عرض مشاركة واحدة
  #244  
قديم 04-07-2022, 01:34 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الْأَعْرَافِ
الحلقة (244)
صــ302 إلى صــ 308





ذكر أهل التفسير أن إبليس جاء حواء ، فقال: ما يدريك ما في بطنك ، لعله كلب أو خنزير أو حمار; وما يدريك من أين يخرج ، أيشق بطنك ، أم يخرج من فيك ، أو من منخريك؟ فأحزنها ذلك ، فدعوا الله حينئذ ، فجاء إبليس [ ص: 302 ] فقال: كيف تجدينك؟ قالت: ما أستطيع القيام إذا قعدت ، قال: أفرأيت إن دعوت الله ، فجعله إنسانا مثلك ومثل آدم ، أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم . فلما ولدته سويا ، جاءها إبليس فقال: لم لا تسمينه بي كما وعدتني؟ فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث ، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث ، فسمته: عبد الحارث ، وقيل: عبد شمس برضى آدم ، فذلك قوله: فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء . قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم: " شركاء " بضم الشين والمد ، جمع شريك . وقرأ نافع . وأبو بكر عن عاصم: " شركا " مكسورة الشين على المصدر ، لا على الجمع . قال أبو علي: من قرأ " شركا " حذف المضاف ، كأنه أراد: جعلا له ذا شرك ، وذوي شريك; فيكون المعنى: جعلا لغيره شركا ، لأنه إذا كان التقدير: جعلا له ذوي شرك ، فالمعنى: جعلا لغيره شركا; وهذه القراءة في المعنى كقراءة من قرأ "شركاء" وقال غيره: معنى "شركاء": شريكا ، فأوقع الجمع موقع الواحد كقوله: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم [آل عمران:173] . والمراد بالشريك: إبليس ، لأنهما أطاعاه في الاسم ، فكان الشرك في الطاعة ، لا في العبادة; ولم [ ص: 303 ] يقصدا أن الحارث ربهما ، لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما; وقد يطلق العبد على من ليس بمملوك . قال الشاعر:


وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما في إلا تلك من شيمة العبد


وقال مجاهد: كان لا يعيش لآدم ولد ، فقال الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحارث ، فأطاعاه في الاسم ، فذلك قوله: جعلا له شركاء فيما آتاهما ، هذا قول الجمهور ، وفيه قول ثان ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أشرك آدم ، إن أول الآية لشكر ، وآخرها مثل ضربه الله لمن يعبده في قوله: جعلا له شركاء فيما آتاهما . وروى قتادة عن الحسن ، قال: هم اليهود والنصارى ، رزقهم الله أولادا فهودوهم ونصروهم . وروي عن الحسن ، وقتادة قالا: الضمير في قوله: جعلا له شركاء عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم ، لا إلى آدم وحواء . وقيل: الضمير راجع إلى الولد الصالح ، وهو السليم الخلق; فالمعنى: جعل له ذلك الولد شركاء . وإنما قيل: "جعلا" لأن حواء كانت تلد في كل [ ص: 304 ] بطن ذكرا وأنثى . قال ابن الأنباري: الذين جعلوا له شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء . فتأويل الآية: فلما آتاهما صالحا ، جعل أولادهما له شركاء ، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما قال: واسأل القرية [يوسف:82] . وذهب السدي إلى أن قوله: فتعالى الله عما يشركون في مشركي العرب خاصة ، وأنها مفصولة عن قصة آدم وحواء .

أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون

قوله تعالى: أيشركون ما لا يخلق شيئا قال ابن زيد: هذه لآدم وحواء حيث سميا ولدهما عبد شمس ، والشمس لا تخلق شيئا . وقال غيره: هذا راجع إلى الكفار حيث أشركوا بالله الأصنام ، وهي لا تخلق شيئا . وقوله: وهم يخلقون أي: وهي مخلوقة . قال ابن الأنباري: وإنما قال: "ما" ثم قال: وهم يخلقون لأن "ما" تقع على الواحد والاثنين والجميع; وإنما قال: وهم وهو يعني الأصنام ، لأن عابديها ادعوا أنها تعقل وتميز ، فأجريت مجرى الناس ، فهو كقوله: رأيتهم لي ساجدين [يوسف : 4] ، وقوله: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم [النمل:18] ، وقوله: وكل في فلك يسبحون [يس:40] ، قال الشاعر:


تمززتها والديك يدعو صباحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا


وأنشد ثعلب لعبدة بن الطبيب:


إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته لدى الصباح وهم قوم معازيل


[ ص: 305 ] لما جعله يدعو ، جعل الديكة قوما ، وجعلهم معازيل ، وهم الذين لا سلاح معهم ، وجعلهم أسرة; وأسرة الرجل: رهطه وقومه .
ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون

قوله تعالى: ولا يستطيعون لهم نصرا يقول: إن الأصنام لا تستطيع نصر من عبدها ، ولا تمنع من نفسها .
وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون

قوله تعالى: وإن تدعوهم فيه قولان .

أحدهما: أنها ترجع إلى الأصنام ، فالمعنى: وإن دعوتم أيها المشركون أصنامكم إلى سبيل رشاد لا يتبعوكم ، لأنهم لا يعقلون .

والثاني: أنها ترجع إلى الكفار ، فالمعنى: وإن تدع يا محمد هؤلاء المشركين إلى الهدى ، لا يتبعوكم ، فدعاؤكم إياهم وصمتكم عنهم سواء ، لأنهم لا ينقادون إلى الحق . وقرأ نافع لا يتبعوكم بسكون التاء .
إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين [ ص: 306 ] قوله تعالى: إن الذين تدعون من دون الله يعني الأصنام عباد أمثالكم في أنهم مسخرون مذللون لأمر الله . وإنما قال "عباد" وقال فادعوهم وإن كانت الأصنام جمادا ، لما بينا عند قوله: وهم يخلقون

قوله تعالى: فليستجيبوا لكم أي: فليجيبوكم إن كنتم صادقين أن لكن عندهم نفعا وثوابا . ألهم أرجل يمشون بها في المصالح أم لهم أيد يبطشون بها في دفع ما يؤذي . وقرأ أبو جعفر "يبطشون" بضم الطاء هاهنا وفي [القصص:19] و[الدخان:16] . أم لهم أعين يبصرون بها المنافع من المضار أم لهم آذان يسمعون بها تضرعكم ودعاءكم؟ وفي هذا تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين ، وتوبيخ لهم حيث عبدوا من هم أفضل منه . قل ادعوا شركاءكم قال الحسن: كانوا يخوفونه بآلهتهم ، فقال الله تعالى: قل ادعوا شركاءكم ، ثم كيدون أنتم وهم فلا تنظرون أي: لا تؤخروا ذلك . وكان ابن كثير ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي يقرؤون " ثم كيدون " بغير ياء في الوصل والوقف . وقرأ أبو عمرو ، ونافع في رواية ابن حماد بالياء في الوصل . وروى ورش ، وقالون ، والمسيبي بغير ياء في الوصل ، ولا وقف . فأما "تنظرون" فأثبت فيها الياء يعقوب في الوصل والوقف . إن وليي الله أي: ناصري الذي نزل الكتاب وهو القرآن ، أي: كما أيدني بإنزال الكتاب ينصرني .
والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون

قوله تعالى: والذين تدعون من دونه يعني الأصنام لا يستطيعون نصركم أي: لا يقدرون على منعكم ممن أرادكم بسوء ولا يمنعون أنفسهم من سوء أريد بهم .
[ ص: 307 ] وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون

قوله تعالى: وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا في المراد بهؤلاء قولان .

أحدهما: أنهم الأصنام . ثم في قوله: وتراهم ينظرون إليك قولان . أحدهما يواجهونك ، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك ، وهم لا يبصرون لأنه ليس فيهم أرواح . والثاني: وتراهم كأنهم ينظرون إليك ، لأن لهم أعينا مصنوعة ، فأسقط كاف التشبيه ، كقوله: وترى الناس سكارى [الحج:2] أي: كأنهم سكارى ، وهم لا يبصرون في الحقيقة . وإنما أخبر عنهم بالهاء والميم ، لأنهم على هيئة بني آدم ،

والقول الثاني: أنهم المشركون ، فالمعنى: وتراهم ينظرون إليك بأعينهم ولا يبصرون بقلوبهم .
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين

قوله تعالى: خذ العفو العفو: الميسور ، وقد سبق شرحه في سورة [البقرة:219] . وفي الذي أمر بأخذ العفو منه ثلاثة أقوال .

أحدها: أخلاق الناس ، قاله ابن الزبير ، والحسن ، ومجاهد ، فيكون [ ص: 308 ] المعنى: أقبل الميسور من أخلاق الناس ، ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء .

والثاني: أنه المال ، وفيه قولان . أحدهما: أن المراد بعفو المال: الزكاة ، قاله مجاهد في رواية الضحاك . والثاني: أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض الزكاة ، ثم نسخت بالزكاة ، روي عن ابن عباس .

والثالث: أن المراد به: مساهلة المشركين والعفو عنهم ، ثم نسخ بآية السيف ، قاله ابن زيد .

قوله تعالى: وأمر بالعرف أي: بالمعروف .

وفي قوله: وأعرض عن الجاهلين قولان .

أحدهما: أنهم المشركون ، أمر بالإعراض عنهم ، ثم نسخ ذلك بآية السيف .

والثاني: أنه عام فيمن جهل ، أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم ، وإن وجب عليه الإنكار عليهم . وهذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة ، وعند بعضهم أن وسطها محكم ، وطرفيها منسوخان على ما بينا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.01 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.38 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]