شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصيام
(380)
- باب ذكر الاختلاف على منصور في خبر الصيام في السفر - باب ذكر الاختلاف على سليمان بن يسار في خبر الصيام في السفر
جعل الله الدين يسراً على عباده فأمر بما ينفع ونهى عما يضر، وجعل اليسر أحب إليه من غيره، ومن تيسيره أنه خير المسافر الذي عليه الصوم بين الصيام والإفطار وذلك بحسب حالته.
ذكر الاختلاف على منصور في خبر الصيام في السفر
شرح حديث: (خرج رسول الله إلى مكة فصام حتى أتى عسفان فدعا بقدح فشرب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الاختلاف على منصور.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة، فصام حتى أتى عسفان، فدعا بقدح فشرب، قال شعبة: في رمضان، فكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: من شاء صام، ومن شاء أفطر)].
أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صام من المدينة حتى بلغ عسفان، وعسفان هو: وراء قديد إلى جهة مكة، ويحتمل أن يكون المقصود أنه المكان يعني: بينهما أو أن بعضهما قريب من بعض، فجاء في بعض الروايات ذكر قديد، وفي بعض الروايات ذكر عسفان.
قوله: [(خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة، فصام حتى أتى عسفان، فدعا بقدح فشرب، قال شعبة: في رمضان، فكان ابن عباس يقول: من شاء صام، ومن شاء أفطر)].
أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السفرة صام وأفطر.
تراجم رجال إسناد حديث: (خرج رسول الله إلى مكة فصام حتى أتى عسفان فدعا بقدح فشرب ...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو إسماعيل بن مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن خالد].
هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
وقد مر ذكره.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مجاهد عن ابن عباس].
وقد مر ذكرهم.
وعسفان بعد قديد، وهي أقرب إلى مكة من قديد، موجود الآن في لوحات المرور فالذي يذهب إلى مكة ينظر قديد ثم بعدما يتعدى مفرق جدة، ويأتي خليص يأتي بعده عسفان.
شرح حديث: (... فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فشرب نهاراً ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن قدامة عن جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (سافر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء فشرب نهاراً يراه الناس، ثم أفطر)].أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم، وفيه ذكر عسفان، وأنه دعا بقدح، وأنه شرب نهاراً يراه الناس، قال: ثم أفطر، لكن لعل المقصود بها أنه أفطر حتى وصل إلى مكة، فقوله: ثم أفطر، أي: بقية رحلته إلى مكة، مثل ما جاء في الطريق السابقة: أنه صام حتى وصل قديداً، ثم أفطر حتى قدم مكة، وهنا قوله: ثم أفطر، أي: أفطر بقية أيامه التي في الطريق؛ لأن قضية اليوم الواحد وجد الإفطار بكونه شرب نهاراً، وجاء أيضاً كونه شرب والناس يرونه، لكن قوله: ثم أفطر، يعني: ثم أفطر بقية الأيام في الطريق إلى مكة كما جاء ذلك موضحاً في الطريق السابقة: وهي أنه صام حتى بلغ قديداً، ثم أفطر حتى قدم مكة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فشرب نهاراً ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].هو محمد بن قدامة بن أعين المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن جرير].
هو جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور عن مجاهد].
وقد مر ذكرهما.
[عن طاوس].
هو ابن كيسان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
وقد مر ذكره.
شرح حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ويفطر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا حميد بن مسعدة حدثنا سفيان عن العوام بن حوشب أنه قال: (قلت لـمجاهد: الصوم في السفر؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم ويفطر)].أورد النسائي الحديث عن مجاهد، وهو مرسل، لكن هو الراوي عن ابن عباس، والرسول صام وأفطر، وفيه أن العوام بن حوشب، قال: (قلت لـمجاهد: الصوم في السفر؟)، هل يكون الصوم في السفر؟ فقال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ويفطر) معناه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حصل منه هذا وهذا، ومعنى هذا أن الصيام في السفر سائغ، وهو ما ترجم له المصنف في قوله: الصيام في السفر؛ لأن فيه الصيام، وفيه الإفطار.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ويفطر)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].هو حميد بن مسعدة البصري، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا سفيان].
هو سفيان بن حبيب، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن العوام بن حوشب].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مجاهد].
وقد مر ذكره. وهنا حديثه حديث مرسل، لكن معلوم أنه مجاهد أخذ عن ابن عباس، والحديث نفسه قد مر من طريق عن مجاهد عن ابن عباس، إذاً فهذا المرسل معروف أنه متصل في الطرق السابقة.
حديث: (أن رسول الله صام في شهر رمضان وأفطر في السفر) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني هلال بن العلاء حدثنا حسين حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق أخبرني مجاهد: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صام في شهر رمضان، وأفطر في السفر)].أورد النسائي الحديث عن مجاهد وهو مرسل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صام في شهر رمضان، وأفطر في السفر)، ومعناه: صام في السفر وأفطر.
قوله: [أخبرني هلال بن العلاء].
هو هلال بن العلاء بن هلال، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا حسين].
هو حسين بن عياش، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[قال حدثنا: عن زهير].
هو زهير بن معاوية، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبي إسحاق].
أبو إسحاق، وسماع زهير من أبي إسحاق بآخره، لكن عرفنا أن الحديث جاء من طرق أخرى، فلا يؤثر كون زهير بن معاوية سمع من أبي إسحاق بآخره؛ لأن الحديث جاء من طرق عديدة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أبي إسحاق، وهو: عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مجاهد].
وقد مر ذكره.
ذكر الاختلاف على سليمان بن يسار في حديث حمزة بن عمرو في خبر الصيام في السفر
شرح حديث: (... إن شئت صمت وإن شئت أفطرت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الاختلاف على سليمان بن يسار في حديث حمزة بن عمرو رضي الله عنه فيه.أخبرنا محمد بن رافع حدثنا أزهر بن القاسم حدثنا هشام عن قتادة عن سليمان بن يسار عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه: (سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصوم في السفر؟ قال: إن ثم ذكر كلمة معناها: إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت)].
فالترجمة السابقة هي تتعلق بالصيام في السفر، وقد عرفنا فيما مضى حكم الصيام في السفر، وأن فيه تفصيلاً: إذا كان على الإنسان مشقة فالفطر أولى، وإذا كان يلحقه ضرر به فيتعين الفطر، وإن كان ليس هناك مشقة فالصيام هو الأولى، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصيام والإفطار، فدل على أن الأمر في ذلك واسع، وقد أورد النسائي عدة من الأحاديث عن جماعة من الصحابة تتعلق بالصيام في السفر، من فعله ومن قوله عليه الصلاة والسلام.
قد أورد النسائي حديث حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله تعالى عنه، من طرق عديدة، وفيها: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن الصوم في السفر؟ فقال: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)، وهنا في المتن لما ذكر المتن قال: (إن)، ثم قال كلمة معناها: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)، أي: أن الذي ذكره هنا هو معنى ما قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وليس اللفظ؛ لأنه قال: (إن، ثم ذكر كلمة معناها)، والمراد الكلمة بها الجملة؛ لأن الكلمة يراد بها الكلام، وكما يراد بها الكلمة الواحدة، وقد يكون الكلام كثير كما يقال: فلان ألقى كلمة، فالمقصود به كلمة طويلة، وقد تطلق على جملة مثل كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحانه الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فتطلق الكلمة على الكلام، كما تطلق على الكلمة الواحدة، وابن مالك يقول في الألفية:
واحده كلمة والقول عم، يعني: واحد الكلام كلمة، والقول عم، وكذلك القول، وكلمة بها كلام قد يؤم، يعني: قد يقصد بالكلمة الكلام، ولا يقصد بها الكلمة الواحدة، (ثم ذكر كلمةً معناها: إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت)، معناه: أن هذا الذي ذكر هو بالمعنى وليس اللفظ، والمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى الصيام وإلى الإفطار، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وهو يدل على الصيام في السفر، كما يدل على الإفطار في السفر، والترجمة هي تتعلق بالصيام، فقوله: (إن شئت فصم)، هذا هو محل الشاهد، أو (إن شئت صمت)، يعني: لك أن تصوم، ولك أن تفطر، الأمر في ذلك واسع، وجاء في بعض الروايات: أن الصوم تطوع؛ لأنه قال: إني أسرد الصيام. معناه: أنه يواصل، وأنه يتابع الصيام، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)، وكذلك بالنسبة للفرض، الإنسان المسافر له أن يصوم وله أن يفطر، وفي النفل له أن يصوم ويفطر، لكن متى يكون الأولى الإفطار؟ ومتى يكون الأولى الصيام؟ ومتى يتعين الإفطار؟ أشرت إلى ذلك آنفاً كما أشرت إلى ذلك من قبل.
يتبع