عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 25-07-2022, 10:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,150
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الزكاة

(406)

- (باب الاختيال في الصدقة) إلى (باب المنان بما أعطى)



حذر ديننا الحنيف من أمور عظيمة تؤدي إلى هلاك الإنسان في آخرته، ومنها: عقوق الوالدين، والمن في الأعطية، والاختيال في الصدقة النابع من الكبر والتعالي، وحث ديننا الحنيف على الصدقة سراً أو جهراً إذا اقتضت المصلحة.
الاختيال في الصدقة


شرح حديث: (... والاختيال الذي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الاختيال في الصدقة.أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا محمد بن يوسف حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن ابن جابر عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن من الغيرة ما يحب الله عز وجل، ومنها ما يبغض الله عز وجل، ومن الخيلاء ما يحب الله عز وجل، ومنها ما يبغض الله عز وجل، فأما الغيرة التي يحب الله عز وجل فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله عز وجل فالغيرة في غير ريبة، والاختيال الذي يحب الله عز وجل اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيال الذي يبغض الله عز وجل الخيلاء في الباطل ) ].
يقول النسائي رحمه الله: [الاختيال في الصدقة] الاختيال هو: من الخيلاء، وأتى النسائي بهذه الترجمة المتعلقة بالصدقة والاختيال فيها، وأورد فيها حديثين، حديث فيه حصول الاختيال، وحديث في منع الاختيال، والمقصود بالمنع: هو كون الإنسان يعطي الصدقة وهو متكبر، ومترفع، ومتعالي، يتعاظم نفسه عند من يعطيه ويحسن إليه، وهذا هو الذي جاء في الحديث الآخر: ( كلوا وتصدقوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة )، فهذا فيه منع؛ لأنه تصدق بإظهار الترفع، والتعالي، والتكبر، والتعاظم على المتصدق عليه، وأورد حديثاً آخر هو الأول، وهو أن من الخيلاء ما يحبها الله عز وجل، وهو اختيال الرجل للحرب في الجهاد في سبيل الله وفي الصدقة، ويحمل ما جاء في هذا الحديث من ذكر الاختيال الذي يحبه الله فيما يتعلق في الصدقة، هو كونه يهتز أو تهتز سجيته عند الإعطاء وفي السخاء، فيعطي الصدقة وهو مطمئن البال، طيب النفس، مسروراً فرحاً لكونه أحسن، فلا يكون هناك من، وليس هناك استكثار، وليس هناك تعالي وترفع، وإنما يتحرك أو تهتز نفسه أو تهتز سجيته في السخاء، والإعطاء عن طيب نفس، وعن سرور، وارتياح بال، من غير من ولا أذى، ومن غير تعالي ولا ترفع، فعندما يعطي يكون عنده الفرح والسرور بما أعطى، وعدم التعالي والترفع، كما يقول الشاعر:
تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله
تراه إذا ما جئته متهللاً، يعني: عند السرور، وأسارير وجهه تبدو بارتياح، تدل على ارتياحه، كأنك تعطيه الذي أنت سائله، يعني: هو المعطي، ويكون شأنه كذلك، كشأن الذي يعطى وهو محتاج، فيكون عنده الفرح والسرور، وعلى هذا فالاختيال في الصدقة الذي جاء على أنه محبوب، يفسر بهذا التفسير الذي هو ليس تكبراً وتعالياً وتعاظماً، وكون الإنسان يتكبر على الفقراء والمساكين، ويتعالى عليهم ويترفع، ولكن يهتز فرحاً وسروراً، وتهتز سجيته في السخاء، والحب للخير, والحرص على نفع الناس، فيكون طيب النفس، هادئ البال، لا يستكثر ما يعطي، وإذا أعطى الكثير يعتبره قليلاً، ولا يكون عنده فيه من ولا أذى، هذا هو المراد بالاختيال الذي جاء الحديث في كونه محبوباً، وأما الاختيال المحرم، والذي لا يسوغ ولا يجوز، فهو الذي فيه التكبر، والتعالي، والترفع من المتصدق على الفقراء والمساكين.
فإذاً: هناك الاختيال المحمود الذي هو بهذا المعنى، والاختيال المذموم الذي هو بهذا المعنى، وقد أورد النسائي حديث جابر بن عتيك الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [( إن من الغيرة ما يحبها، ومنها ما يبغض، وأن من الخيلاء ما يحبه الله وما يبغض )]، وفي الحديث: دليل على أن الله تعالى متصف بالحب والبغض، وأنه يحب بعض الأعمال وبعض الصفات، ويبغض بعض الأعمال وبعض الصفات، كما أنه يحب أشخاصاً ويبغض أشخاصاً، يعني: فيه من يحب ومن يبغض، وفيه ما يحب وما يبغض من الصفات والأحوال.
ففي الحديث: دلالة على اتصاف الله بهاتين الصفتين، وهي: الحب والبغض، وهما كغيرهما من الصفات يثبتان لله عز وجل على ما يليق بكماله وجلاله، دون تشبيه أو تمثيل، ودون تعطيل أو تأويل، بل على حد قول الله عز وجل: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )[الشورى:11].
ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام بين ما المراد بالغيرة التي يحبها الله، والغيرة التي يبغضها الله، فالغيرة التي يحبها الله هي التي تكون في ريبة، فيما إذا كان الغيرة مبنية على ريبة، وعلى أمر يقتضي الغيرة، وعكسها الغيرة التي ستكون في غير ريبة، وهذا يكون في تعامل الرجل مع أهله، فهو يغار على أهله، ويحرص على بعدهم من كل شر، وسلامتهم من كل شر، واتصافهم بكل خير، وسلامتهم من كل نقص، ومن أي أمر يقدح فيهم، لكنه لا يحصل منه إساءة الظن، فيحصل الغيرة على غير أساس، ومن غير أمر يقتضيها، بل إذا وجد أمر يقتضيها، أو أمر يدفع إلى ذلك، فعند ذلك توجد الغيرة، فتكون محبوبة في هذه الحال التي هي في حال وجود الريبة، وإذا كانت مبنية على غير ريبة، وإنما على سوء ظن واتهام ليس له أساس، ويكون فيه إلحاق ضرر، وسوء عشرة، وقد يترتب على ذلك فرقة، وهي ليست مبنية على أساس، فهذه غيرة مذمومة، وهي غيرة يبغضها الله عز وجل، وتتعلق الغيرة في تعامل الرجل مع أهله، ومعاملته مع أهله.
ولهذا يذكر العلماء هذا الحديث فيما يتعلق بعشرة النساء، يعني: بعضهم يأتي به في عشرة النساء؛ لأن هذا من التعامل، ويشتمل على الغيرة التي تتعلق بالتعامل مع أهله، يعني: فيما ينبغي وفيما لا ينبغي.
ثم قال: [إن من الخيلاء ما يحبه الله عز وجل، ومنها ما يبغضه]، والخيلاء التي يحبها الله عز وجل تكون في الجهاد، وهي كون الإنسان في الجهاد يكون متصفاً بصفة الثبات، عنده قوة النفس، وقوة البأس، والصلابة، والشدة، وعدم الجبن، وعدم الخوف والذعر، بل يكون ثابت الجأش، قوي النفس، قوي البأس، كشأن المتكبر الذي ليس عنده فزع، وليس عنده خوف، يكون على هذا الوصف، وهذا شيء محمود، وكذلك الاختيال في الصدقة، وقد عرفنا معنى ذلك على أنه محبوب، وعلى أنه مما يحبه الله عز وجل، وهي كون الإنسان يعطي العطاء بارتياح، واهتزاز نفس، ووجود سجية طيبة، وسخاء وكرم، وارتياح واطمئنان، فيعطي وكأنه هو المعطى بارتياح نفس وطمأنينة، وبهدوء نفس، وطيب نفس، وهدوء بال، ومن غير من ولا أذى، ومن غير استكثار لما يعطي، بل يعطي الكثير، ويعتبر ما يعطيه قليلاً، هذا هو المراد بالخيلاء في هذا المقام الذي هو مقام المدح، ومقام كون ذلك محبوباً.
والخيلاء التي يبغضها الله هي التي تكون في الباطل، تكون بغير حق، يعني: في غير هذا السبيل، وفي غير هذه الطريق، هذه الخيلاء التي فيها التكبر على الناس، واستعظام النفس، وجحود نعمة الله عز وجل، فيكون عنده تعالي وترفع، وينظر إلى الناس وكأنه له حال، ولهم حال أخرى، ولهذا جاء في الحديث: (أن المتكبرين يحشرون كأمثال الذر)؛ لأنهم لما نفخوا أنفسهم، وتعالوا بأنفسهم يأتون في هوان، وفي صغر، وفي ذل، ويكونون كأمثال الذر، يعني: يعاملون بنقيض ما حصل منهم، كون الواحد منهم ينتفخ ويتعاظم ويتعالى، ويأتي يوم القيامة على هيئة حقيرة، وعلى هيئة تقابل هذا التعالي وهذا الترفع، فالاختيال بالباطل هو الاختيال الذي يبغضه الله عز وجل، وهو الذي لا يكون بحق، كالاختيال في الحرب الذي يدل على الثبات، وعلى قوة البأس، وعلى شدة البأس، وعلى البعد عن الخور، وعن الجبن، والضعف.

تراجم رجال إسناد حديث: (... والاختيال الذي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة...)


قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور ].هو: إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود .
[ حدثنا محمد بن يوسف ].
هو محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا الأوزاعي ].
هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، أبو عمرو، وهو ثقة، فقيه، فقيه الشام ومحدثها، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن يحيى بن أبي كثير ].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ حدثني محمد بن إبراهيم ].
هو محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن ابن جابر ].
ابن جابر، هو غير منسوب، وذكر أن جابر بن عتيك الأنصاري يروي عنه ابناه عبد الرحمن وأبو سفيان، وعبد الرحمن ذكر عنه الحافظ بأنه مجهول، وأما أبو سفيان فلم يسم، ولم يذكر، ولكنه مثل أخيه؛ لأنه لم يعرف، فهو مجهول، والرواية يحتمل أن تكون عن هذا وعن هذا، وكل منهما مجهول، فلا عبرة بروايته، وعلى هذا فالإسناد فيه هذا الرجل الذي هو ابن جابر بن عتيك الذي لم يسم، وكل منهما مجهول، سواء أن يكون هذا أو هذا، والإسناد ضعيف في هذا، لكن ذكر الشيخ الألباني في إرواء الغليل: أن له شواهد يكون بها من قبيل الحسن، وذكر هذه الشواهد عن عقبة بن عامر، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما.
وهذا الذي جاء عن ابن جابر غير مسمى جاء في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي.
وهذا ما خرج له إلا أبو داود، والنسائي.
أما جابر بن عتيك الأنصاري فهو صحابي، وحديثه عند أبي داود، والنسائي أيضاً.

شرح حديث: (كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد حدثنا همام عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة ) ]. أورد النسائي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الذي فيه إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأكل، والتصدق، واللبس، من غير إسراف، ولا مخيلة، من غير أن يسرف، ومن غير أن يكون هناك تكبر، يعني: في أكله، وفي لبسه، وفي تصدقه، بل يكون عنده التواضع، وعنده التوسط، والاعتدال، والله عز وجل يقول: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا )[الفرقان:67]، وقال: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27]، وقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29]، فالتوسط والاعتدال في الأكل واللبس، وكذلك في الصدقة من غير إسراف، ومن غير خيلاء، هذا هو المطلوب، وهذا هو الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا فقد عرفنا أن هذا الباب الذي عقده النسائي ، وهو الاختيال في الصدقة، أورد فيه حديثين، حديث يدل على مدحها، وعلى أنها محبوبة، وحديث يدل على أنها مذمومة، وفيه المنع منها، وقد عرفنا معنى ما هو ممدوح، ومعنى ما هو مذموم.

تراجم رجال إسناد حديث: (كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة)

قوله: [ أخبرنا أحمد بن سليمان ].هو الرهاوي ، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[ حدثنا يزيد ].
هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا همام ].
هو همام بن يحيى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن قتادة ].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن عمرو بن شعيب ].
هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.
[ عن أبيه ].
هو شعيب بن محمد، وهو صدوق أيضاً، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وفي جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.
وشعيب بن محمد يروي عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، صحابي ابن صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اشتهروا بهذا اللقب، مع أنه يوجد في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام مما يسمى عبد الله كثير، ولكن غلب على هؤلاء الأربعة، الذين هم من صغار الصحابة هذا اللقب، فإذا قيل عن مسألة من المسائل: قال بها العبادلة الأربعة، أو ذكر العبادلة الأربعة بهذا اللقب، فالمراد به هؤلاء الذين هم من صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، وعن الصحابة أجمعين.
وهؤلاء الأربعة صحابة أبناء صحابة، عبد الله بن عباس ، صحابي ابن صحابي، وعبد الله بن الزبير ، صحابي ابن صحابي، وعبد الله بن عمر ، صحابي ابن صحابي، وعبد الله بن عمرو ، صحابي ابن صحابي.


باب أجر الخازن إذا تصدق بإذن مولاه

شرح حديث: (... الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به طيباً بها نفسه أحد المتصدقين)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب أجر الخازن إذا تصدق بإذن مولاه. أخبرنا عبد الله بن الهيثم بن عثمان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا سفيان عن بريد بن أبي بردة عن جده عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وقال: الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به طيباً بها نفسه أحد المتصدقين ) ].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: [أجر الخازن إذا تصدق بإذن مولاه] يعني: هذه الترجمة فيها أن الخازن المسئول عن حفظ المال، والمحافظة على المال، إذا تصدق بإذن مولاه، وأدى ما أذن له بتأديته، فإنه يكون شريكاً في الأجر، ويكوه له نصيب في الأجر، وهو أحد المتصدقين، أي: المالك والمباشر، المتصدق الذي هو المالك بما كسب، والخازن بما باشر ونفذ، فهذا مأجور على اكتسابه وتحصيله، وإذنه بالإعطاء والتصدق، وهذا مأجور على مباشرته، وكونه واسطة بين صاحب المال وبين المحتاج إلى المال الذي يعطى الصدقة.
وقد سبق أن عرفنا من قبل أن العبد، وأن المرأة يعطون من مال صاحب المال، ومن مال صاحب البيت إذا كان هناك إذن صريح، أو إذن مفهوم متعارف عليه، يعني: مما جرت به عادة غالب الناس في أنهم يتسامحون في إعطاء الفقير الشيء اليسير مما هو موجود في البيت، إذا وجد أذن صريح، أو إذن مفهوم متعارف عليه بالنسبة لما هو معهود من غالب الناس، أن مثل ذلك ليس فيه مشاحة، وليس فيه ممانعة، أما إذا كان هناك إذن، وطلب منه أن يعطي، فإنه يعطي ما يؤذن له فيه، وهو مأجور على ذلك.
وقد أورد النسائي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: [(الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به طيبة به نفسه أحد المتصدقين)]، الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر وصف الخازن الذي هو أحد المتصدقين بهذه الصفات الأربع التي هي كونه أمين، يعني معناه: أنه لا يخون، ولا يجحد الشيء الذي يعطى إياه؛ لأنه إذا جحد يمكن أن يقول له: خذ وتصدق به، ثم يأخذه لنفسه ويخفيه، ويفهم صاحب المال أنه تصدق به، وقد خان؛ لأنه ليس بأمين، لكن وصفه بأنه أمين؛ لأنه لا يخون، وإنما يتصرف في المال في حدود ما أذن له فيه، كما هو شأن أهل الأمانة.
والوصف الثاني: أنه يعطي ما أمر به، فلا يمنع ما يؤمر بإعطائه، سواء كان أبقاه وزاد به مال الرجل الذي أمره بالصدقة، أو أنه خانه وأعطاه لمن يريد، أو اختص به، فكونه يكون أميناً وكونه يعطي، يعني: ما يمنع، وكونه أيضاً يعطي في حدود ما أمر به، لا يزيد ولا ينقص، الشيء المأذون له يعطي فيه، إذا قال: أعط مائة ريال، لا ينقص ولا يزيد؛ لأنه في حدود المأذون، وأن يكون أيضاً طيبة به نفسه، ما يعطي وهو كاره، أو يعطي وهو متألم، أو يعطي وهو عليه الكراهية لهذا التصرف، هذه صفات أربع وصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الخازن الذي هو أحد المتصدقين: كونه أمين، وكونه يعطي، وكونه يكون في حدود المأذون به، وكونه عندما يعطي تكون طيبة به نفسه، يكون أحد المتصدقين، أي: له نصيب في الأجر، وله ثواب وأجر من الله عز وجل على تسببه وعلى توسطه في الخير، وعلى كونه واسطة في الخير.


تراجم رجال إسناد حديث: (... الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به طيباً بها نفسه أحد المتصدقين)


قوله: [ أخبرنا عبد الله بن الهيثم بن عثمان ].لا بأس به، وهي تعادل صدوق، كلمة لا بأس به بمعنى صدوق عند الحافظ ابن حجر ، وهي دون ثقة، إلا عند يحيى بن معين فاصطلاحه أن لا بأس به بمعنى ثقة، ولهذا يقولون: لا بأس به عند ابن معين توثيق، يعني: إذا قال عن شخص: لا بأس به، فهي بمعنى قول غيره: ثقة، يعني معناه: أنه إذا قال لا بأس، فالذي قيلت فيه تلك الكلمة لا يظن أنه ينقص عن الثقة كما هو اصطلاح غيره؛ لأنها تعادل صدوق، بل هي تعادل ثقة، وهذا اصطلاح، وإذا فهم الاصطلاح فلا مشاحة في الاصطلاح.
[ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ].
هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا سفيان ].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن بريد بن أبي بردة ].
هو بريد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو ثقة، يخطئ قليلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن جده ].
هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو مشهور بكنيته، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبيه ].
هو عبد الله بن قيس ، صحابي مشهور، مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهذا من رواية الأبناء عن الآباء، إلا أنه رواية حفيد عن جد، والجد يروي عن أبيه، حفيد يروي عن جده، وجده يروي عن أبيه؛ لأن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، لا يروي عن أبيه، ولكنه يروي عن جده، وجده أبو بردة يروي عن أبيه أبو موسى الأشعري، فهي رواية حفيد عن جد، وذلك الجد يروي عن أبيه.
وقد مر بنا قريباً أن أبا بردة يروي عنه ابنه سعيد بن أبي بردة عن أبي موسى، وهذه الرواية ابن عن جد، رواية الشخص عن أبيه عن جده مباشرة.


باب المسر بالصدقة

شرح حديث: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب المسر بالصدقة.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ) ].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [المسر بالصدقة]، أي: الذي يخرجها سراً بدون ظهور ذلك وإعلامه، والجهر به، بحيث يعلمه الناس، ويدري عنه الناس، هذا هو المقصود، فالصدقة، التي يدفعها سراً، وليس علانية، والحكم في هذه المسألة أن فيها تفصيلاً، والله عز وجل ذكر ذلك في كتابه العزيز، فقال: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271]، فالصدقات تجهر بها، أو تعلن أحياناً لفائدة ولمصلحة، وتخفى أحياناً حيث لا يكون هناك مصلحة في الإعلان، والإظهار، فهي تظهر فيما إذا كان هناك أمر يقتضيه، وهو أن يكون هناك رغبة في الاقتداء، رغبة في أن يقتدي به غيره، بأن يتصدق بصدقة كثيرة، ويتبعه الناس على ذلك، ويدل عليه ما جاء في الحديث الذي مر بنا بالأمس، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه الجماعة من مضر على هيئة مؤثرة، وتأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رآه من أحوالهم، ووجوههم وملابسهم، وظهور الفاقة الشديدة عليهم، وكونه دخل في بيوته وخرج ولم يجد شيئاً يعطيهم إياه، فحث على الصدقة، فتجمع كومان من الثياب ومن الطعام، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وسر عليه الصلاة والسلام، وكان ممن تصدق رجل جاء من الأنصار بصرة كادت تعجز عنها يده، بل قد عجزت فتتابع الناس بعد ذلك وتصدقوا، فقال عليه الصلاة السلام: ( من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فله وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ).
فإذا كان الإعلان في الصدقة يترتب عليه مصلحة وفائدة، ومن غير أن يكون هناك مراءاة، ومن غير أن يكون هناك احتيال، بل بقصد حسن وبنية طيبة، فإن الجهر في هذه الحال أحسن من الإسرار، وإذا لم يكن هناك شيء من هذا، أو خاف الإنسان على نفسه من الرياء، فإنه يسر بذلك ولا يعلن، وقد جاء في الحديث ما يدل على ذلك، في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفيهم رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، يعني: حتى شماله ما تدري ما تنفق يمينه، مبالغة في الإخفاء، يعني: في إخفائه الصدقة.
فالحاصل: إن الإعلان إذا كان أولى، ويترتب عليه مصلحة، ويترتب عليه فائدة فهو الأولى، وإذا كان ما يترتب عليه مصلحة، ولا فائدة كالاقتداء به، ففي هذه الحالة يكون الإسرار أولى.
وقد أورد النسائي حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [( الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة )]، يعني: الذي يجهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، إذا كان الجهر بالقرآن فيه مصلحة وفيه فائدة بأن يكون هناك أحد يستمع لقراءته، ويستفيد من قراءته، فإن الجهر هنا أولى من الإسرار، فيما إذا كان شخص من الناس، يعني: يقرأ القرآن وحوله أناس، وهم يريدون أن يستمعوا لقراءته، وكونه يجهر ويسمعهم حتى يفيد ويستفيد أولى من كونه يسر وهم لا يستفيدون، وأما إذا كان الإسرار أولى بكونه ليس هناك أحد يحتاج إلى الاستماع له، أو أن الجهر يترتب عليه مضرة، بأن يوقظ نائمين، ويترتب عليه مضرة، ففي هذه الحالة يكون الإسرار أولى، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ).
يعني: عرفنا الإسرار بالصدقة والجهر بالصدقة، ومتى يكون هذا أولى، ومتى يكون هذا أولى، وكذلك الجهر بالقرآن، والإسرار بالقرآن متى الجهر يكون أولى، ومتى يكون الإسرار أولى، إذا كان هناك استماع وحصول فائدة من التلاوة ورفع الصوت، والجهر به، بحيث يكون هناك أناس يرغبون، ويحبون أن يستمعوا للقراءة، ويستفيدوا، ويسمعوا، فهذا أمر مطلوب، والجهر أولى من الإسرار، إذا كان هناك حاجة إلى الجهر، أو يكون الجهر فيه مضرة، كإلحاق الضرر بنائمين، فإنه في هذه الحالة يكون الإسرار أولى من الجهر.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]