عرض مشاركة واحدة
  #642  
قديم 05-07-2022, 10:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصيام

(376)

- ذكر الاختلاف على أبي صالح في خبر فضل الصيام

تضافرت الأدلة على فضل الصيام، وما له من المكانة العظيمة عند الله تعالى، وقد جاءت الأحاديث النبوية بكافة طرقها لتجسد فضل الصيام، ومميزاته العظام، من جهة إضافة الصيام إلى الله، ومن جهة أن للصائم فرحتان، وأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.

ذكر الاختلاف على أبي صالح في هذا الحديث


‏ حديث: (إن الله تبارك وتعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي به ...) من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الاختلاف على أبي صالح في هذا الحديث. أخبرنا علي بن حرب حدثنا محمد بن فضيل حدثنا أبو سنان ضرار بن مرة عن أبي صالح عن أبي سعيد أنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تبارك وتعالى يقول: الصوم لي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله فجزاه فرح، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)].
ثم أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، الأول حديث علي، وهنا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو مثل ما تقدم بالجمل الثلاث: (الصوم لي وأنا أجزي به)، (وللصائم فرحتان)، (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، كل هذه الجمل الثلاث التي كل واحدة منها تدل على فضل الصيام، قد تقدمت في الطريقين السابقتين، والكلام فيها نفس الكلام.

حديث: (... قال الله عز وجل: إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به...) من طريق رابعة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ما من حسنة عملها بن آدم إلا كتب له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، الصيام جنة، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم، إلا أن فيه زيادة أن الأعمال التي يعملها الإنسان غير الصيام الحسنة بعشر أمثالها، ويضاعف له إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله عز وجل: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، يعني: أنه يجزي به بغير حساب، ففيه: زيادة ما ذكر في أوله من كون الله يثيب على الحسنة بعشر أمثالها، وأن الله يضاعف أضعافا كثيرة إلى سبعمائة ضعف، إلى أكثر من ذلك.

حديث: (... إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به ...) من طريق خامسة


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن الحسن عن حجاج أنه قال ابن جريج أخبرني عطاء عن أبي صالح الزيات: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، إذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه عز وجل فرح بصومه)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مشتمل على ما تقدم، إلا أن المتقدم فيه الزيادة، والذي قبله فيه زيادة وهي قوله: [(يدع شهوته وطعامه من أجلي)]؛ لأن هذا من الأمور الخفية، وهو يدعها من أجل الله، ولا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولا يطلع عليها الناس، وهنا قال في الحديث الذي معنا.
قوله: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب)، (لا يرفث)، الرفث: يطلق على الفاحش من القول، كما يطلق أيضاً على الجماع، وأسباب الجماع، فقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ يَتَّقُونَ [البقرة:187]، المقصود به: الجماع، ومقدمات الجماع، فيأتي الرفث يراد به الجماع، ويأتي مراداً به الفاحش من الكلام، ومن المعلوم أن الصائم ممنوع من الجماع، وممنوع أيضاً من الفاحش من القول، وهذا دائماً وأبداً، ليس خاصاً في الصيام، ولكن التنصيص على الصيام دليل على أن الأمر أعظم، والأمر أشد، فمن باب أولى أن الإنسان يمنع من الفاحش من القول حال الصيام، وليس معنى ذلك أنه في غير الصيام يفعل هذا الرفث الذي هو الفاحش من القول، بل لا يفعله دائماً وأبداً، ولكن الأمر يكون في الصيام أعظم، مثل قول الله عز وجل في الأشهر الحرم: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36]، والظلم ممنوع، أي أن: الإنسان ممنوع من الظلم دائماً، لكن في الأمكنة الفاضلة وفي الأزمنة الفاضلة، يكون الأمر أشد، والأمر أعظم، فلا يظلم الإنسان نفسه، لا في الأشهر الحرم، ولا في غيرها، لكن في الأشهر الحرم الأمر أعظم إذا وجد الظلم، كما أنه في الأمكنة الفاضلة عندما توجد المعاصي، فالأمر أعظم، فليست المعصية في الحرم كالمعصية في البلاد البعيدة النائية، وليس من يعصي الله عند الكعبة كمن يعصيه في البلاد النائية والأماكن البعيدة، فمن يعصي الله في مكة والمدينة أخطر، وأعظم ممن يعصي الله في أي مكان؛ لأن المكان له شرفه وله ميزته، وكذلك الزمان أيضاً له شرفه وميزته.
قوله: [(ولا يصخب)]، يعني: يصيح وتصدر منه أصوات مزعجة، وفيها إزعاج وإيذاء، فلا يفعل ذلك، وإنما يكون على هدوء وسكينة، (فإن سابه أحدٌ أو شاتمه فليقل: إني صائم)، يقولها بنفسه، وبلسانه، يتذكر في نفسه أنه صائم، فهو لا يقابل ذاك، وإن كان للإنسان أن يقابل السيئة بالسيئة، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، لكن كونه يمتنع، ولا يقابل، ويتذكر الصيام ويقول: إني صائم، هذا هو الذي ينبغي.
وهذه الطريق من طرق حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، في بيان حديث فضل الصيام، الذي جاء فيه الفضل للصيام من وجوه عديدة، منها قول الله عز وجل في الحديث القدسي: (الصوم لي وأنا أجزي به، كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها)، قال الله عز وجل للصوم: (فإنه لي، وأنا أجزي به، والصوم جنة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةً عند لقاء ربه)، فهذه الجمل الدالة على فضل الصيام، قد تقدم ذكرها في الأحاديث السابقة، أو في الطرق السابقة، وهي دالة على فضل الصيام من هذه الوجوه العديدة، من جهة إضافة الصيام إلى الله عز وجل، والأعمال كلها لله سبحانه وتعالى، لكن الصوم له ميزة يتميز بها، وهي: أنه أبعد ما يكون عن الرياء في الأعمال، ذلك لأنه من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها إلا الله عز وجل، وكذلك أن الصوم جنة، وهو جنة من النار، وجنة من المعاصي، والأمور المحرمة؛ لأنه يخفف على الإنسان فيجعله ليس فيه من قوة تدفعه إلى أن يسترسل مع الشهوات، فالصوم يكون سبباً في عدم جموحه، وعدم حصول القوة التي تدفعه إلى الوقوع في الشهوات، وقد بين عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود لما قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أحصن للفرج، وأغض للبصر، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)، أي: بمنزلة الخصاء الذي لا يكون للإنسان شهوة معه، وذلك لما يحصل للإنسان بسبب الصوم وقلة الأكل، والتمتع بالنعم، من عدم القوة التي قد توقعه في الأمور المحرمة.
وكذلك الصيام، الصائم له فرحتان: فرحة عند فطره يفرح بفطره، وعند لقاء ربه يفرح بصومه، فهو يفرح في الدنيا لأنه أتم عبادة، ويفرح في الآخرة لأنه عمل عملاً يثاب عليه في الدار الآخرة، وكذلك جاء في الحديث: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحدٌ أو سابه، فليقل: إني صائم)، المقصود بالرفث: الفاحش من القول، ويطلق أيضاً على الجماع، ومقدمات الجماع، وكل هذه ممنوعة في حال الصيام، أما الفاحش من القول فهو ممنوع في حال الصيام، وفي غير حال الصيام، ولكنه يكون آكد في حال التلبس بالعبادة التي هي: الصيام، فإن الأمر يكون في ذلك آكد، وإلا فإن المنع من الفاحش من القول مطلوب من الإنسان دائماً وأبداً في حال صيامه، وفي غير حال صيامه.
وأما الرفث الذي هو الجماع، ومقدماته، فهو فيما أحل الله عز وجل، فهو ممنوع في حال الصيام، ومباح في ليلة الصيام، كما قال الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، وهو جماع النساء، ومقدمات الجماع، فإن ذلك مباحاً في ليلة الصيام، ولكنه غير جائز في حال الصيام، (ولا يصخب)، والصخب هو: رفع الصوت، وحصول الأصوات المزعجة التي تدل على قلة الحياء، وقلة المروءة، فلا يصخب الإنسان، وإن سابه أحد أو شاتمه فليذكر نفسه أنه صائم، وليذكر من يقابله بأنه صائم، فيقول بنفسه، وبلسانه: إنه صائم، وذلك يكون سبباً في عدم وقوعه في المقابلة بالشتم، وبالسب، والعيب.
وقوله: [(ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك)]، الخلوف هو: الرائحة التي تنبعث من الجوف في آخر النهار بسبب الامتناع عن الأكل والشرب، فإنه يخرج من الجوف رائحة مستكرهة تنبعث منه، وهذه الرائحة المستكرهة التي تحصل في حال الصيام بسبب التلبس في هذه العبادة، وبسبب الامتناع عن الأكل والشرب، شأنها عظيم عند الله عز وجل، وهي يوم القيامة أطيب عند الله من ريح المسك، وهذا مثل ما جاء في الشهيد، يأتي يوم القيامة يثعب دمه، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فالدم وإن كان مستكرهاً، وخروجه من البدن لا تميل إليه النفوس، ولكنه لما كان خروج الدم في سبيل الله، فإن شأنه عظيم عند الله، ولهذا يأتي يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك، وهذه الرائحة المستكرهة في هذه الحياة الدنيا شأنها عظيم عند الله عز وجل، وهي أطيب عند الله من ريح المسك، ذلك لأنها رائحة غير مستحسنة، ومستكرهة، ولكنها كانت في طاعة الله، وفي سبيل الله، فيكون شأنها عظيماً عند الله، وتكون أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.07%)]