عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-07-2022, 08:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,500
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الزكاة

(391)


كتاب الزكاة

باب وجوب الزكاة

الزكاة ركن من أركان الإسلام، تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، وهي من الأمور المهمة التي يجب على الداعية تبيينها للناس بعد دعوتهم للتوحيد والصلاة.
وجوب الزكاة

شرح حديث: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب ... فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة.أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن المعافى عن زكريا بن إسحاق المكي حدثنا يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـمعاذ حين بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك بذلك، فأخبرهم أن الله عز وجل فرض عليهم خمس صلوات في يوم وليلة، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله عز وجل فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك فاتق دعوة المظلوم)].
يقول النسائي رحمه الله: كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ذكر كتاب الزكاة بعد أن ذكر كتاب الصيام، وقد عرفنا فيما مضى أن هذا الترتيب - الذي هو تقديم الصيام على الزكاة - على خلاف المشهور عند أهل العلم، وذلك أنهم يقدمون الزكاة على الصيام؛ لأن الزكاة هي التي يأتي كثيراً قرنها بالصلاة في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه كثيراً ما يأتي ذكر الصلاة ويأتي معها إيتاء الزكاة، فهما متلازمتان، ويأتي ذكرهما كثيراً، لكن النسائي رحمه الله هنا وفي بعض النسخ قدم الصيام على الزكاة، وقد مر بنا كتاب الصيام وهذا هو كتاب الزكاة، وإنما قدمت الزكاة على غيرها بعد الصلاة؛ لأنها كما أشرت أولاً قرينتها في كتاب الله عز وجل، ولتلازمهما في الذكر؛ ولأن الزكاة حق مالي نفعه متعد بخلاف الصيام، فإن نفعه قاصر ولا يتعدى صاحبه، وأما الزكاة ففيها التعدي من الغني إلى الفقير، ومن المحسن إلى المحتاج، ففي ذلك تعدية النفع، فيستفيد من ذلك المعطي والمعطى، المزكي والذي أعطي الزكاة، المتصدق والذي أعطي الصدقة، فلهذا يأتي كثيراً ذكر الزكاة مع الصلاة، وهذا هو الذي درج عليه العلماء من محدثين وفقهاء، أنهم يجعلون الطهارة أولاً، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، هكذا يرتبون في كتب الحديث وفي كتب الفقه، وصنيع النسائي فيه تقديم الصيام على الزكاة، وقد عرفنا فيما مضى أن أول حديث أورده كان فيه تقديم الصيام على الزكاة.
والزكاة هي: حق فرضه الله عز وجل في أموال الأغنياء ليعطى للفقراء، أو ليصرف في المصارف التي بينها الله عز وجل، وهي مأخوذة من النماء، والزكاة فيها تنمية؛ لأنها هي سبب في نماء المال وسبب في زيادته، والصدقة لا تنقص المال بل تزيده، وهي من شكر الله عز وجل على النعمة بالمال، كون الإنسان أعطاه الله المال الزائد على حاجته وعلى كفايته، والذي يدخره ويحول عليه الحول ثم يكون بالغاً نصاباً ولا يحتاج إليه، فهي نعمة أنعم الله بها عليه، وهي زائدة عن حاجته، فمن شكر الله عز وجل على هذه النعمة أنه يعطي الحق الذي فرضه الله عز وجل عليه طيبة به نفسه.
والله عز وجل لما فرض الزكاة أخبر بأن فيها تزكية، وفيها تطهيراً: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103] فهي تطهير للمال، وتزكية للنفوس، وتزكية للمال، تطهير للنفوس من الشح، وتزكية للنفوس، وكذلك تزكية للمال وتنمية له؛ فهي من أسباب نماء وكثرة المال، والصدقة لا تنقص المال بل تزيده، وتكون سبباً في زيادته، ثم أيضاً: النفع الذي يحصل كون الإنسان يحصل الأجر، وغيره يحصل الفائدة، ولما فرض الله عز وجل الزكاة فرضها على وجه ينفع الفقير ولا يضر الغني، ينفع الفقير الذي ليس عنده شيء ولا يضر الغني، فلم تفرض على وجه يكون فيه إضرار بالأغنياء، بل فرضت على وجه فيه عدم الإضرار بهم، لأن الذي فرض شيء يسير من مال كثير تفضل الله تعالى وأعطاه الأغنياء، أعطاهم المال الكثير، وفرض عليهم اليسير، وهذا اليسير لا يضرهم إخراجه، وينفع الفقراء وصوله إليهم، لأنهم ما عندهم شيء، فينفعهم أي شيء يحصل لهم.
ثم أيضاً: ما وجبت في كل مال، إنما تجب في المال إذا بلغ نصاباً، وأما إذا لم يبلغ النصاب فما فيه زكاة ولو حال عليه الحول، ولو خرجت الثمرة ولكنها لم تبلغ النصاب فإنه لا زكاة فيها، بل فرضت في الشيء الكثير الذي يمضي عليه عند الإنسان حول وهو نصاب فأكثر، ويمضي عليه حول إذا كان من الأموال المدخرة، أو يكون نصاباً عند الحصاد والجذاذ فيما يتعلق بالحبوب والثمار.
ثم هذا الفرض شيء يسير بالنسبة للخارج من الأرض؛ إذا كان الإنسان ما يتعب عليه ويسقى بماء الأمطار، أو بماء العيون، ولا يتعب على إخراجه وعلى وصوله إليه، فإنه عليه فيه العشر، وإذا كان يستخرج بواسطة المضخات أو بواسطة السواني فإن فيه نصف العشر، إذا كان فيه كلفة يكون فيه نصف العشر، وإذا كان بغير كلفة يكون فيه العشر، وإذا كان من النقدين أو من عروض التجارة فإن فيه ربع العشر، يعني: جزء من أربعين جزءاً، مال كثير فرض الله فيه شيئاً يسيراً لا يضر الغني إخراجه، ويستفيد الفقير من وصوله إلى يده؛ لأنه ما عنده شيء يقتاته وشيء يستفيده، فإذا وصل إليه هذا الذي لا يضر الغني إخراجه، فإنه ينفعه ويقضي حاجته ويسد عوزه.
ثم إن الزكاة هي: أحد أركان الإسلام الخمسة، بل هي الثالث من أركان الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ) وجاء في حديث جبريل بيان الإسلام، وأنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، فهي ركن من أركان الإسلام التي انبنى عليها هذا الدين الحنيف.
وهي قرينة الصلاة في كتاب الله سبحانه وتعالى، يقرن الله عز وجل بين الصلاة والزكاة في آيات كثيرة: ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ )[التوبة:5]، ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ )[التوبة:11]، ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )[البينة:5]، ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ )[الحج:41] فيأتي في القرآن كثيراً القرن بين الصلاة والزكاة، وفي الحديث: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) وأحاديث كثيرة فيها القرن والجمع بين الصلاة والزكاة.
ثم إن النسائي رحمه الله أورد في باب وجوب الزكاة حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة بعث معاذ إلى اليمن رضي الله تعالى عنه، وهو حديث عظيم، اعتنى به أهل العلم وقدموه على غيره، فـالبخاري رحمه الله صدر به كتاب الزكاة، وصدر به كتاب التوحيد، فهو أول حديث في كتاب الزكاة عنده، وأول حديث في كتاب التوحيد عنده، وهو أول حديث عند النسائي في كتاب الزكاة، كما فعل البخاري أيضاً فعل النسائي، فجعل هذا الحديث الذي هو حديث بعث معاذ إلى اليمن ورسم الخطة التي يسير عليها في الدعوة إلى الله عز وجل صدر به البخاري كتاب الزكاة وكتاب التوحيد من صحيحه، وصدر به الإمام مسلم، وصدر به الإمام النسائي كتاب الزكاة من سننه، وتبعه جماعة من المؤلفين في الحديث فصدروا به كتبهم، ففعل عبد الغني المقدسي في عمدة الأحكام أن جعل هذا الحديث أول حديث في كتاب الزكاة، وكذلك الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام جعله أول حديث في كتاب الزكاة، وكذلك جعله غيرهم، أي: صدروا به كتب الزكاة من كتبهم، وهذا يدل على ما اشتمل عليه من التدرج في بيان شرائع الإسلام، وأنه يبدأ بالشهادتين أولاً، ثم بالصلاة، ثم بالزكاة، وهي أول شيء يدعى إليه بعد الصلاة، وهذا يوضح أن الزكاة تقدم على الصيام؛ لأن هذا الحديث الذي رسم به النبي صلى الله عليه وسلم الخطة لـمعاذ ذكر فيه الشهادتين، ثم إذا أقروا بها ينقلهم إلى الدعوة إلى الصلاة، فإذا استجابوا ينقلهم إلى الدعوة إلى الزكاة، فيبدأ بالأهم فالأهم، فأهم شيء بعد الصلاة هو الزكاة، ولهذا فتقديم الزكاة على الصيام هذا هو المشهور، وهو الذي تدل عليه الأدلة الكثيرة، وهو الذي يدل عليه هذا الترتيب الذي حصل في هذا الحديث بأنه يبدأ بالأهم فالأهم، فأهم شيء التوحيد والشهادتان ويليه الصلاة ثم يليه الزكاة، فإن هم أجابوا فادعهم إلى كذا فإن هم أجابوا فادعهم إلى كذا، انتقال من أهم إلى مهم، وتدرج مما هو أعلى إلى ما يليه، ومما هو أهم إلى ما يليه في الأهمية، فلهذا اعتنى جماعة من المؤلفين بهذا الحديث فصدروا به كتبهم وفي مقدمتهم الإمام البخاري رحمة الله عليه كما أشرت إلى ذلك.

مكانة الدعوة إلى التوحيد

وحديث بعث معاذ إلى اليمن رضي الله عنه فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب ) وهذا تمهيد وتوطئة وتنبيه له، إلى أن يعلم أن أولئك أهل علم وأهل كتاب، يعني: كتاب سابق وهم اليهود، فإن عندهم التوراة وإن كان حصل فيها تحريف وتبديل إلا أنهم ينتسبون إلى كتاب، ويزعمون أنهم يتبعون كتاباً، والكتاب حصل فيه تحريف وتبديل، لكن الذي عنده شيء جاء من الله عز وجل ليس كالجاهل الذي يعبد الأوثان ولا صلة له ولا علاقة له بدين، فإن التمهيد الذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ونبه عليه في أخذ الحيطة والاستعداد، ولهذا فإن الداعية عندما يتجه إلى بلد، أو يريد الدعوة في بلد، يتعرف أحوال البلد وأهل البلد وما عندهم من العلم، وما عندهم من الشبه، وما عندهم من الأمور التي يحتاج إلى علاجها ويحتاج إلى كشفها وتوضحيها وبيان الحق، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب ) يعني: معناه أنه يستعد لهم، ويعلم بأنهم ليسوا مثل الوثنيين الذين لا علاقة لهم بالدين ولا ينتمون إلى دين، ولا تربطهم بالدين رابطة، بل هم عبدة أوثان مشركون وإن كان النصارى واليهود أيضاً هم كفار ومشركون، لكن فرق بين كافر له علاقة بدين سابق وبين كافر لا علاقة له بأي دين، ولهذا صار لأهل الكتاب تميز على غيرهم بأحكام الإسلام تختلف عن أحكام الوثنيين الذين لا ينتمون إلى دين سابق جاء من الله عز وجل وجاء به رسل الله الكرام، فهناك فرق بين هؤلاء وهؤلاء، أهل الكتاب أحل لنا ذبائحهم ولم تحل لنا ذبائح الوثنيين، وأحل لنا نساؤهم ولم تحل لنا نساء الوثنيين، يعني: فهناك أحكام تخصهم ويتميزون بها عن سائر الكفرة الوثنيين الذين لا علاقة لهم بالدين، ولا علاقة لهم بدين جاء من الله عز وجل ونزل من عند الله سبحانه وتعالى، فصار لهم أحكام تخصهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب ) فالرسول صلى الله عليه وسلم لما مهد هذا التمهيد أمره بأن يدعو بالتدريج ولا يأتيهم بالأحكام جملة، ويقول: افعلوا كذا وافعلوا كذا وهم ما دخلوا في الدين، وإنما أول شيء يدعوهم إلى المفتاح والمدخل، المدخل إلى الإسلام وهو الشهادتان، الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ادعهم إلى هذا، وهذا فيه أن الدعوة تكون بالأهم، وتكون إلى الأهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد معاذاً أن يدعوهم إلى الشهادتين التي هي الأساس، ولا ينفع أي عمل من الأعمال إذا لم يكن مبنياً على الشهادتين بعد بعثة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، لا ينفع أي إنسان أن يعمل عمل إلا إذا كان مبنياً ومستنداً على شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، إذا كان مستسلماً منقاداً لله عز وجل يخصه بالعبادة ومتبعاً النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعبد الله به، وهو ما سبق أن أشرت إليه أن دين الإسلام مبني على شرطين: الإخلاص والمتابعة، إخلاص العمل لله، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معنى: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله،؛ لأن أشهد أن لا إله إلا الله مقتضاها إخلاص العمل لله، وشهادة أن محمداً رسول الله معناها: تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يعبد الله وفقاً لشريعته، ولهذا جاء عن بعض السلف قوله في قول الله عز وجل: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )[الملك:2] قال: العمل الأحسن هو الأخلص الأصوب، ثم قال: الخالص: ما كان لله وحده، والصواب: ما كان على السنة؛ الخالص ما كان لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه، والصواب ما كان على السنة؛ لأنه إذا لم يكن على السنة يكون على البدعة، والعمل المبتدع مردود على صاحبه لا ينفعه عند الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق على صحته من حديث عائشة رضي الله عنها: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وفي رواية لـمسلم: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) فالعبادة التي يتقرب بها إلى الله عز وجل لا بد أن تكون خالصة لوجه الله، ولا بد أن تكون مطابقة لشريعة الله التي جاء بها رسول الله، فلا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، فلا يشرك مع الله في العبادة أحد كائناً من كان، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا بد من تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم بأن تكون الأعمال التي يتقرب إلى الله عز وجل بها مبنية على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به وفيما ينهى عنه، بأن تمتثل الأوامر وينتهى عن النواهي، فهما شرطان أساسيان لا بد منهما، وهما معنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، وهما متلازمان، فإخلاص العمل لله عز وجل ولكن العمل على بدعة مردود على صاحبه، والعمل إذا كان على السنة ولكن أشرك مع الله غيره مردود على صاحبه، ولا ينفعه إلا إذا توفر فيه الشرطان: الإخلاص والمتابعة.
والذي قال عنه بعض أهل العلم: توحيدان لا بد منهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، توحيد الرسول بالمتابعة، وتوحيد المرسل سبحانه وتعالى بإخلاص العمل له سبحانه وتعالى، ولا يعني هذا أن هناك توحيداً اسمه توحيد المتابعة غير توحيد الألوهية، فإن أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية لا بد فيه من شرطين: الإخلاص والمتابعة، وتوحيد الألوهية: هو توحيد الله تعالى بأفعال العباد، ولا بد فيه من شرطين: الإخلاص والمتابعة، إخلاص العمل لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنواع التوحيد ثلاثة بالاستقراء، استقراء نصوص الكتاب والسنة أن أنواع التوحيد ثلاثة، ليست أربعة وإنما هي ثلاثة:
توحيد الربوبية: وهو توحيد الله تعالى بأفعاله؛ الإقرار بأنه الخالق الرازق المحيي المميت، أفعال الله عز وجل، فهو واحد في أفعاله، والمتفرد بالخلق والإيجاد، والإحياء والإماتة، وتدبير الكون لا شريك له في الملك سبحانه وتعالى، هذا توحيد الربوبية.
وتوحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد، كالدعاء، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، والتوكل، والإنابة، وغير ذلك من أنواع العبادة التي يفعلها العباد، فإنها تكون لله عز وجل، وهذه الأعمال التي يعملها العباد ويتقربون بها إلى الله عز وجل تكون على وفق السنة، لا تكون مبنية على بدعة أو خرافات أو منكرات، بل تكون على وفق السنة.
إذاً: فأول ما يدعى إليه التوحيد، الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تكفي شهادة أن لا إله إلا الله عن شهادة أن محمداً رسول الله بعد أن بعث الله رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام، بل كل يهودي ونصراني بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينفعه أن يقول: إنه تابع لنبي من الأنبياء قبل محمد عليه الصلاة والسلام، كاليهود الذين يقولون: إنهم يتبعون موسى، والنصارى الذين يقولون: إنهم يتبعون عيسى؛ لأن شرائع موسى وعيسى انتهت ببعثته صلى الله عليه وسلم.
وجميع الشرائع كلها نسخت بشريعته، وختمت بشريعته عليه الصلاة والسلام، فلا ينفع اليهودي أن يقول: إنه تابع لموسى ولا يكون تابعاً لمحمد عليه الصلاة والسلام، ولا ينفع النصراني أن يقول: إنه تابع لعيسى ولا يكون تابعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن محمداً إنما هو رسول للعرب خاصة، لا! إذا شهد بأنه رسول فيجب تصديق الرسول فيما يقول، والرسول عليه الصلاة والسلام أخبر وجاء بالقرآن والسنة أنه رسول إلى الناس كافة، وأنه رسول إلى الثقلين، فيجب تصديقه فيما يقول، وأن أي يهودي أو نصراني لا ينفعه أن يزعم أنه متبع لرسول من رسل الله قبل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه بعد أن بعث الله رسوله عليه الصلاة والسلام لا بد من الإيمان به، ولا بد من اتباع شريعته.
ولهذا جاء في الحديث الصحيح: ( والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار ) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، فاليهود والنصارى من أمة دعوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الدعوة موجهة إلى كل إنسي وجني من حين بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، هؤلاء هم أمة الدعوة، الدعوة موجهة إليهم، ليست لأحد دون أحد ولا يختص بها أحد دون أحد.
ولهذا جاء في القرآن الكريم: ( وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )[يونس:25]، فحذف المفعول في (يدعو) وأظهر المفعول في (يهدي)؛ لأن الدعوة عامة والهداية خاصة، يعني: والله يدعو كل أحد، كل مدعو إلى دار السلام، ما أحد يدعى وآخر لا يدعى، لا أحد يبين له الحق وآخر يستر عنه الحق أو يخفى عنه الحق، لا! الحق مبذول لكل أحد، ( وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ )[يونس:25] يعني: كل أحد مدعو إلى دار السلام، كل مدعو إلى دار السلام، لكن ما كل يهدى إلى الصراط المستقيم؛ لأن الله تعالى شاء أن يكون الناس فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، وما شاء الله كان لا بد أن يوجد ما قدره الله وقضاه، ولهذا قال: ( وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )[يونس:25] ما قال: يهدي كل أحد؛ لأنه لو شاء أن يهدي الناس كلهم لهداهم ( وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا )[السجدة:13]، ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ )[الأنعام:149] لكن الله تعالى شاء أن يكون الناس فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، وأرسل الرسل لبيان الطريق إلى الجنة والطريق إلى النار، فمن وفقه الله عز وجل أخذ بأسباب السعادة، ومن لم يوفق أخذ بطريق الشقاوة وطريق الخذلان والعياذ بالله.
وعلى هذا فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أمتان: أمة دعوة وأمة إجابة، فأمة الدعوة هم كل إنسي وجني من حين بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، ولهذا أثبت الله عز وجل الهداية للرسول عليه الصلاة والسلام في آية ونفاها عنه في آية، والهداية المثبتة غير الهداية المنفية، قال الله عز وجل: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )[الشورى:52] يعني: تدل وترشد كل أحد، ما تدل أحد دون أحد، ونفيت عنه الهداية في قوله: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )[القصص:56] هداية التوفيق هذه لله عز وجل وليست للرسول صلى الله عليه وسلم، لكن التي للرسول صلى الله عليه وسلم هي هداية الدلالة والإرشاد وقد حصلت.
وقال الإمام الزهري رحمة الله عليه: (من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم)، فالذي من الله عز وجل وهي الرسالة قد حصل؛ الله أرسل الرسل وأنزل الكتب، والذي على الرسل هو البلاغ وقد حصل؛ فقد بلغوا البلاغ المبين، وما تركوا شيئاً أمروا بتبليغه إلا وقد أدوه على التمام والكمال، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله بشريعة خاتمة ومهيمنة وناسخة لشرائعه، وبين للناس ما أمر بتبليغه، فلم يتركهم دون بيان لشيء فيأتي أناس يبتدعون أشياء ويلصقونها بالدين، ويضيفونها إلى الدين، بل الشريعة كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا تحتاج إلى إضافات ولا تحتاج إلى محدثات، بل النبي صلى الله عليه وسلم ترك الناس على محجة بيضاء ليلها كنهارها، ما ترك أمراً يقرب إلى الله إلا ودل الأمة عليه، ولا ترك أمراً يباعد من الله إلا وحذر الأمة منه، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، بلغ الأمانة، وأدى الرسالة، ونصح الأمة، وبلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والسعيد من يوفقه الله لاتباعه، والسير على منواله، والمخذول من يحيد عن منهجه وطريقته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يدعو إلى التوحيد أولاً: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واليهود الذين يزعمون أنهم متبعون لموسى يدعون إلى أن يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لا بد من هذا وهذا، ومقتضى الشهادة أن يؤخذ بكل ما جاء عنه، تمتثل أوامره وينتهى عن نواهيه، تصدق أخباره، يعبد الله طبقاً لشريعته صلى الله عليه وسلم، هذا هو معنى: أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأول شيء يدعى إليه التوحيد، وقال عليه الصلاة والسلام: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ).

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.86 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]