شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصيام
(390)
- (باب صيام خمسة أيام من الشهر) إلى (باب صوم ثلاثة أيام من الشهر)
بيّن الشرع فضيلة المداومة على صيام النوافل، وأن أفضلها وأعدلها صيام داود عليه السلام، وهو صوم يوم وإفطار يوم، وأنها كصيام الدهر، وكره الشرع الزيادة على ذلك؛ لأن فيه مشقة على النفس، وتفويتاً لمصالح كثيرة.
صيام خمسة أيام من الشهر
شرح حديث عبد الله بن عمرو: (... أما يكفيك من كل شهر ... خمساً ...) من طريق تاسعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [صيام خمسة أيام من الشهر.أخبرنا زكريا بن يحيى حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد، عن خالد وهو الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المليح قال: (دخلت مع أبيك زيد على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، فحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر له صومي، فدخل عليّ فألقيت له وسادة آدم ربعة حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة فيما بيني وبينه، قال: أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ قلت: يا رسول الله، قال: خمساً؟ قلت: يا رسول الله، قال: سبعاً؟ قلت: يا رسول الله، قال: تسعاً؟ قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة؟ قلت: يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا صوم فوق صوم داود شطر الدهر: صيام يوم، وفطر يوم)].
ذكر الترجمة، وهي: صيام خمسة أيام، والمقصود منها مثل ما جاء في العشرة، يعني: كونه ورد ذكر الخمسة، يعني: وغيرها، لكن الترجمة من أجل أنه جاء ذكر الخمسة، وإلا فإن الحديث يأتي فيه ذكر الخمسة، وفيه العشرة وفيه صيام يوم، وإفطار يوم، وهو يأتي لكل ترجمة الحديث من طريق أخرى، وقد أتى به في الترجمة الأخرى بلفظ آخر، فيكون المقصود من الترجمة أن لفظ الخمسة، وأن الإرشاد إلى صيام خمسة ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمرو: (... أما يكفيك من كل شهر ... خمساً ...) من طريق تاسعة
قوله: [أخبرنا زكريا بن يحيى].هو زكريا بن يحيى السجزي، وقد مر قريبا.
[حدثنا وهب بن بقية].
ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا خالد].
هو خالد بن عبد الله الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن خالد، وهو الحذاء].
هو خالد بن مهران الحذاء، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقيل له: الحذاء؛ لأنه كان يجالس الحذائين، فهي نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن، لم يكن حذاء ولا بائعاً للأحذية، وإنما كان يجلس عند الحذائين فنسب إليهم، مثل ما مر في التيمي ، نزل في بني تيم فنسب إليهم، وقيل: إنه كان يقول للحذاء: احذ على كذا، يعني يعطيه مقاس، ويقول: احذ عليه، فقيل له: الحذاء من أجل قوله: احذ، وهي أيضا نسبة إلى ما غير ما يسبق إلى الذهن، سواء كان يجالسهم أو يقول: احذ؛ لأن المتبادر إلى الذهن أنه يصنع الأحذية، أو يبيع الأحذية، والأقرب الذي يصنع الأحذية يقال له: حذاء.
[عن أبي قلابة].
هو عبد الله بن زيد الجرمي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي المليح].
هو ابن أسامة بن عمرو الهذلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[على عبد الله].
هو عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد مر ذكره وهو يخاطب أبا قلابة؛ ولهذا يقول: دخلت مع أبيك زيد، يعني: عبد الله بن زيد الذي هو أبو قلابة.
صيام أربعة أيام من الشهر
شرح حديث عبد الله بن عمرو: (... صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي...) من طريق عاشرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [صيام أربعة أيام من الشهر. أخبرنا إبراهيم بن الحسن حدثنا حجاج بن محمد حدثني شعبة عن زياد بن فياض سمعت أبا عياض قال: قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (صم من الشهر يوماً ولك أجر ما بقي، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم يومين ولك أجر ما بقي، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم ثلاثة أيام، ولك أجر ما بقي، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفضل الصوم صوم داود، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً)].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي صيام أربعة أيام، يعني: أنه ورد فيه التنصيص على أربعة، مثل ما مر التنصيص على خمسة وعلى عشرة، هذا هو المقصود من الترجمة، والحديث سبق أن مر يعني: إسناداً، ومتناً، أما الإسناد فقد مر رجاله كلهم في الحديث السابق.
صوم ثلاثة أيام من الشهر
شرح حديث أبي ذر: (أوصاني حبيبي بثلاثة... وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [صوم ثلاثة أيام من الشهر.أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل حدثنا محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة لا أدعهن إن شاء الله تعالى أبدا: أوصاني بصلاة الضحى، وبالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر)].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي صيام ثلاثة أيام من كل شهر. وأورد فيها حديث أبي ذر، وهذه الثلاثة هي الذي كثر ذكرها في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يعني يوصي بها ابتداء، ويوصي بها عبد الله بن عمرو في أكثر الروايات، ويرشد إلى أن فيها صيام الدهر، فصيام ثلاثة أيام هي التي جاءت عن عدد كبير من الصحابة، يعني: وفيها وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بأن يصوموا ثلاثة أيام من الشهر؛ لأنه بذلك يكونون قد صاموا الدهر، فأورد حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه أوصاه بصيام ثلاثة أيام، لا يدعهن ما عاش، يعني: أنه عازم على الاستمرار عليهن حتى يموت، (صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)، وفي صحيح مسلم: (أن أوتر قبل أن أرقد)، الحديث في صحيح مسلم أيضاً، وهو بلفظ: (أن أوتر قبل أن أرقد)، فالحديث مشتمل على الترجمة، وهي صيام ثلاثة أيام، بل فيه الوصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
تراجم رجال إسناد حديث أبي ذر: (أوصاني حبيبي بثلاثة ... وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو ابن إياس المروزي السعدي، ثقة، أخرج له البخاري، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا إسماعيل].
وهو ابن جعفر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن أبي حرملة].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[عن عطاء بن يسار].
هو عطاء بن يسار مولى ميمونة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي ذر].
هو جندب بن جنادة مشهور بكنيته أبي ذر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث أبي هريرة: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث... وصوم ثلاثة أيام من كل شهر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن علي بن الحسن سمعت أبي أخبرنا أبو حمزة عن عاصم عن الأسود بن هلال عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث: بنوم على وتر، والغسل يوم الجمعة، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه إيصاؤه بثلاث أو توصيته بثلاث، وهي: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وغسل الجمعة، وأن ينام على وتر)، وهذه الرواية فيها ذكر غسل الجمعة، لكن الرواية التي في الصحيحين وفي غيرهما عن أبي هريرة، فيها ذكر ركعتي الضحى بدل غسل الجمعة، ولهذا قال الألباني: إنه منكر بذكر الغسل؛ لأن الأحاديث التي جاءت في الصحيحين، وفي غيرهما عن أبي هريرة فيها التنصيص على صلاة ركعتي الضحى بدل غسل الجمعة، وقد مر أيضا حديث أبي هريرة بهذا اللفظ الذي هو لفظ الشيخين؛ البخاري ومسلم: (صيام ثلاثة أيام، وصلاة الضحى، وأن يوتر قبل أن ينام).
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث... وصوم ثلاثة أيام من كل شهر)
قوله: [أخبرنا محمد بن علي بن الحسن].هو محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[سمعت أبي].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا أبي حمزة].
هو محمد بن ميمون المروزي السكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم].
هو عاصم بن بهدلة بن أبي النجود، صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود بن هلال].
ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.
يتبع