديره: ويقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون أي: عذاب ذلك .

فإن قيل: لم خص الجباه والجنوب والظهور من بقية البدن؟

فالجواب: أن هذه المواضع مجوفة ، فيصل الحر إلى أجوافها ، بخلاف اليد والرجل . وكان أبو ذر يقول: بشر الكنازين بكي في الجباه وكي في الجنوب وكي في الظهور ، حتى يلتقي الحر في أجوافهم . وجواب آخر: وهو أن الغني إذا رأى الفقير ، انقبض; وإذا ضمه وإياه مجلس ، ازور عنه وولاه ظهره ، قاله أبو بكر الوراق .
[ ص: 432 ] إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين

قوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله قال المفسرون: نزلت هذه الآية من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله ، فربما وقع حجهم في رمضان ، وربما وقع في شوال ، إلى غير ذلك; وكانوا يستحلون المحرم عاما ، ويحرمون مكانه صفر ، وتارة يحرمون المحرم ويستحلون صفر . قال الزجاج : أعلم الله عز وجل أن عدد شهور المسلمين التي تعبدوا بأن يجعلوه لسنتهم: اثنا عشر شهرا على منازل القمر; فجعل حجهم وأعيادهم على هذا العدد ، فتارة يكون الحج والصوم في الشتاء ، وتارة في الصيف ، بخلاف ما يعتمده أهل الكتاب ، فإنهم يعملون على أن السنة ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوما وبعض يوم . وجمهور القراء على فتح "عين اثنا عشر" . وقرأ أبو جعفر: اثنا عشر ، وأحد عشر ، وتسعة عشر ، بسكون العين فيهن .

قوله تعالى: في كتاب الله أي: في اللوح المحفوظ . قال ابن عباس : في الإمام الذي عند الله كتبه يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم وفيها قولان .

أحدهما: أنها رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، قاله الأكثرون وقال القاضي أبو يعلى: إنما سماها حرما لمعنيين .

أحدهما: تحريم القتال فيها ، وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك أيضا . والثاني: لتعظيم انتهاك المحارم فيها أشد من تعظيمه في غيرها ، وكذلك تعظيم الطاعات فيها .

[ ص: 433 ] والثاني: أنها الأشهر التي أجل المشركون فيها للسياحة ذكره ابن قتيبة .

قوله تعالى: ذلك الدين القيم فيه قولان .

أحدهما: ذلك القضاء المستقيم ، قاله ابن عباس .

والثاني: ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي ، قاله ابن قتيبة .

قوله تعالى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم اختلفوا في كناية "فيهن" على قولين .

أحدهما: أنها تعود على الاثنى عشر ، شهرا قاله ابن عباس . فعلى هذا يكون المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالا ، ولا حلالها حراما ، كفعل أهل النسيء .

والثاني: أنها ترجع إلى الأربعة الحرم ، وهو قول قتادة ، والفراء; واحتج بأن العرب تقول لما بين الثلاثة إلى العشرة: لثلاث ليال خلون ، وأيام خلون; فإذا جزت العشرة قالوا: خلت ومضت; ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هن ، وهؤلاء ، فإذا جزت العشرة ، قالوا: هي ، وهذه; إرادة أن تعرف سمة القليل من الكثير . وقال ابن الأنباري: العرب تعيد الهاء والنون على القليل من العدد ، والهاء والألف على الكثير منه; والقلة: ما بين الثلاثة إلى العشرة ، والكثرة: ما جاوز العشرة . يقولون: وجهت إليك أكبشا فاذبحهن ، وكباشا فاذبحها; فلهذا قال: منها أربعة حرم وقال فلا تظلموا فيهن لأنه يعني بقوله "فيهن" الأربعة .

ومن قال من المفسرين: إنه يعني بقوله: "فيهن" الاثني عشر ، فإنه ممكن; لأن العرب ربما جعلت علامة القليل للكثير ، وعلامة الكثير للقليل . وعلى قول من قال: ترجع "فيهن" إلى الأربعة; يخرج في معنى الظلم فيهن أربعة أقوال .

[ ص: 434 ] أحدها: أنه المعاصي; فتكون فائدة تخصيص النهي عنه بهذه الأشهر ، أن شأن المعاصي يعظم فيها أشد من تعظيمه في غيرها ، وذلك لفضلها على ما سواها ، كقوله: وجبريل وميكال [البقرة:98] وإن كانا قد دخلا في جملة الملائكة ، وقوله: فاكهة ونخل ورمان [الرحمن:68] وإن كانا قد دخلا في جملة الفاكهة ، وقوله: فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج [البقرة:197] وإن كان منهيا عنه في غير الحج ، وكما أمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى وإن كان مأمورا بالمحافظة على غيرها ، هذا قول الأكثرين .

والثاني: أن المراد بالظلم فيهن فعل النسيء ، وهو تحليل شهر محرم وتحريم شهر حلال ، قاله ابن إسحاق .

والثالث: أنه البداية بالقتال فيهن; فيكون المعنى: فلا تظلموا أنفسكم بالقتال فيهن إلا أن تبدؤوا بالقتال قاله مقاتل .

والرابع: أنه ترك القتال فيهن; فيكون المعنى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم بترك المحاربة لعدوكم ، قاله ابن بحر ، وهو عكس قول مقاتل . والسر في أن الله تعالى عظم بعض الشهور على بعض ، ليكون الكف عن الهوى فيها ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها تدريجا للنفس إلى فراق مألوفها المكروه شرعا .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.25 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.62 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]