عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 06-07-2022, 11:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,092
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1219 الى صـ 1225
الحلقة (213)

وروى ابن مردويه عن علي - رضي الله عنه - قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من الأنصار بامرأة، فقالت: يا رسول الله! إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس له ذلك [ ص: 1219 ] فأنزل الله تعالى: الرجال قوامون على النساء في الأدب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أردت أمرا وأراد الله غيره ورواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم مرسلا من طرق.

قال السيوطي : وشواهده يقوي بعضها بعضا، وقال علي بن أبي طلحة في هذه الآية عن ابن عباس : يعني أمراء عليهن، أي: تطيعه فيما أمرها الله به من طاعة، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله.

وروى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها .

فالصالحات أي: من النساء قانتات أي: مطيعات لله في أزواجهن حافظات للغيب قال الزمخشري : الغيب خلاف الشهادة، أي: حافظات لمواجب الغيب، إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة، من الفروج والأموال والبيوت بما حفظ الله أي: بحفظ الله إياهن وعصمتهن بالتوفيق لحفظ الغيب، فالمحفوظ من حفظه الله، أي: لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله، أو المعنى: بما حفظ الله لهن من إيجاب حقوقهن على الرجال، أي: عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن، حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن، فقوله: بما حفظ الله يجري مجرى ما يقال: هذا بذاك، أي: في مقابلته.

وجعل المهايمي الباء للاستعانة حيث قال: مستعينات بحفظه؛ مخافة أن يغلب عليهن نفوسهن، وإن بلغن من الصلاح ما بلغن، انتهى.

وروى ابن أبي حاتم ، عن أبي هريرة مرفوعا: خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت حفظتك في نفسها ومالك، قال: ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: الرجال قوامون على النساء إلى آخرها .

[ ص: 1220 ] وروى الإمام أحمد ، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت .
تنبيه:

قال السيوطي في "الإكليل" في قوله تعالى: الرجال قوامون على النساء إن الزوج يقوم بتربية زوجته وتأديبها ومنعها من الخروج، وإن عليها طاعته إلا في معصية، وإن ذلك لأجل ما يجب لها عليه من النفقة، ففهم العلماء من هذا أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، وسقط ما له من منعها من الخروج.

واستدل بذلك من أجاز لها الفسخ حينئذ، ولأنه إذا خرج من كونه قواما عليها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح.

واستدل بالآية من جعل للزوج الحجر على زوجته في نفسها ومالها ، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه، لأنه جعله (قواما) بصيغة المبالغة، وهو الناظر في الشيء الحافظ له.

واستدل بها على أن المرأة لا تجوز أن تلي القضاء كالإمامة العظمى ؛ لأنه جعل الرجال قوامين عليهن، فلم يجز أن يقمن على الرجال، انتهى.

واللاتي تخافون نشوزهن أي: عصيانهن وسوء عشرتهن وترفعهن عن مطاوعتكم، من (النشز) وهو ما ارتفع من الأرض يقال: نشزت المرأة بزوجها وعلى زوجها: استعصت عليه، وارتفعت عليه وأبغضته، وخرجت عن طاعته.

فعظوهن أي: خوفوهن بالقول، كاتقي الله، واعلمي أن طاعتك لي فرض عليك، واحذري عقاب الله في عصياني، وذلك لأن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته؛ لما له عليها من الفضل والإفضال، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها رواه الترمذي ، عن أبي هريرة ، والإمام أحمد [ ص: 1221 ] عن معاذ ، والحاكم عن بريدة .

وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح .

ورواه مسلم ، ولفظه: إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح .

واهجروهن بعد ذلك إن لم ينفع الوعظ والنصيحة في المضاجع أي: المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن، فيكون كناية عن الجماع.

قال حماد بن سلمة البصري : يعني النكاح، وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها، ويوليها ظهره، وكذا قال غير واحد.

وزاد آخرون منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس (في رواية): ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها، وقيل: المضاجع المبايت، أي: لا تبايتوهن.

وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت.

واضربوهن - إن لم ينجع ما فعلتم من العظة والهجران - ضربا غير مبرح أي: شديد ولا شاق، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حجة الوداع: واتقوا الله في النساء، [ ص: 1222 ] فإنهن عوان عندكم، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح .

قال الفقهاء: هو أن لا يجرحها، ولا يكسر لها عظما، ولا يؤثر شينا، ويجتنب الوجه؛ لأنه مجمع المحاسن، ويكون مفرقا على بدنها، ولا يوالي به في موضع واحد؛ لئلا يعظم ضرره.

ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف، أو بيده! لا بسوط ولا عصا، قال عطاء: ضرب بالسواك.

قال الرازي : وبالجملة، فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه، والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه - يجري مجرى التصريح - في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق، وهذه طريقة من قال: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب، فإن ظاهر اللفظ - وإن دل على الجمع - إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب.

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية.

وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز، أما عند تحققه فلا بأس بالجمع بين الكل.

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه آدب لهم رواه عبد بن حميد ، والطبراني ، عن ابن عباس ، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر .

فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا أي: إذا رجعن عن النشوز عند هذا التأديب إلى الطاعة في جميع ما يراد منهن مما أباحه الله منهن، فلا سبيل للرجال عليهن بعد ذلك بالتوبيخ والأذية بالضرب والهجران إن الله كان عليا كبيرا فاحذروه، تهديد للأزواج على ظلم النسوان من غير سبب، فإنهن - وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم - فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة [ ص: 1223 ] منهن، فإن الله أعلى منكم وأقدر منكم عليهن، فختم الآية بهذين الاسمين فيه تمام المناسبة، ولما ذكر تعالى حكم النفور والنشوز من الزوجة ذكر ما إذا كان النفور من الزوجين بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا [35]

وإن خفتم شقاق بينهما أصله شقاقا بينهما فأضيف الشقاق إلى الظرف، إما على إجرائه مجرى المفعول به اتساعا، كقوله: بل مكر الليل والنهار [سبأ: 33] أصله بل مكر في الليل والنهار، أو مجرى الفاعل بجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين، كما في قولك: نهارك صائم، والضمير للزوجين، ولم يجر ذكرهما لجري ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء، أي: إن علمتم مخالفة مفرقة بينهما، واشتبه عليكم أنه من جهته أو من جهتها، ولا يفعل الزوج الصلح ولا الصفح ولا الفرقة، ولا تؤدي المرأة الحق ولا الفدية فابعثوا أي: إلى الزوجين لإصلاح ذات البين وتبين الأمر حكما رجلا صالحا للحكومة والإصلاح ومنع الظالم من الظلم من أهله أي: أقارب الزوج: وحكما من أهلها على صفة الأول، فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، فيلزمهما أن يخلوا ويستكشفا حقيقة الحال فيعرفا أن رغبتهما في الإقامة أو الفرقة إن يريدا أي: الحكمان إصلاحا يوفق الله بينهما أي: يوقع بينهما الموافقة فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد، أو الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين، أي: إن قصدا [ ص: 1224 ] إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودة والرحمة.

إن الله كان عليما خبيرا بظواهر الحكمين وبواطنهما، إن قصدا إفسادا يجازيهما عليه، وإلا يجازيهما على الإصلاح.

روى ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أمر الله عز وجل أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها، ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض، ولا يرث الكاره الراضي.

وروى عبد الرزاق في (مصنفه) عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر : بلغني أن عثمان بعثهما, وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا.

(وأسند) عن ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: تصير إلي وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها، قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك فضحك، فأرسل ابن عباس ومعاوية ، فقال ابن عباس : لأفرقن بينهما، فقال معاوية : ما كنت لأفرق بين شخصين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما، فرجعا.

[ ص: 1225 ] (وأسند) عن عبيدة قال: شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي : كذبت والله! لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله عز وجل لك وعليك. ورواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير .

قال الحافظ ابن كثير : وقد أجمع العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة، حتى قال إبراهيم النخعي : إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاثا فعلا، وهو رواية عن مالك.

وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع لا في التفرقة، وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم ، وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور ، وداود ، ومأخذهم قوله تعالى: إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف، انتهى.

وفي "الإكليل": أخرج ابن منصور أن المأمور بالبعث الحكام.

وعن السدي : إنه الزوجان، فعلى الأول استدل به من قال: إنهما موليان من الحاكم، فلا يشترط رضا الزوجين عما يفعلانه من طلاق وغيره، وعلى الثاني استدل من قال: إنهما وكيلان من الزوجين، فيشترط.

وقال ابن كثير : الجمهور على الأول - أعني أنهما منصوبان من جهة الحاكم - لقوله تعالى: فابعثوا حكما إلخ، فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه وهذا ظاهر الآية.

وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى الثاني؛ لقول علي - رضي الله عنه - للزوج (حين قال: أما الفرقة فلا) فقال: كذبت، حتى تقر بما أقرت به.

قالوا: فلو كانا حكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج، والله أعلم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.68 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.68%)]