عرض مشاركة واحدة
  #242  
قديم 04-07-2022, 01:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,406
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الْأَعْرَافِ
الحلقة (242)
صــ288 إلى صــ 294





[ ص: 288 ] والسادس: أنه كل من انسلخ من الحق بعد أن أعطيه من اليهود والنصارى والحنفاء ، قاله عكرمة . وفي الآيات خمسة أقوال .

أحدها: أنه اسم الله الأعظم ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه قال ابن جبير .

والثاني: أنها كتاب من كتب الله عز وجل . روى عكرمة عن ابن عباس قال: هو بلعام أوتي كتابا فانسلخ منه .

والثالث: أنه أوتي النبوة ، فرشاه قومه على أن يسكت ، ففعل وتركهم على ما هم عليه ، قاله مجاهد ، وفيه بعد لأن الله تعالى لا يصطفي لرسالته إلا معصوما عن مثل هذه الحال .

والرابع: أنها حجج التوحيد ، وفهم أدلته .

والخامس: أنها العلم بكتب الله عز وجل . والمشهور في التفسير أنه بلعام ، وكان من أمره على ما ذكره المفسرون أن موسى عليه السلام غزا البلد الذي هو فيه ، وكانوا كفارا ، وكان هو مجاب الدعوة ، فقال ملكهم: ادع على موسى ، فقال: إنه من أهل ديني ، ولا ينبغي لي أن أدعو عليه ، فأمر الملك أن تنحت خشبة لصلبه ، فلما رأى ذلك ، خرج على أتان له ليدعو على موسى ، فلما عاين عسكرهم ، وقفت الأتان فضربها ، فقالت: لم تضربني ، وهذه نار تتوقد قد منعتني أن أمشي؟ فارجع ، فرجع إلى الملك فأخبره ، فقال: إما أن تدعو عليهم ، وإما أن أصلبك ، فدعا على موسى باسم الله الأعظم أن لا يدخل المدينة ، فاستجاب الله له ، فوقع موسى وقومه في التيه بدعائه ، فقال موسى: يا رب ، بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعم . فقال: يا رب ، فكما سمعت دعاءه علي ، فاسمع دعائي عليه ، فدعا الله أن ينزع منه الاسم الأعظم ، فنزع منه . وقيل إن بلعام أمر قومه أن [ ص: 289 ] يزينوا النساء ويرسلوهن في العسكر ليفشوا الزنا فيهم ، فينصروا عليهم . وقيل: إن موسى قتله بعد ذلك . وروى السدي عن أشياخه أن بلعم أتى إلى قومه متبرعا ، فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل ، فإنكم إذا خرجتم لقتالهم ، دعوت عليهم فهلكوا ، فكان فيما شاء عندهم من الدنيا ، وذلك بعد مضي الأربعين سنة التي تاهوا فيها ، وكان نبيهم يوشع ، لا موسى .

قوله تعالى: فانسلخ منها أي: خرج من العلم بها .

قوله تعالى: فأتبعه الشيطان قال ابن قتيبة: أدركه . يقال: اتبعت القوم: إذا لحقتهم ، وتبعتهم: سرت في أثرهم وقرأ طلحة بن مصرف: "فاتبعه" بالتشديد . وقال اليزيدي: أتبعه واتبعه: لغتان . وكأن "اتبعه" خفيفة بمعنى: قفاه ، و"اتبعه" مشددة: حذا حذوه . ولا يجوز أن تقول: أتبعناك ، وأنت تريد: اتبعناك ، لأن معناها: اقتدينا بك . وقال الزجاج : يقال: تبع الرجل الشيء واتبعه بمعنى واحد . قال الله تعالى: فمن تبع هداي [البقرة:38] وقال: فأتبعهم فرعون

قوله تعالى: فكان من الغاوين فيه قولان .

أحدهما: من الضالين ، قاله مقاتل . والثاني: من الهالكين الفاسدين ، قاله الزجاج .
ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون

قوله تعالى: ولو شئنا لرفعناه بها في هاء الكناية في "رفعناه" قولان . [ ص: 290 ] أحدهما: أنها تعود إلى الإنسان المذكور ، وهو قول الجمهور; فيكون المعنى: ولو شئنا لرفعنا منزلة هذا الإنسان بما علمناه .

والثاني: أنها تعود إلى الكفر بالآيات ، فيكون المعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بآياتنا ، وهذا المعنى مروي عن مجاهد . وقال الزجاج : لو شئنا لحلنا بينه وبين المعصية .

قوله تعالى: ولكنه أخلد إلى الأرض أي: ركن إلى الدنيا وسكن . قال الزجاج : يقال: أخلد وخلد ، والأول أكثر في اللغة . والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا ، لأن الدنيا هي الأرض بما عليها . وفي معنى الكلام قولان .

أحدهما: أنه ركن إلى أهل الدنيا ، ويقال: إنه أرضى امرأته بذلك ، لأنها حملته عليه . وقيل: أرضي بني عمه وقومه .

والثاني: أنه ركن إلى شهوات الدنيا; وقد بين ذلك بقوله: واتبع هواه والمعنى أنه انقاد لما دعاه إليه الهوى . قال ابن زيد: كان هواه مع قومه . وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذ مالوا عن العلم إلى الهوى .

قوله تعالى: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث معناه: أن هذا الكافر ، إن زجرته لم ينزجر ، وإن تركته لم يهتد ، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب ، فإنه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا ، وإن ترك وربض كان أيضا لاهثا ، والتشبيه بالكلب اللاهث خاصة; فالمعنى: فمثله كمثل الكلب لاهثا; وإنما شبهه بالكلب اللاهث ، لأنه أخس الأمثال على أخس الحالات وأبشعها . وقال ابن قتيبة: كل لاهث إنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب ، فإنه يلهث في حال راحته وحال كلاله ، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته ، فقال: إن [ ص: 291 ] وعظته فهو ضال ، وإن لم تعظه فهو ضال ، كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث ، أو تركته على حاله رابضا لهث . قال المفسرون: زجر في منامه عن الدعاء على بني إسرائيل فلم ينزجر ، وخاطبته أتانه فلم ينته ، فضرب له هذا المثل ولسائر الكفار; فذلك قوله: ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا لأن الكافر إن وعظته فهو ضال ، وإن تركته فهو ضال; وهو مع إرسال الرسل إليه كمن لم يأته رسول ولا بينة .

قوله تعالى: فاقصص القصص قال عطاء قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم .
ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون

قوله تعالى: ساء مثلا يقال: ساء الشيء يسوء: إذا قبح ، والمعنى: ساء مثلا مثل القوم ، فحذف المضاف ، فنصب "مثلا" على التمييز .

قوله تعالى: وأنفسهم كانوا يظلمون أي: يضرون بالمعصية .
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون

قوله تعالى: ولقد ذرأنا أي: خلقنا . قال ابن قتيبة: ومنه ذرية الرجل ، إنما هي الخلق منه ، ولكن همزها يتركه أكثر العرب . [ ص: 292 ] قوله تعالى: لجهنم هذه اللام يسميها بعض أهل المعاني لام العاقبة ، كقوله: ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص:8] ومثله قول الشاعر:


أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها


ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز يعزيه بموت ابنه ، فقال:


تعز أمير المؤمنين فإنه لما قد ترى يغذى الصغير ويولد


وقد أخبر الله عز وجل في هذه الآية بنفاذ علمه فيهم أنهم يصيرون إليها بسبب كفرهم .

قوله تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها لما أعرض القوم عن الحق والتفكر فيه ، كانوا بمنزلة من لم يفقه ولم يبصر ولم يسمع . وقال محمد بن القاسم النحوي: أراد بهذا كله أمر الآخرة ، فإنهم يعقلون أمر الدنيا .

قوله تعالى: أولئك كالأنعام شبههم بالأنعام لأنها تسمع وتبصر ولا تعتبر ، ثم قال: بل هم أضل لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها ، فتلزم بعض ما تبصره ، وهؤلاء يعلم أكثرهم أنه معاند ، فيقدم على النار ، أولئك هم الغافلون عن أمر الآخرة .
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون

قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى سبب نزولها أن رجلا دعا الله في صلاته ، ودعا الرحمن ، فقال أبو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا ، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله هذه الآية ، قاله مقاتل . فأما الحسنى ، فهي تأنيث الأحسن . ومعنى الآية أن أسماء الله حسنى ، وليس المراد أن فيها ما ليس [ ص: 293 ] بحسن . وذكر الماوردي أن المراد بذلك ما مالت إليه النفوس من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة وقوله: فادعوه بها أي: نادوه بها ، كقولك: يا الله ، يا رحمن .

قوله تعالى: وذروا الذين يلحدون في أسمائه قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر: " يلحدون " بضم الياء ، وكذلك في [النحل:103] و[السجدة ][فصلت:40] . وقرأ حمزة: "يلحدون " بفتح الحاء والياء فيهن ، ووافقه الكسائي ، وخلف في [النحل:103] . قال الأخفش: ألحد ولحد: لغتان; فمن قرأ بهما أراد الأخذ باللغتين ، فكأن الإلحاد: العدول عن الاستقامة . وقال ابن قتيبة: يجورون عن الحق ويعدلون; [فيقولون: اللات والعزى ومناة وأشباه ذلك] ومنه لحد القبر ، لأنه في جانب . قال الزجاج : ولا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يسم به نفسه ، فيقول: يا جواد ، ولا يقول: يا سخي; ويقول: يا قوي ، ولا يقول: يا جلد ، ويقول: يا رحيم ، ولا يقول: يا رفيق ، لأنه لم يصف نفسه بذلك . قال أبو سليمان الخطابي: ودليل هذه الآية أن الغلط في أسمائه والزيغ عنها إلحاد ، ومما يسمع على ألسنة العامة قولهم: يا سبحان ، يا برهان ، وهذا مهجور مستهجن لا قدوة فيه ، وربما قال بعضهم: يا رب طه ويس . وقد أنكر ابن عباس على رجل قال: يا رب القرآن . وروي عن ابن عباس أن إلحادهم في أسمائه أنهم سموا بها أوثانهم ، وزادوا فيها ونقصوا منها ، فاشتقوا اللات من الله ، والعزى من العزيز ، ومناة من المنان .

فصل

والجمهور على أن هذه الآية محكمة ، لأنها خارجة مخرج التهديد ، كقوله: ذرني [ ص: 294 ] ومن خلقت وحيدا [المدثر:11] ، وقد ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بآية القتال ، لأن قوله: وذروا الذين يلحدون في أسمائه يقتضي الإعراض عن الكفار ، وهذا قول ابن زيد .
وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون

قوله تعالى: وممن خلقنا أمة يهدون بالحق أي: يعملون به ، وبه يعدلون أي: وبالعمل به يعدلون . وفيمن أريد بهذه الآية أربعة أقوال .

أحدها: أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان من هذه الأمة ، قاله ابن عباس . وكان ابن جريج يقول: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه أمتي ، بالحق يأخذون ويعطون ويقضون" . وقال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تلا هذه الآية قال: "هذه لكم وقد أعطي القوم مثلها" ثم يقرأ: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [الأعراف:159] .

والثاني: أنهم من جميع الخلق ، قاله ابن السائب .

والثالث: أنهم الأنبياء . والرابع: أنهم العلماء ، ذكر القولين الماوردي .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.93 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]