عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 25-07-2022, 10:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,188
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله



تراجم رجال إسناد حديث: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)


قوله: [ أخبرنا محمد بن سلمة ].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[ حدثنا ابن وهب ].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن معاوية بن صالح ].
هو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[ عن يحيى بن سعيد ].
هو يحيى بن سعيد الأنصاري ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن خالد بن معدان ].
ثقة، يرسل كثيراً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن كثير بن مرة ].
هو كثير بن مرة الحمصي ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن.
[ عن عقبة بن عامر ].
هو عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وهناك علاقة بين حديث [المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضاً]، وبين الحديث الذي قبله، حديث أبي موسى الأشعري، [والخازن الأمين الذي يعطى].
من جهة أن هذا فيه من التعاون على الخير، وفيه المساعدة للناس، فهو يكون من حيث الصدقة والإحسان إلى الناس، وأن هذا شأن البنيان المتماسك، الذي يكون انتفاع بعضه ببعض، وكذلك أيضاً من حيث الخازن، وأن هذا فيه من التعاون على البر والتقوى، وقيامه بما أمر به، هو من التعاون على البر والتقوى، وكذلك وصول النفع إلى المحتاجين فيه حصول التماسك بين المسلمين، وشد بعضهم لأزر بعض، وتألم بعضهم لبعض، ونفع بعضهم لبعض، كما يكون قوة البنيان بتماسكه، وتماسك لبناته وشد بعضها لبعض.


المنان بما أعطى

شرح حديث: (... وثلاثة لا يدخلون الجنة... والمنان بما أعطى)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ المنان بما أعطى.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا عمر بن محمد عن عبد الله بن يسار عن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنان بما أعطى)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [المنان بما أعطى]، يعني: أن ذلك من الصفات الذميمة، ومن الصفات السيئة التي جاء الوعيد الشديد فيها، وبيان أنها من الكبائر، حيث جاءت الأحاديث الدالة على ما يدل على أنها كذلك، وأنها بهذا الحد الذي وصف أهلها به من جهة أنهم لا يدخلون الجنة، ومن جهة أن الله لا ينظر إليهم، ولا يكلمهم، ولهم عذاب أليم، ومنهم: المنان بما أعطى، كون الإنسان يعطي، ثم يتبع العطية مناً وأذى، يكثر من ذكر هذه العطية، ويمن بها، وإذا حصل له أي شيء قال: أنا أعطيتك كذا وكذا، وأنت ما فعلت لي كذا وكذا، هذا من، والمن محرم، والإنسان يعطي، ويترك ما أعطي، لا تتعلق به نفسه، ولا يأتي به في الذكر في المستقبل، بل يعطي ما يعطي يرجو ثواب الله عز وجل، ولا يتبع ذلك نفسه، ولا يحدث نفسه بذلك، ولا يمن على من أعطاه بما أعطاه إياه، فهي صفة ذميمة ورد فيها الوعيد الشديد الذي جاء في الأحاديث الآتية.
وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الذي فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [( ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة )].
يعني: لا ينظر الله إليهم نظر رحمة، وإلا فإن الله تعالى يرى كل شيء، ويطلع على كل شيء، ولا يغيب عن بصره شيء، فهو المطلع على كل شيء في الدنيا والآخرة، وصفاته في غاية الكمال، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء، وبصره نافذ في كل شيء سبحانه وتعالى، فقوله: (لا ينظر الله إليهم)، يعني: نظر الرحمة، وإلا فكونه يرى خلقه، ولا يخفى عليه شيء من خلقه، هذا حاصل في الدنيا والآخرة، لكن الذي نفي هو هذا النوع من النظر، كما جاء في الأحاديث: (لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم) فيه مسرة لهم، وفيه ارتياح لهم، ولكنه يكلمهم بكلام تأنيب وكلام توبيخ، الله سبحانه وتعالى قال عن الكفار: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108].
اخسئوا، كلمهم بهذا الكلام، لكنه كلام توبيخ، فالمنفي شيء، والمثبت شيء، فالنظر المنفي هو النظر الذي فيه رحمة وإحسان، وأما النظر الذي هو اطلاع على كل شيء، وكونه لا يغيب عن بصر الله شيء، ولا يغيب عنه شيء، وكون الله تعالى مطلع على كل شيء، هذا حاصل في الدنيا والآخرة، لكن الذي نفي هو نظر خاص، وهو النظر الذي فيه رحمة وفيه إحسان.
(لا ينظر الله إليهم، العاق لوالديه) أي: المقصر في حقوق والديه، والذي لا يؤدي ما أوجب الله عليه من الحقوق لوالديه، والله عز وجل كثيراً ما يأتي في القرآن يقرن بين حقه وحق الوالدين: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا [النساء:36]، أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14]، آيات كثيرة فيها الجمع بين حق الله عز وجل، وحق الوالدين، فحصول العقوق للوالدين فيه جحد للجميل، وعدم اعتراف بالجميل، وعدم مكافأة للجميل، بل والعياذ بالله مقابلة الإحسان بالإساءة، وكان الواجب أن يحسن إليهم، وأن يبرهم، وأن يحذر من عقوقهم؛ لأنهم أحسنوا إليه، وكانوا سبباً في وجوده، وربوه ونشأوه، وكان طفلاً صغيراً، ليس له من نفسه شيء، ولا ينفع نفسه شيئاً، إلا أن الله تعالى سخر له الوالدين اللذين كانا سبباً في وجوده، فكانا سبباً في تنشأته، وتربيته، حتى كان رجلاً سوياً، ثم بعد ذلك يقابل الإحسان بالإساءة، هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60]، لا يكون جزاء الإحسان إلا الإحسان، ما يكون جزاء الإحسان هو الإساءة.
[( والمرأة المترجلة )] والمرأة المترجلة، أي: المتشبهة بالرجال، التي تتشبه بالرجال في هيئتهم، ولبسهم، ومشيتهم، هذا هو الشيء المذموم، أما التشبه في الخير، والتشبه في الرغبة في العلم، وتحصيل العلم، والرأي الحسن، وما إلى ذلك، فهذا شيء محمود، وهو قدر مشترك بين الرجال والنساء؛ لأن العلم يكون للرجال ويكون للنساء، ليس خاصاً للرجال دون النساء، ولكن المحذور في الترجل هو محاولة وتكلف التشبه بالرجال في لباسهم، وفي مشيتهم وهيئتهم، هذا هو الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء أيضاً ما يقابله: ( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال )، الجانبان، كل منهما مذموم، والمترجلة هي: التي تحاكي الرجال، وتتشبه بالرجال، تريد أن تأخذ صفات الرجال، في حركاتها، وفي أفعالها، وفي مشيتها ولباسها، وهو الذين يقولون عنه في المثل: أستديكت الدجاجة واستنوق الجمل، يعني: إذا كان الرجل تشبه بالنساء، يقال فيه في المثل: استنوق الجمل، يعني: صار ناقة، أو عمل على أن يكون من النوق التي هي المقابل للجمال، وبالنسبة للمرأة يقولون: استديكت الدجاجة، صارت الدجاجة تحاول أن تكون ديكاً، وأن تكون مثل الديكة.
فالمتشبهات من النساء بالرجال والعكس، كل منهما مذموم، وكل منهما ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، والحديث الذي معنا يتعلق بالمترجلات من النساء، وأنهن ممن لا ينظر الله عز وجل إليها يوم القيامة.
[( والديوث )] والديوث، وهو: الذي لا يغار على أهله، أو يعلم الخبث في أهله ويسكت عليه ولا يغار، فإن هذا هو الديوث الذي هو بهذا الوصف، [لا ينظر الله إليه].
[( وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنان بما أعطى )].
وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، وهذا جاء مرة أخرى؛ لأن الذين لا ينظر إليهم جاء فيهم العاق لوالديه، وهنا جاء أيضاً في هؤلاء، ولا يدخلون الجنة، ليس المقصود من ذلك أنهم كفار، وأنهم يكونون في النار لا يخرجون منها، ولا يدخلون الجنة، بل هذا الوصف الذي هو دخول النار، والخلود فيها أبد الآباد هو شأن الكفار، الذين لا يدخلون الجنة أبداً، ولا سبيل لهم إلى الخروج من النار، وأما من مات غير مشرك بالله عز وجل، فأمره إلى الله عز وجل، إن شاء عفا عنه وتجاوز، ودخل الجنة من أول الأمر، وإن شاء دخل النار وعذبه فيها، ولكن لا بد وأن يأتي عليه وقت من الأوقات يخرج منها ويدخل الجنة، ولا يبقى فيها إلا أهلها الذين هم أهلها، وهم الكفار الذين لا يخرجون منها أبد الآباد؛ لأن الله عز وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116]، والأحاديث المتواترة في إخراج أهل الكبائر من النار بشفاعة الشافعين، وبكونهم حصل لهم العذاب على جرائمهم، وبعد ذلك يخرجون من النار ويدخلون الجنة.
فإذاً: لا يدخلون الجنة فسر بأنهم لا يدخلونها من أول وهلة، وإنما يستحقون العذاب في النار لهذه الصفات، ولهذه الذنوب، وإذا شاء الله عز وجل أن يعفو عنهم، فإنهم يدخلون الجنة، ومن شاء الله أن لا يعفو عنه، فإنه يدخل النار ويعذب بها، ولكنه لا بد بعد ذلك أن يخرج من النار ويدخل الجنة؛ لأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، الذين يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار هم الخوارج، الذين يكفرون بالمعاصي وبالكبائر، ويعتبرون من ارتكب كبيرة أنه خالد مخلد في النار كالكفار؛ لأنهم يعتبرونه كافر، ولا يفرقون بين من أشرك بالله عز وجل، وبين من حصل منه معصية لله عز وجل هي كبيرة، والله تعالى فصل وميز بين الشرك وما دونه فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116]، وجاءت الأحاديث المتواترة في الشفاعة لأهل الكبائر، وخروجهم من النار، ودخولهم الجنة.
[( ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والمدمن على الخمر )].
المدمن على الخمر، أي: الملازم لشربها، المستمر عليها، المداوم عليها، هذا هو المدمن على الخمر، المقصود من ذلك أنه إذا مات من غير توبة، أما إذا تاب فالله تعالى يتوب على من تاب، كل من تاب من ذنب فإن الله تعالى يتوب عليه، إذا تاب التوبة النصوح الصادق فيها، فإن الله يتوب على من تاب.
[والمنان بما أعطى]، وهذا هو محل الشاهد للترجمة: (والمنان بما أعطى) الذي يمن بالعطية الذي يعطيها، ويسيء إلى من أعطاه بكثرة ذكرها، وبكونه يؤذيه بذكرها، وتكون عطية تبعها المن والأذى، هذا يدل على أن المن بالعطية من الكبائر، وهي صفة ذميمة لا يفعلها الإنسان الذي عنده عقل راجح، وعنده دين وإيمان، يعني: يعرف أن مثل هذه الصفات لا تليق بالمؤمن المستقيم.

تراجم إسناد حديث: (... وثلاثة لا يدخلون الجنة... والمنان بما أعطى)


قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ].هو الفلاس ، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا يزيد بن زريع ].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا عمر بن محمد ].
هو عمر بن محمد بن زيد العمري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[ عن عبد الله بن يسار ].
هو الأعرج، وهو مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.
[ عن سالم بن عبد الله ].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، فقيه، هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه رضي الله عنه].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

شرح حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة ولا ينظر إليهم... والمنان عطاءه)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن بشار عن محمد حدثنا شعبة عن علي بن المدرك عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن خرشة بن الحر عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أبو ذر رضي الله عنه: خابوا وخسروا.. خابوا وخسروا.. قال: المسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان عطاءه ) ].أورد النسائي حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم )]، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك [قال أبو ذر: خابوا وخسروا، خابوا وخسروا]، يعني: الذين هذا وصفهم، ثم بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه المسبل إزاره وثوبه وما يلبسه من اللباس، وهو الذي يجعله أنزل من الكعبين، هذا هو الإسبال في الثياب، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ما أسفل من الكعبين فهو في النار ).
فحد الثياب أن تكون فوق الكعبين، ولا تنزل عن الكعبين، فإذا نزلت عن الكعبين، فهذا هو الإسبال المحرم الذي وصف أهله بهذا الوصف، والإسبال يكون عن خيلاء، ويكون عن غير خيلاء، وكله شر، وكله محرم، ولكن بعض الشر أهون من بعض، فالذي يسبل بخيلاء، وعنده التكبر، هذا مذموم، وأمره أخطر، والذي يسبل ولكن ليس عنده الخيلاء، عنده المعصية للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء عنه النهي المطلق، وجاء عنه ذكر الخيلاء: (من جر إزاره خيلاء)، وجاء عنه الإطلاق، وجاء الأمر لمن كان مسترخياً إزاره أن يرفعه.
فالحاصل: أن الإسبال لا يقال: أنه لا يحرم إلا إذا كان للخيلاء، وإذا كان لغير الخيلاء، فإنه لا بأس، وإذا رأى إنساناً يجر ثوبه، فيقول له: ارفعه، يقول: أنا ما أجره خيلاء، هذا كلام غير صحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وقال عن المسبل أن هذا وصفه وهذا شأنه، وأمر من كان مرتخياً إزاره أن يرفعه، وعمر رضي الله عنه وأرضاه لما كان في مرض موته، وجاءه شاب وأثنى عليه، وقال: (هنيئاً لك يا أمير المؤمنين، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسنت صحبته، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، ولـأبي بكر كنت العضد الأيمن له، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن يكون ذلك كفافاً لا علي ولا لي) يعني: هؤلاء أهل الكمال، مع كمالهم ونبلهم يتواضعون لله عز وجل، هو من أهل الجنة، ويعلم أنه من أهل الجنة، ومع ذلك يقول هذا الكلام، والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60].
فهم جمعوا بين الكمال والتواضع، بأن الله رفعهم، وأعلى قدرهم، ومع ذلك يتواضعون لله، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ثم ذهب هذا الغلام، وإذا ثوبه يمس الأرض، فقال: (ردوا علي الغلام، فلما رجع قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك، فإنه أتقى لربك، وأبقى لثوبك)، ما قال: تجر خيلاء ولا ما تجر خيلاء، مع أنه في حالة شديدة، يسقونه اللبن فيخرج من جوفه؛ لأن بطنه مفتوح، فتحه المجوسي الذي فعل ذلك به، وهو يصلي بالناس الصبح، ومع ذلك مع شدة ما هو فيه، ما منعه ذلك عن أن يأمر بمعروف وينهى عن منكر، وأن يرشد إلى التحذير من إسبال الثياب، فقال: (ارفع ثوبك، فإنه أتقى لربك، وأبقى لثوبك)، أرشده إلى فائدة أخروية ودنيوية، فائدة دنيوية أبقى لثوبك، والأخروية والدنيوية أتقى لربك؛ لأن تقوى الله فيها خير الدنيا والآخرة، وسعادة الدنيا وسعادة الأخرى.
[المسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب]، المنفق هو: المروج الذي ينفقها حتى تنفق عند الناس المشترين، إذا جاء الناس جعل يمدحها، ويثني عليها ويحلف، أنها كذا وأنها كذا، أو يقول: إنني والله اشتريتها بكذا، وهو كاذب، من أجل الناس يزيدون بالسعر على الثمن الذي اشترى به وهو كاذب، فقال: [المنفق سلعته بالحلف الكاذبة]، يعني: يروجها وينفقها بكونه يحلف وهو كاذب، والإنسان لا ينبغي له أن يحلف، ولو كان صادقاً، يعني: فيما يتعلق في البيع والشراء، فيحفظ اليمين، ويتكلم بدون حلف، وإذا حلف يكون صادقاً، لكن كونه يحلف كاذباً، ويروج السلعة بالحلف الكاذب، هذا من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
ثم [المنان عطاءه]، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، الذي يمن بعطيته، وهو مثل ما تقدم.

تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة ولا ينظر إليهم... والمنان عطاءه)


قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[ عن محمد ].
هو ابن جعفر الملقب غندر ، إذا جاء محمد غير منسوب يروي عنه محمد بن بشار، أو محمد بن المثنى، وهو يروي عن شعبة، فالمراد به ابن جعفر الملقب غندر البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن شعبة ].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن علي بن المدرك ].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ].
أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن خرشة بن الحر ].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي ذر ].
أبو ذر الغفاري ، جندب بن جنادة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.


شرح حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة ولا ينظر إليهم... المنان بما أعطى...) من طريق أخرى


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا بشر بن خالد حدثنا غندر عن شعبة سمعت سليمان وهو الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ) ].ثم أورد النسائي حديث أبي ذر الغفاري أيضاً، وهو مثل ما تقدم، يعني: في الثلاثة الذين مروا في الإسناد المتقدم، المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.

تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة ولا ينظر إليهم... المنان بما أعطى...) من طريق أخرى

قوله: [ أخبرنا بشر بن خالد ].ثقة، يغرب، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي .
[ حدثنا غندر عن شعبة ].
غندر ، هو محمد بن جعفر، جاء هنا بلقبه، والذي في الإسناد المتقدم باسمه محمد، وفائدة معرفة ألقاب المحدثين هو أن لا يظن الشخص الواحد شخصين؛ لأن الإسناد الأول فيه محمد وهو ابن جعفر، وهذا الإسناد فيه غندر، وغندر هو محمد بن جعفر، ذكر في الإسناد الأول باسمه, وذكر في الإسناد الثاني بلقبه.
[عن شعبة]، وقد مر ذكره.
[ سمعت سليمان وهو الأعمش ].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن سليمان بن مسهر ].
ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[ عن خرشة بن الحر عن أبي ذر ].
وقد مر ذكرهما.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.96%)]