عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 06-07-2022, 11:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1205 الى صـ 1211
الحلقة (211)

وأخرج الشيخان عنه - رضى الله عنه - قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل ممن معه يدعي الإسلام: هذا من أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهما، فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين، فقالوا يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه، فقال: قم يا فلان، فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر وهذا لفظ البخاري.

وروى أبو داود عن جابر بن سمرة - رضي الله عنهما - قال: أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل قتل نفسه فقال: لا أصلي عليه .

وفي الصحيحين من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله عز وجل: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة .

ولهذا قال تعالى:
[ ص: 1206 ] القول في تأويل قوله تعالى:

ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا [30]

ومن يفعل ذلك أي: القتل عدوانا وظلما أي: متعديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه فسوف نصليه أي: ندخله نارا أي: هائلة شديدة العذاب وكان ذلك أي: إصلاؤه النار على الله يسيرا هينا عليه، لا عسر فيه ولا صارف عنه؛ لأنه تعالى لا يعجزه شيء.

قال النسفي : وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد، وفي حق غيره، لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته، انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما [31]

إن تجتنبوا أي: تتركوا كبائر ما تنهون عنه أي: كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها، مما ذكر ههنا ومما لم يذكر نكفر عنكم سيئاتكم أي: صغائر ذنوبكم، ونمحها عنكم، وندخلكم الجنة، كما قال تعالى: وندخلكم في الآخرة مدخلا كريما أي: حسنا وهي الجنة، و(مدخلا) قرئ بضم الميم، اسم مكان أو مصدر ميمي، أي: إدخالا مع كرامة، وبفتح الميم، وهو أيضا يحتمل المكان والمصدر، وفي الآية دليل على أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر ، ورد على من قال: إن المعاصي كلها كبائر ، وإنه لا صغيرة.

قال الإمام ابن القيم في "الجواب الكافي": قد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة [ ص: 1207 ] والتابعين بعدهم، والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر، قال الله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: 31]، وقال تعالى: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم [النجم: من الآية 32].

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر .

وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات:

إحداها: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها، والقيام بحقوقها، بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية.

الثانية: أن تقاوم الصغائر، ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر.

الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر، وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر، فتأمل هذا، فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة.

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وجلس وكان متكئا فقال: ألا وقول الزور (ثلاثا) .

[ ص: 1208 ] وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -: اجتنبوا السبع الموبقات .

قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات
.

وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت: ثم أى؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك .

قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون [الفرقان: 68] الآية، ثم ساق الخلاف في تعدادها، اهـ.

وعندي أن الصواب هو الوقوف في تعدادها على ما صحت به الأحاديث، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبين لكتاب الله عز وجل، أمين على تأويله، والمرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة، كما أن المرجع في تعريف الكبيرة إلى العد دون ضبطها بحد، كما تكلفه جماعة من الفقهاء، وطالت المناقشة بينهم في تلك الحدود، وإن منها ما ليس جامعا، ومنها ما ليس مانعا، فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك.

وقد ساق الحافظ ابن كثير ههنا جملة وافرة منها وجود النقل عن الصحابة والسلف والتابعين، فانظره فإنه نفيس.

ثم نهى تعالى عن التحاسد ، وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من المال ونحوه، مما يجري فيه التنافس بقوله:
[ ص: 1209 ] القول في تأويل قوله تعالى:

ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما [32]

ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا أي: أصابوا وأحرزوا وللنساء نصيب مما اكتسبن أي: أصبن وأحرزن، أي: لكل فريق نصيب مما اكتسب في نعيم الدنيا قبضا أو بسطا، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له.

وقد روى الإمام أحمد عن مجاهد أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى: ولا تتمنوا الآية، ورواه الترمذي وقال: غريب.

ورواه الحاكم في مستدركه وزاد: ثم أنزل الله: أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى [آل عمران: من الآية 195] الآية، فإن صح هذا فالمعنى: لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه، فلا تتمنوا خلاف ذلك، ولا مانع من شمول الآية لما يتعلق بأحوال الدنيا والآخرة، فإن اللفظ محتمل ولا منافاة، والله أعلم.

واسألوا الله من فضله أي: من خزائن نعمه التي لا نفاد لها، وقد روى الترمذي وابن مردويه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [ ص: 1210 ] سلوا الله من فضله، فإن الله عز وجل يحب [أن] يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج .

إن الله كان بكل شيء عليما ولذلك جعل الناس على طبقات رفع بعضهم على بعض درجات حسب مراتب استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة المبنية على الحكم الأبية، قاله أبو السعود .
القول في تأويل قوله تعالى:

ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا [33]

ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون أي: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون من المال جعلنا ورثة وعصبة يلونه ويحرزونه، وهم يرثونه دون سائر الناس.

كما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة، فـ (مما) تبيين لـ(كل).

قال ابن جرير : والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن العباس :


مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا


[ ص: 1211 ] وفي "القاموس" و" شرحه تاج العروس": والمولى: القريب كابن العم ونحوه.

قال ابن الأعرابي : ابن العم مولى، وابن الأخت مولى، وقول الشاعر:


هم المولى وإن جنفوا علينا وإنا من لقائهم لزور


قال أبو عبيدة : يعني الموالي، أي: بني العم، وقال اللهبي يخاطب بني أمية :


مهلا بني عمنا مهلا موالينا امشوا رويدا كما كنتم تكونونا


وقوله تعالى: والذين عقدت أيمانكم مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره مع الفاء وهو قوله: فآتوهم نصيبهم ويقرأ (عاقدت) بالألف، والمفعول محذوف أي: عاقدتهم، ويقرأ بغير ألف والمفعول محذوف أيضا هو والعائد، تقديره عقدت حلفهم أيمانكم، والعقد الشد والربط والتوكيد والتغليظ، ومنه: عقد العهد يعقده: شده.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.91%)]