عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 01-07-2022, 08:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,485
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد


شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج (1)
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 409الى صــ 422
(25)

(فَصْلٌ)
وَأَمَّا التَّطَيُّبُ فَقَدْ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: وَإِنْ شَاءَ تَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْمُحْرِمِ: الطِّيبُ أَحَبُّ إِلَيْكَ لَهُ أَمْ تَرْكُ الطِّيبِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَنَذْهَبُ فِيهِ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ حَنْبَلٌ، وَإِنَّ
مَا لَمْ يُؤَكِّدْهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَفِي مُرَاعَاتِهِ نَوْعُ مَشَقَّةٍ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِحَيْثُ لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ بِخِلَافِ الِاغْتِسَالِ وَالتَّنْظِيفِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ بِمَا شَاءَ مِنْ طِيبِ الرِّجَالِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَبْقَى أَثَرُهُ أَوْ لَا يَبْقَى؛ لِمَا رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: " كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَطْيَبِ] مَا
أَقْدِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ يُحْرِمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، ثُمَّ أَرَى وَبِيصَ الدُّهْنِ فِي لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ " وَفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْهَا: " كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَ
لَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهًا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَانَا» رَوَاهُ ... وَأَبُو دَاوُدَ.
وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: " «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ دُرَّةَ قَالَتْ: [كُنْتُ أُغَلِّفُ رَأْسَ عَائِشَةَ بِالْمِسْكِ وَالصَّبِرِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا، وَعَنْ عَائِشَةَ ابْنَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ] قَالَتْ: " كُنْتُ أَسْحَقُ لَهُ الْمِسْكَ - يَعْنِي سَعْدًا - بِالْبَانِ الْجَيِّدِ فَأُضَمِّخُ مِنْهُ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ وَأُجَمِّرُ حُلَّتَهُ، فَيَرُوحُ فِيهَا مُهِلًّا ".

وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: " رَأَيْتُ فِي رَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَلِحْيَتِهِ مِنَ الطِّيبِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ لَاتَّخَذَ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ ".
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: " قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ: ادَّهِنْ بِأَيِّ دُهْنٍ شِئْتَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: " ادَّهِنْ بِالزَّيْتِ ".
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأُصَعْصِعُهُ فِي رَأْسِي، ثُمَّ أُحِبُّ بَقَاءَهُ ".
«وَعَنِ ابْنِ الْمُنْتَشِرِ قَالَ: " سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: مَا تَقُولُ فِي الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا يَنْضَحُ مِنِّي الطِّيبُ، وَفِي لَفْظٍ: لَأَنْ أُصْبِحَ مَطْلِيًّا بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَحُ طِيبًا، فَلَمَّا سَمِعَ ذَاكَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَنَا أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَكَتَ» ". رَوَاهُنَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ دُونَ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا طَ
يَّبَ الثَّوْبَ فَرُبَّمَا خَلَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الطِّيبَ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِحْيَتِهِ.
قَالُوا: وَإِنْ طَيَّبَهُمَا جَازَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، فَلَوْ كَانَ تَطْيِيبُ الثَّوْبِ مَشْرُوعًا لَمَا نَهَى عَنْ لُبْسِهِ.
قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَطَيَّبَ كَالرَّجُلِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهَا لَا تَقْرُبُ مِنَ الرِّجَالِ بِخِلَافِ الطِّيبِ عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، فَإِنَّهُنَّ يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ فَكُرِهَ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْتَضِبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَيِّمًا أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ ... .
فَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْرِمَةِ فَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْخِضَابُ إِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَتْ أَيِّمًا.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا التَّجَرُّدُ عَنِ الْمَخِيطِ وَلِبَاسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ نَظِيفَيْنِ أَبْيَضَيْنِ: فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثٍ لَهُ ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ أَحْرَمُوا فِي الْأُزُرِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالنِّعَالِ، وَلِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَالْمَنْكِبَيْنِ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَسَتْرَهُمَا بِالْمَخِيطِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِإِزَارٍ، وَمَنْكِبَيْهِ بِرِدَاءٍ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ وَالْخِرَقِيُّ وَالشَّيْخُ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمُ الْأَمْرَ بِالْإِحْرَامِ فِي نَعْلَيْنِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ، وَإِنَّمَا يُشْرَعُ ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَمْشِيَ وَيَنْتَعِلَ، وَمَنْ أَرَادَ الرُّكُوبَ أَوِ الْمَشْيَ حَافِيًا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَلَهُ أَنْ لَا يَنْتَعِلَ بِخِلَافِ اللِّبَاسِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَإِنَّمَا اسْتَ
حَبَّ أَصْحَابُنَا الْبَيَاضَ ... .
وَسَوَاءٌ كَانَا جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ ... .
وَإِنْ أَحْرَمَ فِي مُلَوَّنٍ لَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ: فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
وَإِنَّمَا اسْتَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَا نَظِيفَيْنِ مِنَ النَّجَاسَةِ وَمِنَ الْوَسَخِ ... .
[مَسْأَلَةٌ يستحب الإحرام بعد الصلاة]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمُ عَقِيبَهُمَا؛ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِحْرَامَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ وَيَشْتَرِطَ فَيَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ فَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي).

فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِحْرَامُ بَعْدَ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا حَجَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ - كَمَا سَيَأْتِي - ثُمَّ أَحْرَمَ عَقِبَ ذَلِكَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الظُّهْرِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّا
قَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ يَعْنِي التَّلْبِيَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ثُمَّ إِنْ حَضَرَتْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ أَحْرَمَ عَقِيبَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ عَقِيبَ الْمَكْتُوبَةِ وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي مَعَ الْفَرْضِ شَيْئًا، وَإِنْ صَلَّى بَعْدَهَا سُنَّةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ ... ، وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْ مَكْتُوبَةٌ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِنْ كَانَ وَقْتُ صَلَاةٍ. فَإِنْ كَانَ وَقْتُ نَهْيٍ
، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا بَأْسَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : سَأَلْتُ أَبِي: يُحْرِمُ الرَّجُلُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ، وَقَدْ سُئِلَ: يُحْرِمُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا بَأْسَ.
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْإِحْرَامُ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْإِ
حْرَامُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي - رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - فَإِنْ وَافَقْتَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً صَلَّيْتَ، وَإِلَّا فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْمُتْعَةَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي وَأَعِنِّي عَلَيْهَا، تُسِرُّ ذَلِكَ فِي نَفْسِكَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَتَشْتَرِطُ عِنْدَ إِحْرَامِكَ تَقُولُ: إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي. وَإِنْ شِئْتَ أَهْلَلْتَ عَلَى رَاحَتِكَ، وَذَكَرَ فِي الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمْرَةً وَحَجًّا قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - إِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ فَإِنْ وَافَقَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً صَلَّى ثُمَّ أَحْرَمَ، وَإِنْ شَاءَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ [أَحْرَمَ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَمَا صَلَّى فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ فَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ] فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: فَإِنْ وَافَقَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً صَلَّى، ثُمَّ أَحْرَمَ وَإِنْ شَاءَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً فَإِنْ وَافَقَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً صَلَّى ثُمَّ أَحْرَمَ، وَإِنْ شَاءَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ فَلَبَّى تَلْبِيَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَجَعَلَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هَذِهِ النُّصُوصَ - مِنْهُ -: مُقْتَضِيَةً لِلِاسْتِحْبَابِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ [وَإِنْ شَاءَ أَحْرَمَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ بَدَأَ بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ ثُمَّ جَوَّزَ الْآخَرَ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ الْإِحْرَامُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ] بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ عَقِيبَهُمَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ زَائِدًا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَحْرَمَ عِنْدَ اسْتِوَاءِ نَاقَتِهِ وَانْبِعَاثِهَا بِهِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَشْرُوعًا فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَتَقْدِيمُهُ أَفْضَلُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - وَقَدْ سُئِلَ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: الْإِحْرَامُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، أَوْ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ
نَاقَتُهُ؟ -[قَالَ: كُلٌّ قَدْ جَاءَ دُبُرَ الصَّلَاةِ وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ] وَإِذَا عَلَا الْبَيْدَاءَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
وَلَفْظُ أَبِي الْخَطَّابِ: وَعَنْهُ أَنَّ إِحْرَامَهُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ وَإِذَا بَدَأَ فِي السَّيْرِ سَوَاءً، وَلَفْظُ غَيْرِهِ فِيهَا: أَنَّ الْإِحْرَامَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ وَحِينَ تَسْتَوِي بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ سَوَاءٌ.
وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا حَكَيْنَا، وَأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ: أَنْ يُحْرِمَ دُبُرَ
الصَّلَاةِ، وَمَعْنَى قَوْلِنَا إِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ: أَنَّهَا الْحَالُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْمَسِيرِ.
وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ يَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ يُقَلِّدُ بَدَنَتَهُ ثُمَّ يُشْعِرُ ثُمَّ يُحْرِمُ هَكَذَا الْأَمْرُ، هَكَذَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَعَلَى هَذَا: يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ إِذَا رَكِبَ وَأَرَادَ الْأَخْذَ فِي السَّيْرِ؛ لِأَنَّ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ وَإِشْعَارَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ جَعَلَ الْإِحْرَامَ بَعْدَهُ.
وَإِذَا أَحْرَمَ دُبُرَ الصَّلَاةِ فَفِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ التَّلْبِيَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُلَبِّي إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، قَالَهُ الْخِرَقِيُّ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ قَالَ: قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مُحْرِمًا بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ إِذَا عَزَمَ عَلَى الْإِحْرَامِ وَقَدْ يُلَبِّي الرَّجُلُ وَلَا يُحْرِمُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ يَعْزِمُ عَلَى الْإِحْرَامِ، فَإِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ لَبَّى.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَ حَالٍ تُشْرَعُ فِيهَا التَّلْبِيَةُ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْبَيْدَاءِ لَا فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُلَبِّي عَقِيبَ إِحْرَامِهِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ نَصَّ
فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَصِلُ الْإِحْرَامَ بِالتَّلْبِيَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا أَحْرَمَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ أَيُلَبِّي سَاعَةَ يُسَلِّمُ أَمْ مَتَى؟ قَالَ: يُلَبِّي مَتَى شَاءَ سَاعَةَ يُسَلِّمُ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَسَهَّلَ فِيهِ.
وَأَكْثَرُ نُصُوصِ أَحْمَدَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَمَنَ الْإِحْرَامِ هُوَ زَمَنُ التَّلْبِيَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ -: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالْإِهْلَالِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَعَلَى الرَّاحِلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُحْرِمُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ وَيُلَبِّي إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.03%)]