عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 07-07-2022, 03:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد



شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج (2)
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 285الى صــ 298
(60)

وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ -: مَا حَكَمَ فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فَلَا يُحْتَاجُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ وَذَلِكَ «لِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الضَّبُعِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ بِكَبْشٍ»، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بِهِ عَلَى مُحْرِمٍ بِعَيْنِهِ فَكَانَ عَامًّا.
وَأَيْضًا: فَلَوْ لَمْ يَقْضِ إِلَّا فِي قَضِيَّةٍ خَاصَّةٍ، فَإِذَا حَدَثَتْ قَضِيَّةٌ أُخْرَى فَلَوْ قَضَى فِيهَا بِغَيْرِ مَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكَانَ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ هُنَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ وَذَلِكَ حُكْمٌ بِالْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ، وَأَنْوَاعُ الْحَيَوَانِ لَا تَخْتَلِفُ نِسْبَةُ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا قَضَوْا فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الصَّيْدِ بِأَمْثَالٍ مَعْرُوفَةٍ: كَانَ ذَلِكَ قَضَاءً فِي مِثْلِ تِلْكَ الْقَضَايَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَضَاءَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَائِلٍ، وَقَائِلٍ وَلَا بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَإِذَا كَانَ قَضَاءٌ فِي نَوْعِ تِلْكَ الْقَضَايَا: لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ وَلَا مُخَالَفَتُهُ.
فَأَمَّا مَا حَكَمَ فِيهِ التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَمَا لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ الصَّحَابَةُ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْنَا حُكْمُهُمْ: فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِئْنَافِ حُكْمِ حَاكِمَيْنِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] وَالْمُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ؛ وَهُوَ أَنْ لَا يُعْرَفَ ...
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي مَعْرِفَةٍ، وَهَلْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْمُمَاثَلَةِ ... .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا هُوَ الْقَاتِلَ لِلصَّيْدِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَا جَمِيعًا قَتَلَاهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ؛ مِثْلُ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ - فِي خِلَافِهِ - فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَكَمَيْنِ رُكْنٌ فِي الْحُكْمِ، فَمَا جَازَ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ فِي الْآخَرِ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثَنَا مُخَارِقٌ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: " خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَأَوْطَأَ رَجُلٌ مِنَّا - يُقَالُ لَهُ أَرْبَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - ضَبًّا فَفَزَرَ ظَهْرَهُ، فَلَقِيَ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: احْكُمْ فِيهِ يَا أَرْبَدُ، قَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي وَأَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّمَا آمُرُكَ أَنْ تَحْكُمَ وَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تُزَكِّيَنِي، قَالَ: فِيهِ جَدْيٌ قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيهِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، ثَنَا مُخَارِقٌ، عَنْ طَارِقٍ، قَالَ: " خَرَجْنَا حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَوْطَأَ رَجُلٌ مِنَّا ضَبًّا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَتَلَهُ، فَأَتَى الرَّجُلُ عُمَرَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ -رَحِمَهُ اللَّهُ -: احْكُمْ مَعِي، فَحَكَمَا فِيهِ جَدْيٌ قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: بِأُصْبُعِهِ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] يَعُمُّ الْقَاتِلَ وَغَيْرَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] فَإِنَّ الْمُشْهِدَ غَيْرُ الْمُشْهَدِ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ غَيْرُ الْمَفْعُولِ، وَهُنَا لَمْ يَقُلْ: حَكِّمُوا فِيهِ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: {يَحْكُمُ بِهِ} [المائدة: 95] وَالرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ حَاكِمًا عَلَى نَفْسِهِ إِذَا كَانَ الْحَقُّ لِلَّهِ، لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ، كَمَا يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تَقْوِيمِ قِيمَةِ الْمِثْلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ الطَّعَامَ، وَفِي تَقْوِيمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ مِنْ قَوْلِهِ: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] فَأَمَرَ اللَّهُ الرَّجُلَ أَنْ يَقُومَ بِالْقِسْطِ وَيَشْهَدَ لِلَّهِ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لِمَخْمَصَةٍ. فَأَمَّا إِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا: فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ، بِخِلَافِ تَقْوِيمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَإِنَّ صَاحِبَهَا يُقَوِّمُهَا وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى عَدَالَتِهِ.

وَوَجْهُ هَذَا: أَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ مِنَ الْكَبَائِرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [المائدة: 95] وَلِأَنَّ اللَّهَ سَمَّى مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فُسُوقًا فِي قَوْلِهِ: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} [البقرة: 197] لَكِنْ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَتَابَ جَازَ حُكْمُهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي خِلَافِهِمْ هَذَا الشَّرْطَ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْحَكَمَانِ ... .
وَإِنْ حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ حَكَمَانِ مُخْتَلِفَانِ لِرَجُلَيْنِ، فَهَلْ يَكُونَانِ مُصِيبَيْنِ؟ ... .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ.
فِيمَا مَضَى فِيهِ الْحُكْمُ وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: «حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ» وَهِيَ جَارِحَةٌ مِنْ جُمْلَةِ السِّبَاعِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ -: وَإِذَا أَصَادَ الْمُحْرِمُ بَقَرَةً فَقَدْ قَالَ اللَّهُ: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] عَلَيْهِ بَقَرَةٌ، وَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَدَنَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ عَطَاءٌ: فِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَدَنَةٌ وَفِي الثَّيْتَلِ بَقَرَةٌ وَفِي الْوَعِلِ بَقَرَةٌ، وَفِي الْأُيَّلِ بَقَرَةٌ، وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ جَفْرَةٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ. وَالْجَفْرَةُ: الصَّغِيرَةُ مِنَ الْغَنَمِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ، وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ جَفْرَةٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَدْيٌ.
أَمَّا النَّعَامَةُ: فَفِيهَا بَدَنَةٌ، وَأَمَّا حِمَارُ الْوَحْشِ: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: فِيهِ بَدَنَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى.
وَالثَّانِيَةُ: بَقَرَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ.
وَالْأُيَّلُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا فِيمَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ - مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ -: ذَكَرُ الْأَوْعَالِ، قَالَ: وَالثَّيْتَلُ: الْوَعْلُ الْمُسِنُّ، وَالْوَعْلُ: الْأَرْوِيُّ.
وَأَمَّا الضَّبُعُ: فَفِيهَا كَبْشٌ: الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، أَوِ الثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ هَذَا لَفْظُهُ، وَلَفْظُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ جَاءَ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ عُمَرَ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ عَلِيٌّ: " الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ كَبْشٌ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ " رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلَفْظُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: شَاةٌ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الظَّبْيِ وَالثَّعْلَبِ. وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ. هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِي الظَّبْيِ كَبْشٌ، وَفِي الْغَزَالِ عَنْزٌ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِي الظَّبْيِ شَاةٌ وَفِي الْغَزَالِ عَنْزٌ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: " قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ ".
وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " حَكَمَ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الضَّبُعِ شَاةٌ، وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ " وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا حَكَمَ بِذَلِكَ إِلَّا مَعَ حَكَمٍ آخَرَ.

وَعَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ: " أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْرَيْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي فَرَسَيْنِ نَسْتَبِقُ إِلَى ثُغْرَةِ ثَنِيَّةٍ فَأَصَبْنَا ظَبْيًا وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ عُمَرُ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ: تَعَالَ حَتَّى نَحْكُمَ أَنَا وَأَنْتَ، قَالَ: فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ، فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْكُمَ فِي ظَبْيٍ حَتَّى دَعَا رَجُلًا حَكَمَ مَعَهُ فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ الرَّجُلِ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ؛ هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي حَكَمَ مَعِي؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: لَوْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّكَ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ لَأَوْجَعْتُكَ ضَرْبًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ " رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَعَنْ قَبِيْصَةَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: " خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَكَثُرَ مِرَاءُ الْقَوْمِ أَيُّهُمَا أَسْرَعُ شَدًّا الظَّبْيُ، أَمِ الْفَرَسُ، فَسَنَحَ لَنَا ظَبْيٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنَّا فَمَا أَخْطَأَ حَنَتَاهُ، فَرَكِبَ رَدْغَهُ فَأُسْقِطَ فِي يَدَيِ الرَّجُلِ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَهُوَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَلَسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبِي الْقِصَّةَ، فَقَالَ: أَخَطَأً أَصَبْتَهُ، أَمْ عَمْدًا؟ قَالَ: تَعَمَّدْتُ رَمْيَهُ وَمَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ: لَقَدْ شَرَّكْتَ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ، قَالَ: ثُمَّ اجْتَنَحَ إِلَى رَجُلٍ يَلِيهِ كَأَنَّ عَلَى وَجْهِهِ قَلْبًا، فَسَارَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى صَاحِبِي، فَقَالَ: عَلَيْكَ شَاةٌ تَصَدَّقْ بِلَحْمِهَا وَتُبْقِي إِهَابَهَا سَقْيًا، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِصَاحِبِي: إِنَّ فُتْيَا ابْنِ الْخَطَّابِ لَا تُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، انْحَرْ نَاقَتَكَ وَعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ، فَذَهَبَ ذُو الْعَيْنَيْنِ فَنَمَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَقْبَلَ عَلَى صَاحِبِي صُفُوقًا بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ: قَاتَلَكَ تَقْتُلُ الْحَرَامَ وَتُعَدِّي الْفُتْيَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِي، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ مِنِّي شَيْءٌ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنِّي أُرَاكَ شَابًّا فَصِيحَ اللِّسَانِ فَسِيحَ الصَّدْرِ، أَوَمَا تَقْرَأُ فِي كِتَابِ اللَّهِ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] ثُمَّ قَالَ: قَدْ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ عَشَرَةُ أَخْلَاقٍ، تِسْعَةٌ مِنْهُنَّ حَسَنَةٌ وَوَاحِدَةٌ سَيِّئَةٌ، فَتُفْسِدُ الْوَاحِدَةُ التِّسْعَ، فَاتَّقِ طَيْرَتَ الشَّبَابِ ".
وَأَمَّا الثَّعْلَبُ: فَفِيهِ شَاةٌ. هَذَا لَفْظُهُ وَلَفْظُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَلَفْظُ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْزٌ، وَالنُّصُوصُ عَنْهُ فِي عَامَّةِ كَلَامِهِ: أَنَّهُ يُؤَدِّي، وَصَرَّحَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يُؤَدِّي مَعَ الْمَنْعِ مِنْ أَكْلِهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْخَلَّالِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا: فَجَعَلُوا جَزَاءَهُ مُبَيَّنًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَكْلِهِ، وَقَدْ دَلَّ كَلَامُ أَحْمَدَ أَيْضًا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَصَرَّحَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِيهِ بِنَقْلِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ قَالَ: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ صَيْدٌ وَفِيهِ شَاةٌ، وَالْأُخْرَى: لَيْسَ بِصَيْدٍ وَلَا شَيْءَ فِيهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَنْ وَدَاهُ لَا بُدَّ أَنْ يَلْتَزِمَ أَحَدَ شَيْئَيْنِ؛ إِمَّا أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَإِمَّا أَنَّ بَعْضَ مَا لَا يَحْكُمُ بِإِبَاحَتِهِ يُؤَدِّي.
وَفِي الْأَرْنَبِ: شَاةٌ هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ. وَلَفْظُهُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: فِيهَا جَفْرَةٌ؛ وَالْجَفْرَةُ عَنَاقٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ وَقِيلَ: جَفْرَةٌ، وَقَالَ: .... فِيهَا عَنَاقٌ وَهِيَ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ جَذَعَةً؛ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَكَمَ فِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَنَاقُ الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: " كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي طَيْرِ حَمَامِ مَكَّةَ: شَاةٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ حَمَلٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ حَمَلٌ، وَفِي الْجَرَادَةِ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ تَمْرَةٌ جَلْدَةٌ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَأَمَّا الْيَرْبُوعُ؛ وَهُوَ دَابَّةٌ بَيْضَاءُ أَكْبَرُ مِنَ الْفَأْرَةِ يَمْشِي بِرِجْلَيْنِ، فَقَدْ قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ -: فِيهِ جَفْرَةٌ وَهِيَ الصَّغِيرَةُ مِنَ الْغَنَمِ، وَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ فِيهِ جَفْرَةٌ.
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: " أَنَّ رَجُلًا أَلْقَى جَوَالِقَ عَلَى يَرْبُوعٍ فَقَتَلَهُ، فَحَكَمَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ جَفْرَةٌ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: فِي الْيَرْبُوعِ جَدْيٌ.
وَقَدْ حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافِ مَعْنًى، فَإِنَّ الْجَفْرَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ: مَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَجَفَرَ جَنْبَاهُ وَفُصِلَ عَنْ أُمِّهِ. هَذَا قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا كَأَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِإِشْبَاعِ جَوْفِهِ بِمَا يُغَذِّيهِ مِنْ غَيْرِ اللَّبَنِ، وَمِنْهُ الْجَفْرُ وَهُوَ الْبِئْرُ الْوَاسِعَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ، وَيُقَالُ لِلْجَوْفِ: جَفْرَةٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْجَفْرَةُ الَّتِي فُطِمَتْ عَنِ اللَّبَنِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْجَفْرَةُ الْجَدْيُ حِينَ يُفْطَمُ.
وَفِي حِلِّ الْيَرْبُوعِ: رِوَايَتَانِ، فَيَكُونُ فِي جَزَائِهِ بِالْإِحْرَامِ مِثْلَ مَا فِي الثَّعْلَبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا الضَّبُّ: فَيُؤَدِّي قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَلْ فِيهِ شَاةٌ، أَوْ جَدْيٌ - وَهُوَ مَا دُونَ الْجَذَعِ - عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: شَاةٌ. وَالثَّانِي: جَدْيٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَكَمَ فِيهِ - هُوَ وَأَرْبَدُ - بِجَدْيٍ قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ، يَعْنِي اسْتَغْنَى عَنْ أُمِّهِ بِالرَّعْيِ وَالشُّرْبِ.
وَفِي الْوَبْرِ: جَدْيٌ قَالَهُ أَصْحَابُنَا؛ قَالُوا: وَهُوَ دُوَيْبَّةٌ سَوْدَاءُ أَكْبَرُ مِنَ الْيَرْبُوعِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الثَّعْلَبِ، لِأَنَّ فِي حِلِّهِ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: " فِي الْوَبْرِ شَاةٌ " وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْوَبْرِ شَاةٌ وَفِي الْيَرْبُوعِ جَدْيٌ، وَقِيلَ: عَنْهُ جَفْرَةٌ.
وَفِي النُّسُورِ حُكُومَةٌ.
وَفِي الثَّعْلَبِ: رِوَايَتَانِ، وَأَمَّا السِّنَّوْرُ فَقَدْ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ - فِي السِّنَّوْرِ الْأَهْلِيِّ، وَغَيْرِ الْأَهْلِيِّ حُكُومَةٌ، أَمَّا السِّنَّوْرُ الْأَهْلِيُّ: فَفِي ضَمَانِهِ رِوَايَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَأَمَّا الْوَحْشِيُّ: فَفِي حِلِّهِ رِوَايَتَانِ فَهُوَ كَالثَّعْلَبِ فِي الضَّمَانِ فَإِذَا قُلْنَا: يُضْمَنُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِنَ السَّلَفِ فِيهِ حُكْمٌ.
وَالْحُكُومَةُ: أَنْ يُحْكَمَ بِمِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ.


(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الطَّيْرُ: فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا: الْحَمَامُ وَفِيهِ شَاةٌ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ -: كُلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الْمَاءَ مِثْلَ الْحَمَامِ يَشْرَبُ كَمَا يَشْرَبُ الْحَمَامُ: فِيهِ شَاةٌ، وَمَا كَانَ مِثْلَ الْعُصْفُورِ وَنَحْوِهِ: فَفِيهِ الْقِيمَةُ، وَيَلْزَمُ الْمُحْرِمَ كَمَا يَلْزَمُ الْحَلَالَ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ.
وَالطَّيْرُ صَيْدٌ، وَالدَّجَاجُ لَيْسَ بِطَيْرٍ، وَإِنَّمَا أَهْلِيٌّ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: حَمَامُ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: " كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: فِي طَيْرِ حَمَامِ مَكَّةَ شَاةٌ ".
وَعَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " - فِي الْحَمَامِ وَالْقُمْرِيِّ وَالدُّبْسِيِّ وَالْقَطَا وَالْحَجَلَةِ - شَاةٌ شَاةٌ ".
وَعَنْ عَطَاءٍ: " أَنَّ غُلَامًا مِنْ قُرَيْشٍ قَتَلَ حَمَامَةَ الْحَرَمِ، فَسَأَلَ أَبُوهُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً ".



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.15 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.66%)]