عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 07-07-2022, 09:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,599
الدولة : Egypt
افتراضي رد: إضاءات في صعيد عرفات



وقال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الشيخان: ((لَا يَزَالُ الْمَرْءُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا)).

عرفة يومُ توثيق الأُخُوَّة في الله: الأُخُوَّة في الله نورُ الجباه، ونبْضُ الحياة، وقربٌ من الله، الأُخُوَّة التي ندرت في زمننا هذا، يقول صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كُفَّارًا يضرِب بعضُكم رِقابَ بعضٍ))، والضرب والقتل والقطع على قدم وساق في الأمة إلا ما رحم ربي وعصم، إن معيار الأُخُوَّة في الله هو: ((أنْ تُحِبَّ لأخيك ما تُحِبُّ لنفسِكَ))، فهل مِنَّا من يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، أم منا من يخطط لدمار أخيه وهلاكه؟!

تتألق الأُخُوَّة في أفضل معانيها حين أهدى رجلٌ من السَّلَف ذِراعَ شاةٍ لأخيه، فأخذها، وقال: من هو أحوج مني إليها؟ لي أخ يحتاج إليها، فأعطاها له، والثالث أخذ الذِّراع، وقال: من أحوج إليها مني؟ لي أخ فأعطاها له، وظلَّت الذِّراع تدور بينهم حتى عادت إلى الأول، إنه الإيثار الذي عُدِم هذه الأيام، وتتجلَّى الأُخُوَّة في أزْهَى صورها مع هؤلاء الذين احتضروا في معركة من المعارك، فجاء الساقي إلى الأول ليسقيه، فرفض، وقال: اذهب إلى أخي الذي بجواري؛ فإنه أشدُّ حاجةً منِّي إلى الماء، وهذا عند الاحتضار! والثاني يقول له: اذهب إلى من بجواري؛ فإنه أحوج إلى الماء مني، وظل يدور بينهم حتى وصل إلى الأخير، ثم قال: عُدْ به إلى الأول، فجاء إلى الأول فوجده قد فارق الحياة، وكذلك الثاني والثالث، فماتوا جميعًا دون أن يشربوا شيئًا، إنه الإيثار والأُخُوَّة الصادقة، فأين هي الآن؟ نسأل الله العفو والعافية.

عباد الله، إنه يوم التحذير من الذنوب والمعاصي: إن عدم بركة الوقت سببه المعاصي، وعدم بركة الرزق سببه المعاصي، وتسلط اليهود علينا سببه المعاصي، وضيق الصدور، وتقطيع الأرحام، ونشوز الزوجات، وكل ما نحن فيه من هَمٍّ وغَمٍّ ونكَدٍ سببُه المعاصي، ونسي القوم قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: ((لا ينزِلُ بلاءٌ إلا بمعصيةٍ))، وتقول أيضًا أم المؤمنين عائشة: إذا شربت الخمور وعزفت المعازف وفشا الزنا - والمعصية عمَّتْ - غارَ اللهُ في سمائه، فأمر الأرض أن تتزلزل بهم.

وهذا رجل من السلف كان يسير في الطريق فقابله رجلٌ سيئُ الخُلُق فسبَّه ولعنه، وتطاول عليه، فقال له: انتظر، ثم دخل إلى مسجد بجواره فتوضَّأ وصلَّى ركعتين ثم خرج يقول له: ما سلَّطك الله عليَّ إلا بذنب ارتكبتُه.

نعم، فالله تبارك وتعالى لا يُسلِّط السفيه على الصالح إلا بسبب ذنبٍ، فعاد الرجل يُصلي ويستغفر، وكان السلف يقولون: كنا نرى أثرَ المعصية في خُلُق الزوجة والدابَّة، بمعنى: أن الزوجة لا تُطيع، فإن وجَدْتَ ذلك فراجِع نفسَك إن كنت تقيًّا، ولا ترتكب المعاصي والذنوب، وكذلك الدابَّة، إن المعاصي تزيل النِّعَم، وتأتي بالنِّقَم، وإلا ما الذي أغرق فرعون إلا المعصية، ما الذي خسف بقارون الأرض، إلا المعصية، ما الذي أرسل على ثمود الريح؛ إنها المعصية ﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 5 - 7].

وغفران الذنوب مهما كثُرتْ، ومحو السيئات مهما عظُمتْ مكفولٌ للحجيج يوم عرفة، وحسبنا أن الله عز وجل دعا المسرفين من عباده ليتعرضوا لرحمته مهما بلغت ذنوبهم؛ ﴿ قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

عرفة يوم تقدير البلاغ وقيمة التبليغ:
التبليغ أن يبلغ الحاضر الغائب، أو الشاهد الغائب، قال عليه الصلاة والسلام: ((فرُبَّ مُبلِّغٍ أوْعَى من سامِعٍ))، وهذه مهمة كل الحضور، فإن حضرتَ درسًا فبلِّغ؛ لأن مهمة الأمة الأولى: البلاغ، ((والدالُّ على الخير كفاعِلِه))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((بلِّغُوا عنِّي ولو آيةً))، ويقول الله عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [المائدة: 67].

عرفة يوم التلبية والبٕشر والترضية:
الحاجُّ يُلبِّي مع الكون كله، نسق عظيم، ورباط قويم، وطريق مستقيم، فهو لا يشذُّ عن باقي المخلوقات في تلبيته وذكره وتسبيحه ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44].

أخرج الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما مِنْ مُسْلمٍ يُلبِّي، إلا لبَّى ما عن يمينه وشِماله مِن حَجَرٍ، أو شَجَرٍ، أو مَدَرٍ، حتى تنقطِعَ الأرضُ من ها هُنا، وها هُنا))؛ صحيح الجامع.

والتلبية والتكبير بُشْرى للملبِّي والمكبِّر بالخيرات من ربِّ الأرض والسموات، كيف؟! أخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ، ولا كَبَّرَ مكبرٌ قطُّ إلا بُشِّرَ))، قيل: يا رسول الله، بالجنة؟ قال: ((نَعَم))؛ السلسلة الصحيحة.

والملبِّي إذا مات مُلبِّيًا فإنه يُبعَث مُلبِّيًا أيضًا، كيف؟! روى الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا)).

عباد الله، عرفة يوم إذلال الشيطان وانكساره: فهو يوم الرحمة للإنسان والذِّلَّة للشيطان، ها هو قد اسودَّ وجهُه، وخاب سعْيُه، وأهوى يحثو التراب على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، وعظائم الأمور!

إنه الشيطان اللعين، يغيظه ما يرى من اجتماع المسلمين في عرفات، وما يتنزل عليهم من مولاهم من رحمات، فتغلي مراجِلُ غضبِه، وينكسر خاسئًا ذليلًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلا أَدْحَرُ، وَلا أَحْقَرُ، وَلا أَغْيَظُ مِنْهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنِ الذُّنُوبِ العِظامِ، إلا ما كان من يوم بَدْر))، وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم عرفهَ: ((أيُّها الناسُ، إنَّ الله عز وجل قد تطوَّل عليكم في هذا اليوم، فغفر لكم إلا التَّبِعات فيما بينكم، ووهب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم، وأعطى مُحْسِنَكم ما سأل، فادفعوا باسمِ اللهِ))، فلما كان بجَمْعِ، قال: ((إنَّ اللهَ قد غفَر لصالِحيكم، وشفَّع صالحيكم في طالحيكم، تنزِل المغفرةُ فتعُمُّهم، ثم تُفَرَّقُ المغفرة في الأرض، فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانَه ويدَه، وإبليس وجنوده على جبل عرفات ينظُرون ما يصنع الله بهم، فإذا نزلت المغفرة دعا هو وجنودُه بالويل، يقول: كنتُ أستفِزُّهم حِقَبًا من الدهر، ثم جاءت المغفرة فغشيتهم، فيتفرَّقُون وهم يدْعُون بالوَيْل والثُّبُور))؛ الطبراني.

إنَّ ليوم عرفة فضائلَ كثيرةً؛ فهو يومٌ عظَّمَه الله، ورفع قدره، وجعل الوقوف في ذلك اليوم ركنًا من أركان الحج، بل الحج كله، إنه يوم النفحات والرحمات، يوم المناجاة والدعوات، يُناجي العبدُ سيَّدَه وخالِقَه ورازِقَه، يستغيث به ويدعوه ويرجوه، ويبثُّ إليه شكواه، يوم الذكر والدعاء، يوم الشكر والثناء، يوم النقاء والصفاء، يوم إذلال الشيطان واندحاره، يوم قهر إبليس وانكساره، يوم وحدة المسلمين العظمى، يوم مؤتمر المؤمنين الأكبر، يُحدِثون قوةً إيمانية بالذكر والدعاء، وقوةً اجتماعية بالتشاوُر والآراء وبالحبِّ والإخاء، وقوةً اقتصاديةً بالبيع والشراء.

أيها المسلمون، إنه يوم الوداع: ودَّع فيه خير الأنبياء خيرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ للناس، كيف؟! عن جابر قال: رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النَّحْر، ويقول: ((لتأخذوا مناسِكَكم؛ فإني لا أدْري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجتي هذه))؛ صحيح رواه مسلم.

وداعُ رسولٍ لأُمَّته وداعٌ لهذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، لا نَصَبَ فيها ولا تَعَبَ، لا هَمَّ فيها ولا حزن، ما أروعها من ساعة! وما أجملَه من لقاء! اجتمع فيه مَنْ أرسلَه اللهُ رحمةً للعالمين مع الجموع الحاشدة، الخاشعة، المتضرعة، وكلهم أعيُن راعية، وقلوب واعية، وآذان مُصْغية، لنظرات الوداع، وكلمات الوداع، كلمات مَن لا ينطق عن الهوى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 4].

قال المصطفى: ((يا أيُّها الناسُ، اسمَعُوا قَوْلي، فإنِّي لا أدْري، لعلِّي لا ألْقاكُمْ بَعْدَ عامِي هذا بهذا الموقف أبدًا)).

لقد عانى صلى الله عليه وسلم وكابد من أجل إخراجهم من الظلمات إلى النور، حتى صنع منهم بإذن ربِّه أمةً جديدةً، ذات أهدافٍ واضحةٍ، ومبادئ سامية، جمعهم من شَتات، وهداهم من ضلال، وجمعهم بعد فُرْقةٍ، وعلَّمَهم بعد جهل.

وكانت آخر وصاياه عليه الصلاة والسلام لأُمَّته التمسُّك بكتاب ربِّها، والاعتصام به، مبينًا أنه سبيل العزة والنجاح: ((قد تركْتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعده إنْ اعتصَمْتُم به: كِتاب الله))، صدقت يا رسول، لقد ضمنتَ لأمَّتِك الأمانَ من كل شقاء، والحفظ من كل ضلال، إذا هي اعتصمت بربِّها وتمسَّكت بهَدْي نبيِّها ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101]، ((ترَكْتُ فيكم ما إنْ تمسَّكْتُم بهِ لن تضِلُّوا بعدي أبَدًا: كتاب الله، وسُنَّتي))؛ رواية الإمام مالك في الموطأ، وقال: ((ترَكْتُ فيكم ما إنْ تمسَّكْتُم به لن تضِلُّوا بعدي أبَدًا: كتاب الله))، وهذه الرواية في صحيح مسلم وابن ماجه وأبو داود.

ورغم ذلك – للأسف - ضعُفت الأمَّةُ بين الأمم لما هجرَت الكتابَ، وتركَت المنهجَ إلَّا مَن رحم ربِّي وعصم، ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30].

ولا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلُح به أوَّلُها، كم هي البشرية اليوم بحاجة ماسَّة إلى مراجعة نفسها، وتدارُك أمرها، والتزام طريق ربِّها، والاهتداء بهَدْيِ نبيِّها!

وقف الفُضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثَّكْلَى المحترقة، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمسُ أن تغرب رفعَ رأسَه إلى السماء، وقال: واسَوْأتاه منك وإنْ عفوتَ!

إنه يوم التاسع من ذي الحجة، أحد أيام الأشهر الحُرُم، وأحد أيام أشهر الحج، أحد الأيام المعلومات، وأحد الأيام المعدودات، وأحد الأيام العشر التي أقسم الله تعالى بها ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾ [الفجر: 1 - 3]؛ لذلك فإن صوم يوم عرفة لغير الحجيج يُكفِّر سنتين، فقد ورَدَ عن أبي قتادة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة، فقال: ((يُكفِّرُ السَّنَة الماضية والسنة الباقية))؛ رواه مسلم.

إنها إضاءات في صعيد عرفات، لكل المجتمعات، حيث تتنزَّل النفحات والرحمات على المؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، في كل الدنيا وبالأخص في صعيد عرفات، لكي تزداد الحسنات وتُغفَر السيئات، وتُقبَل القُرُبات، وتُحمَل عنهم التَّبِعات من ربِّ الأرض والسموات! فمن فاته في هذا العام القيام بعرفة فليَقُمْ للهِ بالحقِّ الذي عرَفه، ومَن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبِتْ عزمُه على طاعة الله الذي قرَّبه وأزلف له جنته ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ [ق: 31]، ومن لم يقدر على نَحْرِ هَدْيِهِ بمِنى، فليَذْبَحْ هواه وشيطانه هنا، ومن لم يصِلْ إلى البيت العتيد، فليَقْصِدْ ربَّ البيت الصمد، فإنه أقربُ إلى مَن دعاه ورجاه من شِراك نَعْلِه ومِن حبل الوريد.

عرفة يوم تخلط فيه المشاعر، وتُعظَّم فيه الشعائر، وتتحطَّم فيه الكبائر، وفيه يطَّلِع اللهُ على حاجات العباد وكل السرائر، فيُعطي كلَّ واحدٍ سُؤْله، ويُلبِّي لكل حاجِّ حاجتَه، إنها مشاعرُ لا تُوصَف، وأحاسيسُ لا تُكتب، وشعائرُ لا تُحكى، إنما يستطعِمُها الذي يؤدِّيها، ويستشعرها الذي يحضرها، ويحسُّها الذي يلبِّي نداءها، فينظر الكعبة، ويعانق الحَجَر، ويصلي عند المقام، يَسْعى كما سَعَتْ هاجر، ويطيع كما أطاع إسماعيلُ، ويُضحِّي كما ضحَّى إبراهيمُ عليهم السلام، ويطوف كما طاف محمدٌ عليه الصلاة والسلام، ويُقبِّل الحَجَر كما قبَّل عمر رضي الله عنه، فقط عن حبٍّ ورغبة وإخلاص، لعلَّ قَدَمًا تأتي مكان قَدَم، وطوافًا يأتي مكان طواف، وسَعْيًا يأتي مكان سَعْيٍ، فيزداد الإيمان، ويتنزل الغُفْران، وينتشر الأمن، ويأتي الأمان.

اللهم ارزقنا حجًّا مبرورًا، وسَعْيًا مشكورًا وذَنْبًا مغفورًا.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.26 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.63 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.59%)]