عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 08-07-2022, 11:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله


الحلقة (323)
الجزء السادس
- تفسير البغوى

سُورَةُ الْقَصَصِ
مَكِّيَّةٌ
الاية29 إلى الاية 47


( فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ( 29 ) )

قوله - عز وجل - : ( فلما قضى موسى الأجل ) يعني أتمه وفرغ منه ، ( وسار بأهله ) قال مجاهد : لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك عند صهره عشرا آخر فأقام عنده عشرين سنة ، ثم استأذنه في العود إلى مصر ، فأذن له ، فخرج بأهله إلى جانب مصر ، ( آنس ) يعني : أبصر ، ( من جانب الطور نارا ) وكان في البرية في ليلة مظلمة ، شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق ، ( قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر ) [ ص: 206 ] عن الطريق ، لأنه كان قد أخطأ الطريق ، ( أو جذوة من النار ) يعني : قطعة وشعلة من النار . وفيها ثلاث لغات ، قرأ عاصم : " جذوة " بفتح الجيم ، وقرأ حمزة بضمها ، وقرأ الآخرون بكسرها ، قال قتادة ومقاتل : هي العود الذي قد احترق بعضه ، وجمعها " جذى " ( لعلكم تصطلون ) تستدفئون .
( فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إني أنا الله رب العالمين ( 30 ) وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ( 31 ) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين ( 32 ) )

( فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن ) من جانب الوادي الذي عن يمين موسى ، ( في البقعة المباركة ) لموسى ، جعلها الله مباركة لأن الله كلم موسى هناك وبعثه نبيا . وقال عطاء : يريد المقدسة ، ( من الشجرة ) من ناحية الشجرة ، قال ابن مسعود : كانت سمرة خضراء تبرق ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي : كانت عوسجة . قال وهب من العليق ، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - : أنها العناب ، ( أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين )

( وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز ) تتحرك ، ( كأنها جان ) وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها ، ( ولى مدبرا ) هاربا منها ، ( ولم يعقب ) لم يرجع ، فنودي : ( يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين )

( اسلك ) أدخل ( يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ) برص ، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس ، ( واضمم إليك جناحك من الرهب ) قرأ أهل الكوفة ، والشام : بضم الراء وسكون الهاء ، ويفتح الراء حفص ، وقرأ الآخرون بفتحهما ، وكلها لغات بمعنى الخوف [ ص: 207 ] ومعنى الآية : إذا هلك أمر يدك وما ترى من شعاعها فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى . " والجناح " : اليد كلها . وقيل : هو العضد . وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم : أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية ، وقال : ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه . قال مجاهد : كل من فزع فضم جناحيه إليه ذهب عنه الفزع . وقيل : المراد من ضم الجناح : السكون ، أي : سكن روعك واخفض عليك جانبك ، لأن من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه ، ومثله قوله : " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " ( الإسراء - 24 ) ، يريد الرفق ، وقوله : " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " ( الشعراء - 215 ) ، أي : ارفق بهم وألن جانبك لهم .

قال الفراء : أراد بالجناح العصا ، معناه : اضمم إليك عصاك . وقيل : " الرهب " الكم بلغة حمير ، قال الأصمعي : سمعت بعض الأعراب يقول : أعطني ما في رهبك ، أي : في كمك ، معناه : اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم ، لأنه تناول العصا ويده في كمه . ( فذانك ) يعني : العصا ، واليد البيضاء ، ( برهانان ) آيتان ، ( من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين )
( قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ( 33 ) وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون ( 34 ) )

( قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون )

( وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ) وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه ، ( فأرسله معي ردءا ) عونا ، يقال ردأته أي : أعنته ، قرأ نافع ( ردا ) بفتح الدال [ ص: 208 ] من غير همز طلبا للخفة ، وقرأ الباقون بسكون الدال مهموزا ، ( يصدقني ) قرأ عاصم ، وحمزة : برفع القاف على الحال ، أي : ردءا مصدقا ، وقرأ الآخرون بالجزم على جواب الدعاء والتصديق لهارون في قول الجميع ، قال مقاتل : لكي يصدقني فرعون ، ( إني أخاف أن يكذبون ) يعني فرعون وقومه .
( قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ( 35 ) ( فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ( 36 ) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ( 37 ) وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين ( 38 ) )

( قال سنشد عضدك بأخيك ) أي : نقويك بأخيك ، وكان هارون يومئذ بمصر ، ( ونجعل لكما سلطانا ) حجة وبرهانا ، ( فلا يصلون إليكما بآياتنا ) أي : لا يصلون إليكما بقتل ولا سوء لمكان آياتنا ، وقيل : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : ونجعل لكما سلطانا بآياتنا بما نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما ، ( أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) أي : لكما ولأتباعكما الغلبة على فرعون وقومه .

( فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات ) واضحات ، ( قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ) مختلق ، ( وما سمعنا بهذا ) بالذي تدعونا إليه ، ( في آبائنا الأولين )

( وقال موسى ) قرأ أهل مكة بغير واو ، وكذلك هو في مصاحفهم ، ( ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ) بالمحق من المبطل ، ( ومن تكون له عاقبة الدار ) العقبى المحمودة في الدار الآخرة ، ( إنه لا يفلح الظالمون ) أي : الكافرون .

( وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين ) فاطبخ لي الآجر ، وقيل : إنه أول من اتخذ من الآجر وبنى به ، ( فاجعل لي صرحا ) قصرا عاليا ، وقيل : منارة ، قال أهل التفسير لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح ، جمع هامان العمال والفعلة [ ص: 209 ] حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء ، ومن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب ويضرب المسامير ، فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق ، أراد الله - عز وجل - أن يفتنهم فيه ، فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما ، فقال قد قتلت إله موسى ، وكان فرعون يصعد على البراذين ، فبعث الله جبريل جنح غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف رجل ، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب ، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلا هلك ، فذلك قوله تعالى : ( فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى ) أنظر إليه وأقف على حاله ، ( وإني لأظنه ) يعني موسى ، ( من الكاذبين ) في زعمه أن للأرض والخلق إلها غيري ، وأنه رسوله .
( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ( 39 ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ( 40 ) وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ( 41 ) وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ( 42 ) )

( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) قرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ويعقوب : " يرجعون " بفتح الياء وكسر الجيم ، والباقون بضم الياء وفتح الجيم .

( فأخذناه وجنوده فنبذناهم ) فألقيناهم ، ( في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين )

( وجعلناهم أئمة ) قادة ورؤساء ، ( يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ) لا يمنعون من العذاب .

( وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ) خزيا وعذابا ، ( ويوم القيامة هم من المقبوحين ) المبعدين الملعونين ، وقال أبو عبيدة : من المهلكين . وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : من [ ص: 210 ] المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون ، يقال : قبحه الله وقبحه : إذا جعله قبيحا ، ويقال : قبحه قبحا ، وقبوحا ، إذا أبعده من كل خير .
( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ( 43 ) ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ( 44 ) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين ( 45 ) )

قوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ) يعني : قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم كانوا قبل موسى ، ( بصائر للناس ) أي : ليبصروا بذلك الكتاب ويهتدوا به ، ( وهدى ) من الضلالة لمن عمل به ، ( ورحمة ) لمن آمن به ، ( لعلهم يتذكرون ) بما فيه من المواعظ والبصائر .

( وما كنت ) يا محمد ، ( بجانب الغربي ) يعني : بجانب الجبل الغربي ، قاله قتادة والسدي ، وقال الكلبي : بجانب الوادي الغربي . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يريد حيث ناجى موسى ربه ، ( إذ قضينا إلى موسى الأمر ) يعني عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه ، ( وما كنت من الشاهدين ) الحاضرين ذلك المقام فتذكره من ذات نفسك .

( ولكنا أنشأنا قرونا ) خلقنا أمما بعد موسى عليه السلام ، ( فتطاول عليهم العمر ) أي : طالت عليهم المهلة فنسوا عهد الله وتركوا أمره ، وذلك أن الله تعالى قد عهد إلى موسى وقومه عهودا في محمد - صلى الله عليه وسلم - والإيمان به ، فلما طال عليهم العمر وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها . ( وما كنت ثاويا ) مقيما ، ( في أهل مدين ) كمقام موسى وشعيب فيهم ، ( تتلو عليهم آياتنا ) تذكرهم بالوعد والوعيد ، قال مقاتل : يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ، ( ولكنا كنا مرسلين ) أي : أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار ، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولم تخبرهم بها .
[ ص: 211 ] ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ( 46 ) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ( 47 ) )

( وما كنت بجانب الطور ) بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى ، ( إذ نادينا ) قيل : إذ نادينا موسى : خذ الكتاب بقوة . وقال وهب : قال موسى : يا رب أرني محمدا ، قال : إنك لن تصل إلى ذلك ، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم ، قال : بلى يا رب ، قال الله تعالى : يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير : ونادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني .

وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ورفعه بعضهم - ، قال الله : يا أمة محمد ، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات : لبيك اللهم لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك . قال الله تعالى : يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي ، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني ، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني ، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة ، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر . قوله تعالى : ( ولكن رحمة من ربك ) أي : ولكن رحمناك رحمة بإرسالك والوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك ، ( لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) يعني : أهل مكة ، ( لعلهم يتذكرون )

( ولولا أن تصيبهم مصيبة ) عقوبة ونقمة ، ( بما قدمت أيديهم ) من الكفر والمعصية ، [ ص: 212 ] ( فيقولوا ربنا لولا ) هلا ( أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ) وجواب " لولا " محذوف ، أي : لعاجلناهم بالعقوبة ، يعني : لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم . وقيل : معناه لما بعثناك إليهم رسولا ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.36 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.73 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.83%)]