عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 25-07-2022, 11:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,178
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الجهاد

(417)

- (باب درجة المجاهد في سبيل الله) إلى (باب من قاتل ليقال: فلان جريء)


يرفع المجاهد في سبيل الله في الجنة مائة درجة، بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، وأجره يتجاوز أجر المسلم المهاجر الذي لم يجاهد، ويدعى المجاهد أيضاً لدخول الجنة من باب الجهاد؛ وما ذاك إلا لعظمة منزلة الجهاد عند الله، وينبغي أن يعلم أن المجاهد الذي يستحق كل هذا الأجر العظيم هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
درجة المجاهد في سبيل الله عز وجل


شرح حديث: (وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة ...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [درجة المجاهد في سبيل الله عز وجل.قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع: عن ابن وهب حدثني أبو هانئ عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يا أبا سعيد! من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وجبت له الجنة، قال: فعجب لها أبو سعيد ، قال: أعدها علي يا رسول الله! ففعل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، قال: وما هي يا رسول الله! قال: الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله)].
يقول النسائي رحمه الله: درجة المجاهد في سبيل الله، أي: المنزلة التي يكون فيها في الجنة، وهي: أنه يكون في أعلى درجات الجنة، أو في درجة من أعلى درجات الجنة، والمقصود بالترجمة ذكر الدرجة، وقد أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: [(يا أبا سعيد! من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وجبت له الجنة، قال: فعجب لها أبو سعيد، قال: أعدها علي يا رسول الله! -أي: طلب منه أن يعيد الكلام- ففعل عليه الصلاة والسلام)]، ثم ذكر بعد ذلك الدرجات التي جعلها الله عز وجل في الجنة للمجاهد في سبيله.
وقوله في أول هذا الحديث: [(من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وجبت له الجنة)]، يدل على فضل من كان كذلك، وهو: من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وهذه الجمل الثلاث التي هي: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه، هي التي بنى عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كتابه الأصول الثلاثة وأدلتها، وهذا الكتيب الصغير النفيس الذي هو قليل المبنى، ولكنه واسع المعنى، فهو لا يستغني عنه الخاص والعام، وجاء ذكر هذه الأمور الثلاثة في أحاديث أخرى، منها: حديث العباس بن عبد المطلب في صحيح مسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً)، وكذلك أيضاً جاء ذكرها في الأذان، يقول الإنسان: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، ثم قال: [(وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة)].
(وأخرى) أي: وخصلة أخرى وراء تلك الخصلة التي تقدمت يرفع بها المسلم مائة درجة في الجنة.
قوله: [(ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله)].
وهذا يدلنا على فضل الجهاد في سبيل الله، وأن الله تعالى يرفع صاحبه في الجنة في تلك الدرجات العالية، وأنه يكون له فيها هذه الدرجات التي كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض.


تراجم رجال إسناد حديث: (وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة...)


قوله: [قال الحارث بن مسكين].هو شيخ النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي ، وهذه العبارة التي يقول: قال الحارث بن مسكين وفي بعض الأسانيد يقول: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، فالفرق بين هذه التعبيرات: أن النسائي رحمه الله له مع الحارث بن مسكين حالتان:
إحداهما: أنه كان قد رضي عنه، وصار بينهما وئام، وكان يسمح له، ويأتي ويحضر مجلسه، ويسمع الأحاديث التي تقرأ عليه، فيرويها ويقول فيها: أخبرنا الحارث بن مسكين ؛ لأنه أراد تحديثه، وأراد إخباره، فهو يحضر، ويسمع، ويتحمل، ويؤدي بقوله: أخبرنا الحارث بن مسكين .
وله حالة أخرى معه، وهي: أنه غضب عليه، ولم يسمح له أن يحضر مجلسه، فكان يحضر من وراء الستار، ويسمع القراءة عليه، فيرويها ولا يقول: أخبرنا، وإنما يقول: قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع؛ لأنه لم يرد إخباره، ولم يرد تحديثه، ولم يرد أن يأخذ عنه، فكان يعبر بهذه العبارة التي هي: قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، وهذه الطريقة -التي هي التحمل من غير أن يريد المحدث قصد تحديثه- سائغة عند المحدثين.
[عن ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري ، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبي هانئ].
هو حميد بن هانئ المصري ، وهو لا بأس به، أي بمعنى: صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي عبد الرحمن الحبلي].
هو عبد الله بن يزيد ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي سعيد].
هو سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأم المؤمنين عائشة ، ستة رجال وامرأة واحدة رضي الله تعالى عنهم، وعن الصحابة أجمعين.


شرح حديث: (إن للجنة مائة درجة ... أعدها الله للمجاهدين في سبيله...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال حدثنا محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع حدثنا زيد بن واقد حدثني بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، ومات لا يشرك بالله شيئاً، كان حقاً على الله عز وجل أن يغفر له؛ هاجر أو مات في مولده، فقلنا: يا رسول الله، ألا نخبر بها الناس فيستبشروا بها؟ فقال: إن للجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ولولا أن أشق على المؤمنين، ولا أجد ما أحملهم عليه، ولا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا بعدي، ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل ثم أحياً ثم أقتل)].أورد النسائي حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(من أقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يشرك بالله شيئاً، كان حقاً على الله أن يغفر له؛ هاجر أو مات في مولده)]، أي: سواء كان هاجر من المكان الذي هو يقطن فيه وينزل فيه، أو لم يهاجر، ولكنه مات في مولده، معنى هذا: أن من فعل ذلك فإنه يحصل له هذا الأجر، ومن المعلوم أن الهجرة التي تجب هي الهجرة التي لا يستطيع الإنسان مع عدمها القيام بأمور دينه، وأما إذا كان يستطيع القيام بأمور دينه، أو أنه دخل في الإسلام ولكنه بقي ولم يهاجر ليجاهد مع الناس وليكون مع الناس فإن له هذا الأجر، ولهذا كان في أول الإسلام من يدخل في الإسلام يهاجر، وفيهم من يبقى ولا يهاجر، ولكلٍ أحكام جاءت في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فالمقصود من ذلك: أن من حصلت منه هذه الأشياء هاجر أو لم يهاجر، ولكنه بقي في مولده وفي بلده يعبد الله عز وجل، ويؤدي ما وجب عليه، فإن الله تعالى يغفر له.
قوله: [(قالوا: أفلا نخبر بها الناس فيستبشروا؟)]، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى ما أعده الله عز وجل للمجاهد في سبيل الله عز وجل من رفعة الدرجات، وعلو المنازل، وأن الأمر لا ينبغي أن يكون الإنسان يقتصر على أن يغفر له، بل عليه أن يعمل على رفعة الدرجات، وعلى تحصيل ما به علو المنازل عند الله عز وجل، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى هذه الحالة الأخرى التي يكون بها تحصيل علو المنازل ورفعة الدرجات، فالإنسان يسعى جاهداً إلى أن يغفر له، وأن يحصل أعلى المنازل، وأن يكون في أعلى الدرجات، وفي ذلك يكون التنافس، وفي ذلك يكون التسابق، فيحرص الإنسان على أن تغفر له ذنوبه، وأن يتجاوز عن سيئاته، ويحرص على تحصيل الدرجات العالية والمنازل الرفيعة عند الله عز وجل.
قوله: [(قلنا: يا رسول الله! ألا نخبر بها الناس فيستبشروا بها؟ فقال: إن للجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله)].
وهذا مثل الحديث المتقدم: (أعدها الله عز وجل للمجاهدين في سبيل الله)، وهو يدلنا على فضل الجهاد في سبيل الله، وأن الأمر لا يقتصر على فعل الأعمال التي تكفر بها السيئات، بل على الإنسان مع ذلك أن يسعى في تحصيل أعلى الدرجات، وأعلى المنازل عند الله عز وجل؛ وذلك بالجهاد في سبيل الله عز وجل، وغير ذلك من الأعمال التي فيها مشقة على النفس، ولكن ثوابها عظيم عند الله عز وجل، ودرجات فاعلها عالية عند الله سبحانه وتعالى.
قوله: [(ولولا أن أشق على المؤمنين، ولا أجد ما أحملهم عليه، ولا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا بعدي، ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل ثم أحيا ثم أقتل)].
وبعدما بين رسول الله عليه الصلاة والسلام أن في الجنة مائة درجة، وكل درجة بينها وبين الدرجة الأخرى ما بين السماء والأرض، ثم أضاف إلى ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام بيان حرصه على الجهاد، وألا يتخلف عن سرية، وألا يتخلف عن غزوة، بل يكون في كل حالة من الحالات مجاهداً في سبيل الله، ولكن الذي يمنعه من ذلك ما جعل الله فيه من الشفقة والرحمة لأمته عليه الصلاة والسلام؛ حيث يشق على المسلمين أن يذهبوا معه وهو لا يجد ما يحملهم عليه، فمن أجل ذلك كان يتخلف عليه الصلاة والسلام رفقاً بالمؤمنين، ودفعاً للمشقة عليهم، وهذا من كمال مما وصفه الله عز وجل به من الرأفة والرحمة لأمته، كما قال الله عز وجل: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، فهذا من رأفته ورحمته للمؤمنين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ثم أضاف إلى ذلك ما بين فضل الجهاد في سبيل الله من جهة أن فضله عظيم، وأن الاستشهاد في سبيل الله شأنه عظيم، قال: فوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقتل، وإن كان من المعلوم أنه إذا قتل الإنسان أو إذا مات الإنسان فإنه لا يعود، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه في هذه الحياة الدنيا، وأن من مات انتهى ولا يعود، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين عظم شأن الجهاد، وأنه يقاتل فيقتل، ويحصل تلك المنزلة التي هي في الجنة لمن يقاتل ويقتل، ثم قال: ثم أحيا فأقتل، وفي بعض الروايات تكرار ذلك أكثر مما جاء في هذا الحديث كما سبق أن مر بنا، فهذا يدل على عظم شأن الجهاد في سبيل الله، وفضل الاستشهاد في سبيل الله عز وجل.


تراجم رجال إسناد حديث: (إن للجنة مائة درجة ... أعدها الله للمجاهدين في سبيله...)


قوله: [أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال].صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي .
[حدثنا محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع].
صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه .
[حدثنا زيد بن واقد].
ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
[حدثني بسر بن عبيد الله].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إدريس الخولاني].
اسمه: عائذ الله ، وهو ولد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عن كبار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الدرداء ].
هو عويمر بن زيد الأنصاري رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.


ما لمن أسلم وهاجر وجاهد

شرح حديث: (وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما لمن أسلم وهاجر وجاهد.قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع: عن ابن وهب أخبرني أبو هانئ عن عمرو بن مالك الجنبي أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا زعيم -والزعيم الحميل- لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة، وببيت في وسط الجنة، وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة، وببيت في وسط الجنة، وببيت في أعلى غرف الجنة، من فعل ذلك فلم يدع للخير مطلباً، ولا من الشر مهرباً، يموت حيث شاء أن يموت)].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: ما لمن أسلم وهاجر وجاهد، يعني: من الثواب والجزاء عند الله عز وجل، وقد أورد النسائي حديث فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: [(أنا زعيم، -والزعيم الحميل- لمن آمن بي وأسلم وهاجر؛ ببيت في ربض الجنة، وببيت في وسط الجنة)].
فالزعيم الحميل، هذه جملة اعتراضية أريد بها تفسير الزعيم، وهي من بعض الرواة، والحميل الذي يحتمل، فهو حميل بمعنى حامل يحمل، وهو الذي يكفل ويلتزم بالشيء، الزعيم الذي يلتزم بالشيء، أو يتكفل به، أو يتحمله، كلها بمعنى واحد، وقد جاء في القرآن: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72]، يعني: أنا متكلف بهذا الحمل بأنه يصل إلى من يأتي بالصواع، فهنا أتى بهذه الجملة، وهي من بعض الرواة تفسيراً لكلمة الزعيم، وأنه الحميل، أي: الذي يتحمل ذلك الشيء الذي بعث به: [(أنا زعيم -والزعيم الحميل- لمن آمن بي وأسلم )].
يعني: آمن بقلبه وأسلم بجوارحه، أي: أتى بما هو مطلوب منه ظاهراً وباطناً، أي: فيما يتعلق بقلبه، وفيما يتعلق بجوارحه.
قوله: [(لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت..)].
أي: جمع بين هذه الأمور الثلاثة: كونه آمن، وأسلم، وهاجر، ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وربض الجنة، يعني: طرفها، هذا هو معنى ربض الجنة، وفسر بأنه: قريب منها خارجها، لكن الأوضح والأظهر أنه في داخلها، ولكنه في طرفها، فهذا هو الثواب والجزاء لمن آمن بالله عز وجل، وأسلم ظاهراً، وجمع بين أعمال القلب والجوارح، وهاجر، أي انتقل إلى بلاد الإسلام، أو انتقل من مكان إلى مكان يتمكن فيه من إظهار دينه، ومن نصرة الدين والجهاد مع المسلمين.
قوله: [(وأنا زعيم لمن آمن بي، وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة، وببيت في وسط الجنة، وببيت في أعلى غرف الجنة)].
ثم ذكر لما ذكر ما للذي هاجر مع إيمانه وإسلامه، ذكر ما للذي يجاهد في سبيل الله مع إيمانه وإسلامه، فقال: [(وأنا زعيم لمن آمن بي، وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى غرف الجنة)]، وهذا يدل على فضل الجهاد في سبيل الله، وأن صاحبه يحصل أعلى الدرجات، ولهذا كان للذي يجاهد أكثر من الذي هاجر؛ وذلك أن ذاك له بيت في ربض الجنة ووسطها، وهذا له في ربضها ووسطها وأعلى غرفها.
قوله: [(من فعل ذلك فلم يدع للخير مطلباً، ولا من الشر مهرباً، يموت حيث شاء أن يموت)].
من فعل ذلك فقد ظفر بأسباب الخير، فلم يدع للخير مطلباً إلا وجد الخير أمامه؛ لأنه سلك ذلك المسلك الذي به السلامة وبه العظمة، وبه الفوز بتحصيل المطالب، والسلامة من المكاره والشرور، فلم يدع للخير مطلباً إلا ودخله، وقصده، وظفر به.
قوله: [(ولا من الشر مهرباً)]، إلا وقد اعتصم، وسلم من الشرور.
قوله: [(يموت حيث شاء أن يموت)].
أي: هذا جزاؤه، وهذا ثوابه عند الله عز وجل.


تراجم رجال إسناد حديث: (وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة...)


قوله: [قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن وهب أخبرني أبي هانئ].وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.
[عن عمرو بن مالك الجنبي ].
وقد مر بنا، وهو أبو علي التجيبي.
وقد ذكره تحت ترجمة: (ثواب عين سهرت في سبيل الله) فقال:
[أخبرنا عصمة بن الفضل حدثنا زيد بن حباب عن عبد الرحمن بن شريح سمعت محمد بن شمير الرعيني سمعت أبا علي التجيبي أنه سمع أبا ريحانة والجنبي ، وهو عمرو بن مالك ].
وهنا ذكره الجنبي ، وهناك ذكره التجيبي ، والجنبي نسبة، والتجيبي نسبة، لكن الذي ذكره في تحفة الأشراف هو الجنبي وما ذكر التجيبي ، فلا أدري هل هو منسوب هذه النسبة أو هذه النسبة جميعاً، أو أن التجيبي ليست بصحيحة؛ لأن المزي في تحفة الأشراف عند ذكره للحديث ذاك ذكره الجنبي ، وما ذكره التجيبي ، وهنا ذكره الجنبي ، يعني: في هذا الموضع ذكر اسمه ونسبته، وهناك ذكر كنيته ونسبته.
أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[أنه سمع فضالة بن عبيد].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

شرح حديث: (...ومن قتل كان حقاً على الله عز وجل أن يدخله الجنة...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل عبد الله بن عقيل حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد؟ فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ فعصاه فجاهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فمن فعل ذلك كان حقاً على الله عز وجل أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقاً على الله عز وجل أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة)].ثم ذكر النسائي حديث سبرة بن أبي فاكه رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه)]، أطرق: جمع طريق، ثم فصل ذلك وبين عدداً من الطرق التي يقعد الشيطان فيها للإنسان، ويسول له ليصرفه عن تلك الطريق التي أراد أن يسلكها، فقال: [(فقعد له في طريق الإسلام)]، لما أراد أن يسلم ويخرج من الكفر إلى الإسلام، قعد له في طريق الإسلام، وقال: [(تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟)]، يعني: دينك، ودين آبائك، وأجدادك، وتترك ملة الآباء والأجداد؟ [(فعصاه فأسلم)]، فلم يحصل الشيطان مراده من هذا الرجل الذي سول له وأراد أن يغويه، فعصاه ودخل في الإسلام، ولما لم يظفر بمراده منه في هذه الطريق، وأن يصرفه عن الإسلام، جلس له في طريق أخرى.
وقال: [(ثم قعد له بطريق الهجرة)]، وقال: [(تهاجر بلدك وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول)]، يعني: أنك إذا سافرت من بلدك الذي عشت فيه، وتعرف أهله ويعرفونك، فتنتقل إلى بلد تكون غريباً فيه، ليس عندك معارف، فتكون مثل الفرس الذي في الطول، والطول: هو القيد الذي يقيد به الفرس ليرعى في روضة أو في مكان، ويكون له مسافة بحيث يروح ويذهب مسافة هذا الطول، يأكل من هنا ومن هنا، ولكنه لا يستطيع أن ينفلت لأنه قد ربط، فالطول هو الحبل الذي يجعل في يد الفرس، وطرفه في العود، أو الحديد الذي مثبت في الأرض، فهو يذهب في حدود هذه الدائرة، ولكنه لا يستطيع الانفلات، فهو يقول: تكون مثل الفرس في الطول، يعني: نطاقه ضيق، ما عنده الانطلاق، وما عنده التمكن من أنه يذهب كما يريد ويعرف ويتصل بمن يريد؛ لأنه يكون غريباً إذا هاجر وترك بلده، ومعارفه، وأهله، فلم يستجب للشيطان، وترك الهجرة، بل عصاه وهاجر، فيئس منه.
قوله: [(ثم قعد له بطريق الجهاد)].
قوله: [(تجاهد؟ فهو جهد النفس والمال)]، الجهاد فيه جهد النفس، فيه المشقة، وفيه ذهاب المال، ثم إذا ذهبت وقتلت تزوجت المرأة بعدك، واقتسم الورثة مالك، فهو يريد منه أن يترك الجهاد حتى يبقي على أهله وماله، وعلى راحته، وعلى عدم التعب والمشقة، يريد أن يثنيه عن الجهاد في سبيل الله.
قوله: [(فعصاه فجاهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فمن فعل ذلك كان حقاً على الله عز وجل أن يدخله الجنة)].
قوله: [(فمن فعل ذلك)]، أي: هذه الأمور التي مضت [(كان على الله حقاً أن يدخله الجنة)].
قوله: [(ومن قتل كان حقاً على الله عز وجل)]، وقد جاهد في سبيله: [(أن يدخله الجنة)].
قوله: [(وإن غرق)]، أي: وهو في سفره للجهاد في سبيل الله، فإنه يكون من أهل الجنة، ويحصل الثواب بهذا الموت الذي حصل، وإن لم يكن في القتل والمعركة؛ لأن ذلك في سبيل الله، فهو إذا غرق في هذا السبيل -في سبيل الله عز وجل- ومات بسبب ذلك، فإن مآله إلى الجنة، وليس الأمر مقصوراً على القتل في سبيل الله إذا كان الإنسان خرج للجهاد في سبيل الله، وكذلك من وقصته دابته ومات كان أيضاً حقاً على الله أن يدخله الجنة، أي: إنه وإن لم يكن موته بسبب القتل، ولكن بسبب كونه سقط من دابته ووقصته ومات، فإنه يكون في الجنة؛ لأن من جاهد في سبيل الله عز وجل ومات، سواء كان في المعركة أو في غير المعركة، فإنه على أجر عظيم، وثواب جزيل من الله سبحانه وتعالى.
الحاصل: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن من جاهد في سبيله ومات فإنه يحصل الجنة، سواء كان قتل واستشهد، أو أنه مات بسبب الغرق، أو مات بسبب السقوط من الدابة ووقصها إياه ومات بسبب ذلك، في جميع هذه الأحوال يكون في الجنة، ومما يوضح هذا قصة الصحابية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم عندها، وكان يقيل عندها، وكان نائماً ورأى في منامه، وقام يضحك، فسألته، فقال: إن جماعة يجاهدون في سبيل الله يغزون في البحر، وأنهم يكونون كذا وكذا، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، وكانت ذهبت مع زوجها، ولما جاءوا في الطريق سقطت من الدابة وماتت، فنالت هذا الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها ماتت وهي في سفرها في سبيل الله عز وجل، والمرأة هي: أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.46 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]