عرض مشاركة واحدة
  #78  
قديم 29-06-2022, 12:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,056
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد



المحرر في أسباب نزول القرآن
المؤلف: خالد بن سليمان المزيني
المجلد الاول

سورة النساء
من صــ 430 الى صـ 437
الحلقة (78)


63 - قال الله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97)
* سبب النزول:

أخرج البخاري والنسائي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأتي السهم فيرمى فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضربه فيقتله، فأنزل الله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم).
* دراسة السبب:
هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد هذا الحديث في سبب نزولها الطبري والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
والناظر المتأمل في الآية والحديث يجد أن الآية تتحدث عن الهجرة فقط بقوله: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) بينما الحديث يزيد على ذلك ذكر القتال لقوله: فيأتي السهم، إلى آخره.
ولهذا قصر السعدي الوعيد في الآية على ترك الهجرة موافقة للآية فقال: (هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه، يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم ويقولون لهم: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم، فحيثما كان العبد في محل، لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعا وفسحة من الأرض، يتمكن فيها من عبادة الله كما قال تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) اهـ بتصرف.
وذهب أكثر المفسرين إلى أن الآية نازلة في قوم آمنوا بمكة ولم يهاجروا إلى المدينة مع قدرتهم على ذلك فمنهم من مات بمكة ومنهم من خرج به المشركون إلى بدر قهرا فقتل هناك.
قال الطبري: (وذكر أن هاتين الآيتين (يعني الآية التي معنا والتي بعدها) والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا، وآمنوا بالله ورسوله، وتخلفوا عن الهجرة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين هاجر، وعرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المسلمين فأبى الله قبول معذرتهم التي اعتذروا بها التي بينها في قوله خبرا عنهم: (قالوا كنا مستضعفين في الأرض) اهـ.
وقال البغوي: (نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا منهم فلان وفلان، فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار) اهـ بتصرف.
وقال ابن عطية: (المراد بهذه الآية جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان به، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار فقتلوا ببدر فنزلت الآية فيهم) اهـ.
وهذا الكلام المتقدم يتفق مع سبب النزول.
والظاهر - والله أعلم - أن في سبب النزول اختصارا ومحل هذا الاختصار قصة خروجهم (أعني المسلمين) مع المشركين يوم بدرة لأن الحديث نص في أن السهم يرمى فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، والقسمة العقلية في مثل هذا لا تحتمل إلا طرفين لا وسط بينهما فإما أن يكون هؤلاء القتلى المذكورون في الحديث مسلمين يقاتلون في جيش المسلمين فهم شهداء لا يستحقون التثريب والعتاب بل حقهم الثناء والثواب، وهذا لم تدل عليه الآية.
وإما أن يكون هؤلاء مسلمين خرجوا في جيش المشركين فقتلوا فاستحقوا التقريع والتوبيخ. وهذا الذي دلت عليه الآية بقوله: (ظالمي أنفسهم) وبقوله: (فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا).
فإن قيل: الآية لم تتحدث عن خروجهم مع المشركين إلى بدر وإنما تحدثت عن تركهم الهجرة.
فالجواب: أن هذا صحيح لأن أصل المعصية هو تركهم الهجرة فلو كانوا قد هاجروا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ما استطاع المشركون إكراههم على الخروج معهم ولم يكن لهم سبيل إلى ذلك، فالآية تحدثت عن أصل الذنب وتركت ما ترتب عليه.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة حديث ابن عباس المذكور لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، واتفاق جمهور المفسرين على القول به، وعدم اختلافه مع لفظ الآية. والله أعلم.
* * * * *

64 - قال الله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102)
* سبب النزول:

أخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل - عليه السلام - بهذه الآيات بين الظهر والعصر: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفين، قال: ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع، فرفعنا جميعا، ثم سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، قال: ثم ركع، فركعوا جميعا، ثم رفع، فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلس، جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم، ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم.
* دراسة السبب:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرهم لهذه الآية لكن منهم من ساق الحديث باعتباره صفة من صفات صلاة الخوف كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية دون إشارة واضحة إلى أنه سبب نزول الآية.
ومنهم من ساق الحديث باعتباره سبب نزولها كالقرطبي فإنه ذكر الحديث عند تفسيره للآية إلى أن قال: (فنزل جبريل - عليه السلام - بهذه الآية بين الظهر والعصر (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) وقال: وهذا كان سبب إسلام خالد - رضي الله عنه -) اهـ.
وابن كثير فإنه قال: (ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولا قبل ذكر صفتها ثم ساق حديثا عن علي - رضي الله عنه - في نزولها وقال في آخره وهذا سياق غريب جدا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت. ثم ساق الحديث إلى أن قال في آخره، وهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة) اهـ.
وابن عاشور فقد قال: (إن سببها (يعني الآية) أن المشركين لما رأوا حرص المسلمين على الصلاة قالوا: هذه الصلاة فرصة لنا لو أغرنا عليهم لأصبناهم على غرة فأنبأ الله بذلك نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونزلت الآية) اهـ.
والحديث كما تبين من دراسة إسناده معلول بعلتين:
الأولى: الانقطاع بين مجاهد وأبي عياش، الثانية: إعلاله بالإرسال فمن نظر إلى هاتين العلتين جزم بضعفه، ومن نظر إلى تصحيح الحديث من قبل بعض الأئمة الكبار واشتهاره عند أئمة التفسير ورواة الأخبار والسير كاد يجزم بأنه صحيح.
والظاهر - والله أعلم - أن الحديث من مراسيل مجاهد ولا يمنع هذا أن يكون للحديث أصلا إذا علمنا أن مجاهدا ممن قرأ التفسير على ابن عباس - رضي الله عنهما - ووقفه عند كل آية، مع ما يحتف بهذا من تصحيح الأئمة الكبار له واشتهاره عند المفسرين وأهل السير.
* النتيجة:
أن الحديث سبب نزول الآية الكريمة وإن كان من مراسيل مجاهد لكنه يعتضد بإمامته في التفسير وتلقيه عن ابن عباس وموافقته لسياق القرآن واشتهاره عند المفسرين وأهل السير والمغازي، مع تصحيح بعض الأئمة الكبار له مما يشعر أن للحديث أصلا، والله أعلم.
* * * * *



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.04 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.12%)]