عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 08-07-2022, 04:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد



شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج (2)
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية

من صــ 397الى صــ 410
(68)

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِيمَنْ لَبِسَ قَمِيصًا نَاسِيًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ مِثْلُ الشَّرِيفِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَامِدُ وَالسَّاهِي فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ كَالْحَلْقِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ كَتَرْكِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ.
وَلِأَنَّ مَا يَحْظُرُهُ الْإِحْرَامُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ كَتَفْوِيتِ الْحَجِّ، وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ وَالْجَهْلَ إِنَّمَا هُوَ عُذْرٌ فِي فِعْلِ الْمَحْظُورِ، وَمَحْظُورَاتُ الْإِحْرَامِ إِذَا فَعَلَهَا لِعُذْرٍ، أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
وَوَجْهُ الْأُولَى: مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ: («أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا، فَالْتَمَسَ الرَّجُلَ فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي الْعُمْرَةِ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَزْعِ الْمَخِيطِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِفِدْيَةٍ لِمَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا، وَكَذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ لِأَجْلِ الطِّيبِ إِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: التَّحْرِيمُ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَظَرَ الْوَحْيَ حِينَ سُئِلَ .. . .
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ - لِلَّذِي أَكَلَ نَاسِيًا -: («اللَّهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ») فَعُلِمَ أَنَّ فِعْلَ النَّاسِي مُضَافٌ إِلَى اللَّهِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ لِلْكَاسِي: اللَّهُ كَسَاكَ، بَلْ مُنَافَاةُ الْأَكْلِ لِلصَّوْمِ أَشَدُّ مِنْ مُنَافَاةِ اللُّبْسِ لِلْإِحْرَامِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ: أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِعْلُهُ مَعَ النِّسْيَانِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَالُوا: "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا، أَوْ أَخْطَأْنَا، قَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْتُ "، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ») بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْفُوا عَنْ حُقُوقِهِمْ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ اللِّبَاسِ وَالْحَلْقِ فَسَيَأْتِي.


الْفَصْلُ الثَّانِي
أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا: فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا عَلَى الْعَامِدِ. هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ نَقَلَهَا صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَحَنْبَلٌ، وَالْأَثْرَمُ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ.
وَرَوَى عَنْهُ صَالِحٌ - أَيْضًا -: لَا كَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ وَالنَّاسِي وَالْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِي الْخَطَأِ مِنْ وُجُوهٍ؛ - أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ نَهَى الْمُحْرِمَ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ، وَالنَّاسِي وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَا يَكُونُ مَنْهِيًّا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ الْمَضْمُونَ هُوَ الْقَتْلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ.
الثَّانِي أَنَّهُ قَالَ: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95].
فَقَدْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ فَيَبْقَى الْمُخْطِئُ بَرِيءَ الذِّمَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ الشَّيْءَ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ خَصَّ الْمُتَعَمِّدَ بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَتْلِ الَّذِي يَعُمُّ الْمُتَعَمِّدَ وَغَيْرَهُ، وَمَتَى ذُكِرَتِ الصِّفَةُ الْخَاصَّةُ بَعْدَ الِاسْمِ الْعَامِّ: كَانَ تَخْصِيصُهَا بِالذِّكْرِ دَلِيلًا قَوِيًّا عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِالْحُكْمِ، أَبْلَغَ مِنْ لَوْ ذُكِرَتِ الصِّفَةُ مُبْتَدَأَةً. إِذْ لَوْ لَمْ يَخْتَصَّ بِالْحُكْمِ: كَانَ ذِكْرُ الْمُتَعَمِّدِ زِيَادَةً فِي اللَّفْظِ، وَنَقْصًا فِي الْمَعْنَى. وَمِثْلُ هَذَا يُعَدُّ عِيًّا فِي الْخِطَابِ، وَهَذَا الْمَفْهُومُ لَا يَكَادُ يُنْكِرُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ بِمَعْرِفَةِ الْخِطَابِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَمْدِ مُنَاسِبٌ كَانَ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ عِلَّةَ الْحُكْمِ فَيَكُونُ وُجُوبُ الْجَزَاءِ لِأَجْلِ التَّعَمُّدِ، فَإِذَا زَالَ التَّعَمُّدُ: زَالَ وُجُوبُ الْجَزَاءِ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ.

الْخَامِسُ: أَنَّهُ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ وَالْمُخْطِئُ لَيْسَ عَلَيْهِ وَبَالٌ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِيجَابِ الْجَزَاءِ.
وَأَيْضًا: فَضَمَانُ الصَّيْدِ لَيْسَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ. وَمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ إِذَا فَعَلَهَ نَاسِيًا، أَوْ مُخْطِئًا لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ وَلَا جَزَاءَ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَوْ تَعَمَّدَ رَمْيَهُ بِآلَةٍ تَقْتُلُ غَالِبًا، وَلَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ: فَهُوَ مُتَعَمِّدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ.
وَلَوْ قَتَلَ صَبِيٌّ، أَوْ مَجْنُونٌ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، أَوْ قَتْلَهُ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُحْرِمٌ .. . .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ .. .، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا [قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً أَيَغْرَمُ؟، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْغُرْمُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا] قَالَ: نَعَمْ يُعَظِّمُ بِذَلِكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَمَضَتْ بِهِ السُّنَنُ. وَلِئَلَّا يَدْخُلَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ حَرَامًا خَطَأً غُرْمٌ، أَوْ شَكَّ الَّذِي يَقْتُلُهُ عَمْدًا يَقُولُ: إِنَّمَا قَتَلْتُهُ خَطَأً، قَالَ: وَلِذَلِكَ قَالَ: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: 95] قَالَ: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: رَأَيْتُ النَّاسَ أَجْمَعِينَ يُغَرِّمُونَ فِي الْخَطَأِ.
وَعَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَتْلِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ خَطَأً؟، فَقَالَ:زَعَمُوا أَنَّ كَفَّارَةَ ذَلِكَ خَطَأً فِي السُّنَّةِ، وَكَفَّارَةَ الْعَمْدِ فِي الْقُرْآنِ. رَوَاهُنَّ ابْنُ دُحَيْمٍ وَغَيْرُهُ.
فَقَدْ ذَكَرَ هَؤُلَاءِ التَّابِعُونَ: مَضَى السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ، وَالسُّنَّةُ إِذَا أُطْلِقَتْ: فَإِمَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ سُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَذَلِكَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ.
وَالْمُرْسَلُ إِذَا أُرْسِلَ مِنْ وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ: صَارَ حُجَّةً وِفَاقًا.
وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ عَنِ الْحَكَمِ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ سَوَاءٌ. رَوَاهُ دُحَيْمٌ، وَالنَّجَّادُ وَلَفْظُهُ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ: أَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْخَطَأِ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - فِي رَجُلٍ أَلْقَى جَوَالِقَ عَلَى ظَبْيٍ فَأُمِرَ بِالْجَزَاءِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، قَالَ: هَذَا لَا يَكُونُ عَمْدًا إِلَّا أَنَّ هَذَا شِبْهُ عَمْدٍ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَمَّدُهُ.
وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] قَالَ: إِنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا، أَوْ نَاسِيًا حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. رَوَاهُ جَمَاعَةٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ فِي قَتْلِ الْمَعْصُومِ خَطَأً دِيَةً وَكَفَّارَةً، وَالدِّيَةُ حَقٌّ لِوَرَثَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ حَقٌّ لِلَّهِ وَلَمْ يَسْقُطْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُخْطِئًا، فَقَتْلُ الصَّيْدِ خَطَأً فِي مَعْنَى ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ قَتْلُ حَيَوَانٍ مَعْصُومٍ مَضْمُونٍ بِكَفَّارَةٍ، وَكَوْنُهُ مَعْفُوًّا عَنْهُ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِالْخَطَأِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ، كَالْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَعَمِّدَ يَسْتَحِقُّ الِانْتِقَامَ مِنَ اللَّهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَالْمُخْطِئُ قَدْ عُفِيَ لَهُ عَنْ الِانْتِقَامِ أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْمُتَعَمِّدِ فِي الْآيَةِ: فَلِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ وُجُوبَ الْجَزَاءِ: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ وَأَنَّهُ عَفَا عَمَّا سَلَفَ، وَأَنَّ مَنْ عَادَ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مَجْمُوعُهَا لَا تَثْبُتُ إِلَّا لِمُتَعَمِّدٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ بَعْضِهَا فِي حَقِّ الْمُخْطِئِ، بَلْ يَجِبُ تَرْتِيبُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهَا مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ، فَالْجَزَاءُ بَدَلُ الْمَقْتُولِ وَالِانْتِقَامُ عُقُوبَةُ الْقَاتِلِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} [البقرة: 217]، وَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان: 68] الْآيَتَيْنِ وَقَوْلِهِ {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [النساء: 115] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14] الْآيَةَ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ: يُرَتِّبُ الْجَزَاءَ عَلَى أُمُورٍ، وَيَكُونُ بَعْضُهُ مُرَتَّبًا عَلَى بَعْضِهَا مُنْفَرِدًا.

الْفَصْلُ الثَّالِثُ
إِذَا حَلَقَ شَعَرًا وَقَلَّمَ ظُفْرًا نَاسِيًا، أَوْ مُخْطِئًا، أَوْ جَاهِلًا: فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَصَالِحٍ، وَحَنْبَلٍ -: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ يَلْزَمُهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا نَاسِيًا، أَوْ تَنَوَّرَ نَاسِيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ، وَحَلْقَ الشَّعْرِ، وَالْوَطْءَ يَسْتَوِي عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالرِّوَايَةِ الَّتِي فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَأَوْلَى، لِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ إِتْلَافٌ مَحْضٌ بِخِلَافِ الْحَلْقِ، وَالتَّقْلِيمِ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ التَّرَفُّهَ وَالِاسْتِمْتَاعَ.
وَلِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ ضَمَانٌ كَضَمَانِ الْأَمْوَالِ فَتَقْدِيرُ كَفَّارَتِهِ بِقَدْرِهِ بِخِلَافِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ كَكَفَّارَةِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ. وَهَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ.
وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ: فَقَدْ فَرَّقَ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْكَفَّارَةَ فِي اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ إِذَا كَانَ خَطَأً. وَبَيْنَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَلْقَ وَالْقَلْمَ إِتْلَافٌ وَالْمَحْظُورُ مِنْهُ جِهَةُ الْإِتْلَافِ، وَلِهَذَا لَوْ نَتَفَ الشَّعْرَ، أَوْ أَحْرَقَهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِمْتَاعٌ، وَبَابُ الْإِتْلَافِ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ كَإِتْلَافِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ. وَاللِّبَاسُ وَالطِّيبُ: اسْتِمْتَاعٌ، وَالْمَحْظُورُ مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَقَ الطِّيبَ، أَوْ أَتْلَفَهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَالِاسْتِمْتَاعُ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ فَاعْتُبِرُ فِيهِ الْقَصْدُ إِلَيْهِ وَالْعِلْمُ بِتَحْرِيمِهِ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ الْمَحْظُورَاتِ؛ فِي أَنَّ مَا كَانَ مَقْصُودُهُ التَّرْكَ لَا يَأْثَمُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا، وَقِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الصَّائِمِ.
وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ اسْتِمْتَاعٌ مَحْضٌ، وَقَدِ اسْتَوَى فِيهِ الْعَامِدُ وَالسَّاهِي.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: وَهُوَ فَرْقُ أَحْمَدَ -: أَنَّ الْحَلْقَ وَالتَّقْلِيمَ وَالْقَتْلَ وَالْوَطْءَ: قَدْ فَاتَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَتَلَافِيهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَلَا عَلَى إِزَالَةِ أَثَرِهِ الْبَاقِي بَعْدَ زَوَالِهِ.
وَأَمَّا اللِّبَاسُ وَالطِّيبُ: فَإِذَا ذَكَرَ أَمْكَنَهُ نَزْعُ الثِّيَابِ وَغَسْلُ الطِّيبِ فَكَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةَ مَا فَعَلَهُ النَّاسِي فِي حَالِ النِّسْيَانِ. فَعَلَى مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ، وَالدَّهْنِ وَغَسْلِ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ وَالسِّدْرِ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْبَدَنِ بِذَلِكَ، وَإِزَالَةُ الْوَسَخِ: يُلْحَقُ بِالْوَطْءِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُلْحَقُ بِالطِّيبِ.


فَصْلٌ
وَإِنْ حَلَقَ حَلَالٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ، وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ أَكْرَهُهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ حَلَقَهُ الْحَلَالُ وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُحْرِمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ لِضَبْطِهِ، أَوْ تَقْيِيدِهِ، أَوْ تَوَعُّدِهِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: هِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْفِدْيَةُ عَلَى الْحَلَالِ دُونَ الْمُحْرِمِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: الْفِدْيَةُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْحَلَالِ.

[مَسْأَلَةٌ أنواع الهدي]
مَسْأَلَةٌ: (وَكُلُّ هَدْيٍ، أَوْ إِطْعَامٍ: فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَلَقَ، وَهَدْيُ الْمَحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ.
فِيهِ فُصُولٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْهَدْيَ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا: هَدْيُ الْمَحْصَرِ.
وَالثَّانِي: هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ.
وَالثَّالِثُ: جَزَاءُ الصَّيْدِ.
وَالرَّابِعُ: فِدْيَةُ الْأَذَى.
وَالْخَامِسُ: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ.
وَالسَّادِسُ: هَدْيُ الْإِفْسَادِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ.
وَالسَّابِعُ: هَدْيُ الْفَوَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ.
وَالثَّامِنُ: الْهَدْيُ الْمَنْذُورُ فِي الذِّمَّةِ.
وَالتَّاسِعُ: الْهَدْيُ الْمُعَيِّنُ وَاجِبًا.
وَالْعَاشِرُ: الْهَدْيُ الْمُعَيِّنُ تَطَوُّعًا.
وَهَذِهِ كُلُّهَا لَا تُذْبَحُ إِلَّا بِالْحَرَمِ، وَكُلُّ مَا ذُبِحَ بِالْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يُفَرَّقُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ لِلْمَسَاكِينِ الَّذِينَ بِهِ؛ مِنَ الْمُسْتَوْطِنِينَ وَالْمُقِيمِينَ وَالْوَارِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى لَوْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِلِّ أَحَدٍ فِي الْحَرَمِ جَازَ إِلَّا مَا اسْتَثْنَيْنَاهُ. أَمَّا هَدْيُ التَّمَتُّعِ فَإِنَّهُ هَدْيُ نُسُكٍ، وَإِنَّمَا يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْحَاجُّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْحَرَمِ؛ وَلِأَنَّ .. . .
وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ: فَلِقَوْلِهِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] .. . .
وَأَمَّا هَدْيُ الْإِفْسَادِ وَالْفَوَاتِ .. . .
وَأَمَّا هَدْيُ الْمَحْصَرِ: فَيُذْبَحُ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا فِدْيَةُ الْأَذَى: فَقَدْ تَقَدَّمَ أَمْرُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَيَهْدِيَ فِي الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ نُسُكًا، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ
الْفَصْلُ الثَّانِي
أَنَّ الْإِطْعَامَ الْوَاجِبَ حَيْثُ يَجِبُ الْهَدْيُ: حُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْهَدْيِ؛كَالْإِطْعَامِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَالْإِطْعَامِ عَنْ صَوْمِ التَّمَتُّعِ، وَالْإِطْعَامِ لِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ .. . .

الْفَصْلُ الثَّالِثُ
أَنَّ الصَّوْمَ يُجْزِئُ بِكُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى صَوْمِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ فِي التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ حَظٌّ فِي الصَّوْمِ عِنْدَهُمْ، وَلِأَنَّ جِنْسَ الصَّوْمِ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُخْتَصْ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَالذَّبْحِ، وَالصَّدَقَةِ. لَكِنْ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَهَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ؟ .. . .


[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ]
[مَسْأَلَةٌ يستحب دخول مكة من أعلاها]
[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ]
مَسْأَلَةٌ: (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا).
هَذَا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَى مَكَّةَ سَوَاءٌ أَتَاهَا مِنْ نَاحِيَةِ التَّنْعِيمِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا وَالْخُرُوجُ مِنْ أَسْفَلِهَا؛وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: («كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى») رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي عِنْدَ الْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى»).
وَهَذَا أَشَارَ إِلَى تَكْرَارِ دُخُولِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: («أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَ مَكَّةَ - دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا»)، وَفِي لَفْظٍ: («دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَبِي دَاوُدَ: («دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَدَخَلَ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ كُدًى»).
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، وَخَرَجَ مِنْ كُدًى مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ»). وَكَذَلِكَ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: («وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ الْفَتْحِ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كُدًى»).
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الثَّنِيَّةَ الْعُلْيَا الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى الْأَبْطُحِ وَالْمَقَابِرِ إِذَا دَخَلَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ: فَإِنَّهُ يَأْتِي مِنْ وَجْهِ الْبَلَدِ وَالْكَعْبَةِ وَيَسْتَقْبِلُهَا اسْتِقْبَالًا مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ، بِخِلَافِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ النَّاحِيَةِ السُّفْلَى، فَانْهُ يَدْخُلُ مِنْ دُبُرِ الْبَلَدِ وَالْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْبِرُ الْكَعْبَةَ وَالْبَلَدَ فَاسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مَا يَلِيهِ مِنْهَا مُؤَخَّرُهَا؛ لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَ وَجْهَهَا، وَلِيَكُونَ قَدْ دَخَلَ مِنْ طَرِيقٍ، وَخَرَجَ مِنْ أُخْرَى كَالذَّاهِبِ إِلَى الْعِيدِ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.75 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.12 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]