عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 02-07-2022, 10:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,764
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الرابع
الحلقة (315)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 292 إلى صـ 298



وقول الآخر :

[ ص: 291 ]
تراه كأن الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه ثاب له وفر


يعني : ويفقأ عينيه .

ومن شواهده المشهورة قول الراجز :


علفتها تبنا وماء باردا حتى شتت همالة عيناها


يعني : وسقيتها ماء باردا ، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى : والذين تبوءوا الدار والإيمان الآية [ 59 \ 9 ] ؛ أي : وأخلصوا الإيمان ، أو ألفوا الإيمان ، ومثال ذلك في المخفوض قولهم : ما كل بيضاء شحمة ، ولا سوداء تمرة ؛ أي : ولا كل سوداء تمرة ، وإلى هذه المسألة أشار في الخلاصة بقوله :

وهي انفردت

بعطف عامل مزال قد بقي معموله دفعا لوهم اتقي

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ولهم مقامع من حديد [ 22 \ 21 ] المقامع : جمع مقمعة بكسر الميم الأولى ، وفتح الميم الأخيرة ، ويقال : مقمع بلا هاء ، وهو في اللغة : حديدة كالمحجن يضرب بها على رأس الفيل : وهي في الآية مرازب عظيمة من حديد تضرب بها خزنة النار رءوس أهل النار ، وقال بعض أهل العلم : المقامع : سياط من نار ، ولا شك أن المقامع المذكورة في الآية من الحديد لتصريحه تعالى بذلك .

وقوله تعالى : هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار الآية [ 22 \ 19 ] نزل في المبارزين يوم بدر ، وهم : حمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبيدة بن الحارث بن المطلب ، وفي أقرانهم المبارزين من الكفار ، وهم : عتبة بن ربيعة ، وابنه الوليد بن عتبة ، وأخوه شيبة بن ربيعة ، كما ثبت في الصحيحين ، وغيرهما .
قوله تعالى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق .

ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من أن أهل النار كلما أرادوا الخروج منها ، لما يصيبهم من الغم فيها عياذا بالله منها ، أعيدوا فيها ، ومنعوا من الخروج منها بينه في غير هذا الموضع ، كقوله في المائدة : إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم [ 5 \ 36 - 37 ] ، وقوله في السجدة : [ ص: 292 ] كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها [ 32 \ 20 ] ، وقوله في آية الحج هذه : وذوقوا عذاب الحريق [ 22 \ 22 ] حذف فيه القول .

والمعنى : أعيدوا فيها ، وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق ، وهذا القول المحذوف في الحج صرح به في السجدة في قوله تعالى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون [ 32 \ 20 ] والمفسرون يقولون : إن لهب النار يرفعهم ، حتى يكاد يرميهم خارجها ، فتضربهم خزنة النار بمقامع الحديد ، فتردهم في قعرها ، نعوذ بالله منها ، ومن كل ما يقرب إليها من قول وعمل .
قوله تعالى : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم . اعلم أن خبر " إن " في قوله هنا : إن الذين كفروا [ 22 \ 25 ] محذوف كما ترى .

والذي تدل عليه الآية أن التقدير : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ، نذيقهم من عذاب أليم . كما دل على هذا قوله في آخر الآية : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [ 22 \ 25 ] وخير ما يفسر به القرآن القرآن .

فإن قيل : ما وجه عطف الفعل المضارع على الفعل الماضي ، في قوله : إن الذين كفروا ويصدون .

فالجواب من أربعة أوجه ، واحد منها ظاهر السقوط :

الأول : هو ما ذكره بعض علماء العربية من أن المضارع قد لا يلاحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال ، فيدل إذ ذاك على الاستمرار ، ومنه : ويصدون عن سبيل الله [ 22 \ 25 ] ، وقوله : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله [ 13 \ 28 ] قاله أبو حيان وغيره .

الثاني : أن يصدون خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : إن الذين كفروا ، وهم يصدون ، وعليه فالجملة المعطوفة اسمية لا فعلية ، وهذا القول استحسنه القرطبي .

الثالث : أن يصدون مضارع أريد به الماضي ؛ أي : كفروا وصدوا . وليس بظاهر .

الرابع : أن الواو زائدة ، وجملة " يصدون " خبر " إن " أي : إن الذين كفروا يصدون [ ص: 293 ] الآية . وهذا هو الذي قدمنا أنه ظاهر السقوط ، وهو كما ترى ، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من أن من أعمال الكفار الصد عن سبيل الله ، وعن المسجد الحرام بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى : وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله الآية [ 2 \ 217 ] ، وقوله تعالى : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله [ 48 \ 25 ] ، وقوله تعالى : ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا الآية [ 5 \ 2 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : سواء العاكف فيه والبادي [ 22 \ 25 ] قرأه عامة السبعة غير حفص عن عاصم : سواء ، بضم الهمزة ، وفي إعرابه على قراءة الجمهور هذه برفع " سواء " وجهان :

الأول : أن قوله : العاكف : مبتدأ ، والباد : معطوف عليه ، و : " سواء " خبر مقدم ، وهو مصدر أطلق وأريد به الوصف .

فالمعنى : العاكف والبادي سواء ؛ أي : مستويان فيه ، وهذا الإعراب أظهر الوجهين .

الثاني : أن " سواء " مبتدأ و " العاكف " فاعل سد مسد الخبر ، والظاهر أن مسوغ الابتداء بالنكرة التي هي " سواء " على هذا الوجه : هو عملها في المجرور الذي هو فيه ؛ إذ المعنى : سواء فيه العاكف والبادي ، وجملة المبتدأ وخبره في محل المفعول الثاني لـ " جعلنا " وقرأ حفص عن عاصم : " سواء " بالنصب ، وهو المفعول الثاني لـ " جعلنا " التي بمعنى صيرنا . والعاكف فاعل " سواء " أي : مستويا فيه العاكف والبادي ، ومن كلام العرب : مررت برجل سواء هو والعدم ، ومن قال : إن " جعل " في الآية تتعدى إلى مفعول واحد قال : إن " سواء " حال من الهاء في : جعلناه ؛ أي : وضعناه للناس في حال كونه سواء العاكف فيه والبادي كقوله : إن أول بيت وضع للناس الآية [ 3 \ 96 ] وقال بعض أهل العلم : إن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية الكريمة يشمل جميع الحرم ; ولذلك أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن رباع مكة لا تملك ، وقد قدمنا الكلام مستوفى في هذه المسألة وأقوال أهل العلم فيها ، ومناقشة أدلتهم في سورة الأنفال ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا ، والعاكف : هو المقيم في الحرم ، والبادي : الطارئ عليه من البادية ، وكذلك غيرها من أقطار الدنيا .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : " والبادي " قرأه أبو عمرو وورش عن نافع بإثبات الياء بعد الدال في الوصل ، وإسقاطها في الوقف ، وقرأه ابن كثير بإثباتها وصلا ووقفا ، [ ص: 294 ] وقرأه باقي السبعة بإسقاطها ، وصلا ووقفا .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [ 22 \ 25 ] قد أوضحنا إزالة الإشكال عن دخول الباء على المفعول في قوله : بإلحاد ، ونظائره في القرآن ، وأكثرنا على ذلك من الشواهد العربية في الكلام على قوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة [ 19 \ 25 ] فأغنى ذلك عن إعادته هنا .

والإلحاد في اللغة أصله : الميل ، والمراد بالإلحاد في الآية : أن يميل ويحيد عن دين الله الذي شرعه ، ويعم ذلك كل ميل وحيدة عن الدين ، ويدخل في ذلك دخولا أوليا الكفر بالله ، والشرك به في الحرم ، وفعل شيء مما حرمه ، وترك شيء مما أوجبه . ومن أعظم ذلك : انتهاك حرمات الحرم . وقال بعض أهل العلم : يدخل في ذلك احتكار الطعام بمكة ، وقال بعض أهل العلم : يدخل في ذلك قول الرجل : لا والله ، و : بلى والله . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان له فسطاطان : أحدهما في طرف الحرم ، والآخر في طرف الحل ، فإذا أراد أن يعاتب أهله أو غلامه فعل ذلك في الفسطاط الذي ليس في الحرم ، يرى أن مثل ذلك يدخل في الإلحاد فيه بظلم .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الذي يظهر في هذه المسألة أن كل مخالفة بترك واجب ، أو فعل محرم تدخل في الظلم المذكور ، وأما الجائزات كعتاب الرجل امرأته ، أو عبده ، فليس من الإلحاد ، ولا من الظلم .
مسألة

قال بعض أهل العلم : من هم أن يعمل سيئة في مكة ، أذاقه الله العذاب الأليم بسبب همه بذلك وإن لم يفعلها ، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع ، فلا يعاقب فيه بالهم . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لو أن رجلا أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم ، وهذا ثابت عن ابن مسعود ، ووقفه عليه أصح من رفعه ، والذين قالوا هذا القول استدلوا له بظاهر قوله تعالى : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [ 22 \ 25 ] لأنه تعالى رتب إذاقة العذاب الأليم على إرادة الإلحاد بالظلم فيه ترتيب الجزاء على شرطه ، ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم : إن الباء في قوله : " بإلحاد " لأجل أن الإرادة مضمنة معنى الهم ؛ أي : ومن يهمم فيه بإلحاد ، وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره .

[ ص: 295 ] فهذه الآية الكريمة مخصصة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : " ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة " الحديث ، وعليه فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي ، ووجه هذا ظاهر .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : ويحتمل أن يكون معنى الإرادة في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد [ 22 \ 25 ] العزم المصمم على ارتكاب الذنب فيه ، والعزم المصمم على الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع الله ؛ مكة وغيرها .

والدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزما مصمما عليه أنها كارتكابه حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . قالوا : يا رسول الله ، قد عرفنا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " . فقولهم : ما بال المقتول : سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه النار مع أنه لم يفعل القتل ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " أن ذنبه الذي أدخله النار هو عزمه المصمم وحرصه على قتل صاحبه المسلم . وقد قدمنا مرارا أن " إن " المكسورة المشددة تدل على التعليل كما تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه .

ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه ، ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل ، بسبب طير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل [ 105 \ 4 ] لعزمهم على ارتكاب المناكر في الحرم ، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه ، والعلم عند الله تعالى . والظاهر أن الضمير في قوله : فيه راجع إلى المسجد الحرام ، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك . والله تعالى أعلم .
قوله تعالى : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ؛ أي اذكر حين بوأنا ، تقول العرب : بوأت له منزلا ، وبوأته منزلا ، وبوأته في منزل ، بمعنى واحد ، كلها بمعنى : هيأته له ومكنت له فيه وأنزلته فيه ، فتبوأه ؛ أي : نزله ، وتبوأت له منزلا أيضا : هيأته له وأنزلته فيه . فـ " بوأه " المتعدي بنفسه ، كقوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا الآية [ 29 \ 58 ] ، وقوله : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة الآية [ 16 \ 42 ] ومنه قول عمرو بن معديكرب الزبيدي :

[ ص: 296 ]
كم من أخ لي ماجد بوأته بيدي لحدا


؛ أي : هيأته له وأنزلته فيه .

وبوأت له . كقوله هنا : وإذ بوأنا لإبراهيم الآية [ 22 \ 26 ] .

وبوأته فيه . كقول الشاعر :


وبوئت في صميم معشرها وتم في قومها مبوؤها


؛ أي : نزلت من الكرم في صميم النسب ، وتبوأت له منزلا كقوله تعالى : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا [ 10 \ 78 ] .

وتبوأه . كقوله : وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء الآية [ 39 \ 74 ] ، وقوله تعالى : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء [ 12 \ 56 ] ، وقوله تعالى : والذين تبوءوا الدار والإيمان الآية [ 59 \ 9 ] .

وأصل التبوء من المباءة : وهي منزل القوم في كل موضع ، فقوله : بوأنا لإبراهيم مكان البيت [ 22 \ 26 ] ؛ أي : هيأناه له وعرفناه إياه ; ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة ، حين أمرناه ببنائه ، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه .

والمفسرون يقولون : بوأه له وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق الأساس ، حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرسا ، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه . وقيل : أرسل له مزنة فاستقرت فوقه ، فكان ظلها على قدر مساحة البيت ، فحفرا عن الأساس فظهر لهما فبنياه عليه . وهم يقولون أيضا : إنه كان مندرسا من زمن طوفان نوح ، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم ، والله تعالى أعلم .

وغاية ما دل عليه القرآن : أن الله بوأ مكانه لإبراهيم ، فهيأه له وعرفه إياه ليبنيه في محله ، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله . وظاهر قوله حين ترك إسماعيل وهاجر في مكة ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم [ 14 \ 37 ] يدل على أنه كان مبنيا واندرس ، كما يدل عليه قوله هنا مكان البيت [ 22 \ 26 ] لأنه يدل على أن له مكانا سابقا ، كان معروفا . والله أعلم .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين الآية ، متعلق بمحذوف ، وقد دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة ; وهي قوله تعالى : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين [ 2 \ 125 ] فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت [ 22 \ 26 ] وعهدنا إليه ؛ أي : أوصيناه ، أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ، وزادت آية [ ص: 297 ] البقرة : أن إسماعيل مأمور بذلك أيضا مع أبيه إبراهيم ، وإذا عرفت أن المعنى : وعهدنا إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئا ، وطهر بيتي الآية .

فاعلم أن في " أن " وجهين :

أحدهما : أنها هي المفسرة ، وعليه فتطهير البيت من الشرك وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم ؛ أي : والعهد هو إيصاؤه بالتطهير المذكور .

والثاني : أنها مصدرية بناء على دخول " أن " المصدرية على الأفعال الطلبية .

وإن قيل : كيف تكون مفسرة للعهد إلى إبراهيم ، وهو غير مذكور هنا ؟

فالجواب : أنه مذكور في سورة البقرة في المسألة بعينها ، والقرآن يفسر بعضه بعضا ، فالمذكور هناك كأنه مذكور هنا ; لأن كلام الله يصدق بعضه بعضا ، والتطهير هنا في قوله : وطهر بيتي يشمل التطهير المعنوي والحسي ، فيطهره الطهارة الحسية من الأقذار ، والمعنوية من الشرك والمعاصي ؛ ولذا قال لا تشرك بي شيئا [ 22 \ 26 ] وكانت قبيلة جرهم تضع عنده الأصنام تعبدها من دون الله ، وقد قدمنا في سورة الإسراء الكلام مستوفى فيما كان عند الكعبة من الأصنام عام الفتح ، وطهرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنجاس الأوثان وأقذارها . كما أمر الله بذلك إبراهيم هنا ، وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم الآية [ 16 \ 123 ] والمراد بالطائفين في هذه الآية : الذين يطوفون حول البيت ، والمراد بالقائمين والركع السجود : المصلون ؛ أي : طهر بيتي للمتعبدين بطواف أو صلاة ، والركع : جمع راكع ، والسجود : جمع ساجد .

وقوله تعالى في هذه الآية : لا تشرك بي شيئا لفظة " شيئا " مفعول به : لـ " لا تشرك " ؛ أي : لا تشرك بي من الشركاء كائنا ما كان ، ويحتمل أن تكون ما ناب عن المطلق من : لا تشرك ؛ أي : لا تشرك بي شيئا من الشرك ، لا قليلا ، ولا كثيرا .

فالمعنى على هذا : لا تشرك بي شركا قليلا ، ولا كثيرا ، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص ، وابن عامر في رواية هشام : بيتي بفتح الياء ، وقرأ باقي السبعة بإسكانها .

واعلم أن المؤرخين لهم كلام كثير في قصة بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت ، ومن جملة ما يزعمون ، أن البيت الحرام رفعه الله إلى السماء أيام الطوفان ، وأنه كان من ياقوتة حمراء ، ودرج على ذلك ناظم عمود النسب فقال :


ودلت إبراهيم مزنة عليه فهي على قدر المساحة تريه


[ ص: 298 ] وقيل دلته خجوج كنست ما حوله حتى بدا ما أسست
قبل الملائك من البناء قبل ارتفاعه إلى السماء


ومعلوم أن هذا ونحوه شبيه بالإسرائيليات لا يصدق منه إلا ما قام دليل من كتاب أو سنة على صدقه ، ولذلك نقلل من ذكر مثل ذلك في الغالب .
مسألة

يؤخذ من هذه الآية الكريمة : أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار ، ولا نجس من الأنجاس المعنوية ولا الحسية ، فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضي الله ، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات .

ولا شك أن دخول المصورين في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام بآلات التصوير يصورون بها الطائفين والقائمين والركع السجود - أن ذلك مناف لما أمر الله به من تطهير بيته الحرام للطائفين والقائمين والركع السجود ، فانتهاك حرمة بيت الله بارتكاب حرمة التصوير عنده لا يجوز ; لأن تصوير الإنسان دلت الأحاديث الصحيحة على أنه حرام ، وظاهرها العموم في كل أنواع التصوير ، ولا شك أن ارتكاب أي شيء حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من الأقذار والأنجاس المعنوية التي يلزم تطهير بيت الله منها . وكذلك ما يقع في المسجد من الكلام المخل بالدين والتوحيد لا يجوز إقرار شيء منه ولا تركه .

ونرجو الله لنا ولمن ولاه الله أمرنا ، ولإخواننا المسلمين التوفيق إلى ما يرضيه في حرمه ، وسائر بلاده ، إنه قريب مجيب .
قوله تعالى : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق

الأذان في اللغة : الإعلام : ومنه قوله تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر وقول الحارث بن حلزة :


آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.36 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.83%)]