عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 25-07-2022, 11:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,188
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الجهاد

(419)

- (باب تمني القتل في سبيل الله) إلى (باب مسألة الشهادة)




طلب الشهادة في سبيل الله دأب الصالحين، ونيلها أمنية المتقين؛ لعظيم شأنها، ورفعة درجتها عند الله، ورغم ما للشهادة من النعيم وتكفير السيئات إلا أنها لا تسقط الديون؛ فحقوق الناس مبنية على المشاحة، فينبغي للمسلم في مسألة الدين أن يُحجم ولا يُقدم إلا للضرورة.

تمني القتل في سبيل الله تعالى


شرح حديث: (... لوددت أني قتلت في سبيل الله ثم أحييت ...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تمني القتل في سبيل الله تعالى.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان عن يحيى يعني ابن سعيد الأنصاري حدثني ذكوان أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لم أتخلف عن سرية، ولكن لا يجدون حمولة، ولا أجد ما أحملهم عليه، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، ولوددت أني قتلت في سبيل الله، ثم أحييت، ثم قتلت، ثم أحييت، ثم قتلت، ثلاثاً)].
يقول النسائي رحمه الله: تمني القتل في سبيل الله. أي: ما جاء في تمني القتل في سبيل الله عز وجل، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم تمناه، وورد في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية، ولا أجد حمولة أحملهم)]، يعني: لا يجد من الرواحل، والدواب ما يحمل هؤلاء الذين لا يستطيعون الذهاب معه للجهاد في سبيل الله، ولا يستطيعون.
قوله: [(ويشق عليهم أن يتخلفوا عني)].
يعني: لو ذهب عليه الصلاة والسلام، وهم باقون، وهم لا يجدون ما يركبون، وهو لا يجد ما يحملهم، ويشق عليهم أن يتخلفوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما تخلف عن سرية، أي: أنه يكون مع كل سرية، ولكنه كان يترك ذلك رفقاً بأمته وشفقة عليها، ولكونه عليه الصلاة والسلام لا يجد ما يحملهم عليه، وهم لا يجدون ما يتمكنون به من السفر، ويشق عليهم أن يتخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من شفقته بأمته، ورأفته بها، ورحمته بها عليه الصلاة والسلام، وقد وصفه الله عز وجل بأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، كما قال عز وجل: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].
ثم قال عليه الصلاة والسلام: [(ولوددت أني قتلت في سبيل الله، ثم أحييت، ثم قتلت، ثم أحييت، ثم قتلت ثلاثاً)]؛ وذلك لعظيم أجر الشهادة، وعظيم ثواب الشهادة عند الله عز وجل، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يتمنى أن يقتل ويحيا، ثم يقتل، ثم يحيا، وإن كان الله عز وجل قدر أن من مات فإنه لا يعود؛ ولكن هذا لبيان عظيم شأن الشهادة، وحرص الرسول صلى الله عليه وسلم، على ذلك، وبيان عظيم شأن ذلك عند الله عز وجل، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم تمنى أن يقتل، ثم يحيا، ثم يقتل، ثم يحيا، ثم يقتل؛ وذلك لعظيم شأن الشهادة، ورفعة درجتها عند الله عز وجل، وهذا من كمال بيانه عليه الصلاة والسلام، وإلا فإنه عليه الصلاة والسلام على أي حالة كانت هو أعلى الناس درجة، وهو خير الناس، وأفضل الناس، وسيد الناس، وهو أعلى الناس درجة عند الله عز وجل، سواء حصل له هذا الذي تمناه، أو لم يحصل له عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا لبيان عظيم شأن الشهادة في سبيل الله عز وجل، وأن شأنها عظيم، حتى تفهم ذلك أمته، وحتى تحرص على نيلها إذا استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

تراجم رجال إسناد حديث: (... لوددت أني قتلت في سبيل الله ثم أحييت ...)

قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو عبيد الله بن سعيد السرخسي اليشكري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي .
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة: يعني ابن سعيد القطان، هذه التي قالها من دون عبيد الله بن سعيد، أي: النسائي، أو من دون النسائي؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: يعني، وإنما ينسب شيخه كما يريد، يمكن أن يأتي بنفسه، ويطيل في نسبه وأوصافه، ولا يحتاج إلى أن يقول: يعني، وإنما الذي يحتاج أن يقول: يعني من دون التلميذ، إذا اقتصر التلميذ على لفظ معين، فمن دونه يأتي بما يوضح ويبين، فيأتي بكلمة يعني.
[حدثني ذكوان].
هو ذكوان أبو صالح، وقد ذكر باسمه وكنيته، وهو أبو صالح السمان، ويقال: الزيات، اسمه ذكوان وكنيته: أبو صالح ولقبه: السمان، ويقال أيضاً: الزيات؛ لأنه كان يجلب السمن، والزيت، ويبيعها، فوصف بهذا الوصف الذي هو السمان نسبة إلى بيع السمن، والزيات نسبة إلى بيع الزيت، والنسب تأتي على هذه الصيغة التي هي على لفظ المبالغة، وإن لم يكن فيه مبالغة، أي: منسوب إلى كذا، وتأتي بالياء المضافة في آخر الكلمة، كأن يقال: البصري وغير ذلك، ويأتي بهذا الوصف الذي هو الزيات والسمان، أي: المنسوب إلى بيع الزيت، أو إلى بيع السمن، وذكوان أبو صالح السمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً عنه.

حديث: (... لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل.. ثم أحيا ثم أقتل) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد حدثنا أبي عن شعيب عن الزهري حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه؛ ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الطريق السابقة.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (... لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل.. ثم أحيا ثم أقتل) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده


قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد].هو الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا أبي].
هو عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن شعيب].
هو ابن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني سعيد بن المسيب].
وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.

شرح حديث: (ولأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل الوبر والمدر)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن ابن أبي عميرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من الناس، من نفس مسلمة يقبضها ربها تحب أن ترجع إليكم، وأن لها الدنيا وما فيها غير الشهيد)، قال ابن أبي عميرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ولأن أقتل في سبيل الله، أحب إلي من أن يكون لي أهل الوبر والمدر)].أورد النسائي حديث ابن أبي عميرة رضي الله تعالى عنه، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: [(ما من الناس، من نفس تقبض، وتحب أن ترجع إلى الدنيا)]، أي: أنها تحصل خيراً عند الله عز وجل في الآخرة، فهي لا تود أن ترجع إلى الدنيا، ولو أعطيت الدنيا، إلا من قتل في سبيل الله، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا ليقتل، وليجاهد، ثم يقتل؛ وذلك لما يرى من عظم أجر الشهادة، فهو يريد أن يزداد رفعة بذلك، فهو يتمنى أن يرجع إلى الدنيا؛ لا ليحصل ما فيها، بل ما عند الله خير، وأبقى، ولكن يريد أن يحصل درجات في الجنة، وعلو درجات في الجنة بسبب تكرار الشهادة، وتكرر الشهادة لو كان ذلك ممكناً؛ وذلك لا يكون، ولكن هذا من بيان النبي صلى الله عليه وسلم، لعظيم شأن الشهادة، وعظم أجرها عند الله عز وجل، وأنه ما من إنسان يقبض ويجد خيراً في الآخرة يود أن يرجع إلى الدنيا، ولو أعطي الدنيا بما فيها، إلا الشهيد فإنه يود أن يرجع لا ليحصل الدنيا، ولكن ليحصل قتلاً في سبيل الله مرة أخرى؛ لما في ذلك من علو الدرجة، وعلو المنزلة عند الله عز وجل لمن يكون كذلك.
وفي آخره يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [(ولأن أقتل في سبيل الله، أحب إلي من أن يكون لي أهل الوبر والمدر)].
أي: أنه يملكهم عبيداً، ويعتقهم في سبيل الله عز وجل؛ ذلك خير له من هذا، أي: خير له من أن يرجع إلى الدنيا، وله هذا القدر من المماليك الذين يملكهم، ويعتقهم، والمراد بأهل الوبر: أهل البوادي، وأهل المدر: أهل الحاضرة؛ لأن المدر هو اللبن، وهو البنيان، أي: إشارة إلى البنيان، والوبر إشارة إلى بيوت الشعر التي تتخذ من وبر الإبل، ويتخذونها بيوتاً يحملونها، ويستفيدون منها، فكنى عن البادية بأهل الوبر، وكنى عن الحاضرة بأهل المدر، أي: أنه لو كان له هذا المقدار، وهذا العدد الكبير، فإنه لا يريد أن يرجع إلى الدنيا، وأن يكون له هذا المقدار.
قوله: [(ولأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل الوبر والمدر)].
يعني: معنى ذلك أن قتله في سبيل الله خير له من هذا المقدار الذي هو أهل الوبر، والمدر، يملكهم، ويعتقهم.

تراجم رجال إسناد حديث: (ولأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل الوبر والمدر)


قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].وقد مر ذكره.
[حدثنا بقية].
هو ابن الوليد، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن بحير بن سعد].
ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وفي الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن خالد بن معدان].
ثقة، يرسل، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جبير بن نفير].
ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ابن أبي عميرة].
هو عبد الله بن أبي عميرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه الترمذي، والنسائي.


ثواب من قتل في سبيل الله عز وجل


شرح حديث جابر: (أرأيت إن قتلت في سبيل الله أين أنا؟ قال: في الجنة...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثواب من قتل في سبيل الله عز وجل.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو سمعت جابراً رضي الله عنه، يقول: (قال رجل يوم أحد: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل)].
أورد النسائي : ثواب من قتل في سبيل الله، أي: أنه يكون في الجنة، وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم، يوم أحد: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أين أنا؟ قال: في الجنة، وكان بيده تمرات فألقاهن -يعني: ولم يأكلهن- وقاتل حتى قتل)، رضي الله تعالى عنه.
وهذا يدل على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، من الحرص على الجهاد في سبيل الله، وعلى نيل الشهادة، وعلى زهدهم في الدنيا وإقبالهم على الآخرة، فإنه كان بيده تمرات، ومع ذلك لم يأكلها، وقاتل في سبيل الله حتى قتل.

تراجم رجال إسناد حديث جابر: (أرأيت إن قتلت في سبيل الله أين أنا؟ قال: في الجنة...)


قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].هو محمد بن منصور الجواز المكي، وأخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو].
هو ابن دينار المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت جابراً].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي هي الرباعيات، وأنزل ما عنده العشاريات، وقد سبق أن مر بنا حديث في فضل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وهو مشتمل على عشرة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، وأنزلها عنده العشاريات.


من قتل في سبيل الله تعالى وعليه دين


شرح حديث أبي هريرة: (أرأيت إن قاتلت في سبيل الله صابراً محتسباً... أيكفر الله عني سيئاتي؟ قال: نعم إلا الدين...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [من قتل في سبيل الله تعالى وعليه دين.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا أبو عاصم حدثنا محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يخطب على المنبر، فقال: أرأيت إن قاتلت في سبيل الله صابراً، محتسباً، مقبلاً غير مدبر، أيكفر الله عني سيئاتي؟ قال: نعم، ثم سكت ساعةً، قال: أين السائل آنفاً؟ فقال الرجل: هاأنا ذا، قال: ما قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً، محتسباً، مقبلاً غير مدبر، أيكفر الله عني سيئاتي؟ قال: نعم، إلا الدين، سارني به جبريل آنفاً)].
أورد النسائي : من قتل في سبيل الله وعليه دين، يعني: هل يكفر ذلك عنه، أو أن الدين باقٍ عليه؟ فالمقصود بالدين هو المظالم التي تكون للناس، يعني: من مال، أو غير مال؛ لأن هذا كله يقال له: دين، وحقوق الناس مبنية على المشاحة، ومن المعلوم أن من كان له حقوق على الناس، فإنه يحرص على أن يحصلها في الدار الآخرة؛ لأنه اليوم الذي لا ينفع فيه إلا الأعمال الصالحة، وليس فيه إلا الحسنات والسيئات، ولهذا إذا تجاوز أهل الجنة النار، فإنهم يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ويقتص من بعضهم لبعض، أي: أن ذلك يكون بأخذٍ من الحسنات تضاف إلى آخرين، وهم سلموا من العذاب؛ لأنهم تجاوزوا النار، ولكن الفرق بينهم هو إنما هو بالدرجات، فإذا كان لأحدٍ على أحدٍ شيء، فإنه يؤخذ من الذي له إلى الذي عليه، فيكون ذلك رفعةً في درجة ذلك الذي حصل هذه الحسنات من غيره، ويحصل نقص على من حصل منه، أو عليه حقوق لغيره، ثم أخذ ذلك الغير مقابلها حسنات.
وعلى هذا فإن هذا الذي يكون لأهل الجنة، والذين يتجاوزوا النار للاقتصاص، إنما هو فيما يتعلق بالحسنات، ويترتب على ذلك رفعة الدرجات، وعلو الدرجات.
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يخطب فجاءه رجل وقال: [(أرأيت يا رسول الله، إن قاتلت في سبيل الله صابراً محتسباً، أيكفر ذلك سيئاتي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، ثم إنه مكث ساعةً، ثم قال: أين السائل آنفاً؟ قال: هاأنا ذا يا رسول الله، فقال: ماذا قلت؟ فأعاد إليه السؤال، فقال: نعم إلا الدين سارني به جبريل آنفاً)]، يعني: الجواب الذي قاله له من قبل فيه استثناء، وهذا الاستثناء ساره به جبريل، يعني: أسر به إليه جبريل، وأن الدين باقٍ لصاحبه، ويكون الاقتصاص بين الناس إنما هو بالحسنات، وإلا فإنه لا يؤثر ذلك عليه، إذا كان نال الشهادة في سبيل الله عز وجل، وكان من أهل الجنة، فإن كون عليه دين لا يكون سبباً في دخوله النار؛ لأنه يتجاوز النار، ولكن يكون هذا الحساب، وهذا الاقتصاص من بعضهم لبعض؛ إنما هو بعلو الدرجات، ورفعة الدرجات، فيترتب على ذلك علو الدرجات ورفعة الدرجات.
وهذا الحديث يدل على خطورة الدين، وأن المسلم عليه أن يحرص على أن لا يبتلى به، وأن يبتعد عنه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأن لا يقدم عليه إلا لضرورة لابد منها، وأما التساهل في ذلك، وكون الإنسان يقدم عليه لأمور ليست بضرورية، فإنه يعرض نفسه لخطر عظيم.
وقوله: [(إلا الدين سارني به جبريل)]، يدل على أن ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث إنما هو من عند الله، وأنه وحي من الله عز وجل، وأنه ليس من تلقاء نفسه عليه الصلاة والسلام، كما قال عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، وهنا قال: [(سارني به جبريل آنفاً)]، يعني: أن كلمة (الدين) استثنيت بوحي جاء به جبريل إليه وساره به، فهذا يدل على أن السنة هي من الله، وأنها وحي من الله، وأنها مثل القرآن، إلا أن القرآن وحي متلو متعبد بتلاوته والعمل به، وأما السنة فمتعبد بالعمل بها، فهي مثل القرآن في العمل، والله تعالى يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، فالحديث يدل على أن السنة إنما هي وحي من الله، ولهذا قال: [(سارني به جبريل آنفاً)]، يعني: هذا الاستثناء جاء به جبريل واستثناه له من الإطلاق الأول، الذي أوحي إليه به أولاً.
وقد سبق أن مر بنا الحديث الطويل في الزكاة، في قصة الأنصبة، وفيه قال: [(هذه فريضة الصدقة التي فرضها الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم)]، وقد ذكر تفاصيلها، ولكن في أولها: [فرضها الله على رسوله]، يعني: أنها وحي من الله، وأن هذا الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو من الله سبحانه وتعالى.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (أرأيت إن قاتلت في سبيل الله صابراً محتسباً... أيكفر الله عني سيئاتي؟ قال: نعم إلا الدين...)


قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو الملقب: بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو عاصم].
هو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو عاصم هو من شيوخ البخاري، ولم يدركه النسائي، وعلى هذا فإذا جاء في طبقة شيوخ شيوخ النسائي من يكنى بأبي عاصم فالمراد به: النبيل الضحاك بن مخلد، وإذا جاء في طبقة شيوخه أبو عاصم فهو: خشيش بن أصرم النسائي الذي يأتي ذكره مراراً، من شيوخ النسائي أبو عاصم.
[حدثنا محمد بن عجلان].
هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، حديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سعيد المقبري].
هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.92 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.35%)]