
27-06-2022, 09:14 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,290
الدولة :
|
|
رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله

تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 1029 الى صـ 1035
الحلقة (187)
ثم كرر عليهم سبحانه أن هذا الذي أصابهم إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم وبسبب أعمالهم فقال : القول في تأويل قوله تعالى :
[ 165 ] أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير
أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا الهمزة للتقريع والتقرير ، والواو عاطفة للجملة على ما سبق من قصة أحد ، أو على محذوف مثل : أفعلتم : كذا وقلتم . و ( لما ( ظرفه المضاف إلى أصابتكم ، أي : حين أصابتكم مصيبة ، وهي قتل سبعين منكم يوم أحد ، والحال أنكم نلتم ضعفيها يوم بدر من قتل سبعين منهم وأسر سبعين - : من أين هذا أصابنا وقد وعدنا الله النصر : قل هو من عند أنفسكم أي : مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز ، فإن الوعد كان مشروطا بالثبات والمطاوعة .
قال ابن القيم : وذكر سبحانه هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السورة المكية فقال : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقال : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فالحسنة والسيئة ههنا النعمة والمصيبة ، فالنعمة من الله من بها عليك ، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك ، فالأول فضله ، والثاني عدله ، والعبد يتقلب بين فضله وعدله ، جار عليه فضله ، ماض فيه حكمه ، عدل فيه قضاؤه . وختم الآية الأولى بقوله : إن الله على كل شيء قدير بعد قوله : قل هو من عند أنفسكم إعلاما لهم بعموم قدرته مع عدله ، وأنه عادل قادر ، وفي ذلك إثبات القدر والسبب . فذكر السبب وأضافه إلى نفوسهم ، وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه ، فالأول [ ص: 1030 ] ينفي الجبر ، والثاني ينفي القول بإبطال القدر ، فهو شاكل قوله : لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وفي ذكر قدرته ههنا نكتة لطيفة ، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته ، وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم ، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره ، ولا تتكلوا على سواه ، وكشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله : القول في تأويل قوله تعالى :
[ 166 ] وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين
وما أصابكم يوم التقى الجمعان جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد : فبإذن الله أي : فهو كائن بقضائه وتخليته الكفار ، فالإذن هنا هو الإذن الكوني القدري ، لا الشرعي الديني ، كقوله في السحر : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير بقوله : وليعلم المؤمنين
[ ص: 1031 ]
القول في تأويل قوله تعالى :
[ 167 ] وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون
وليعلم الذين نافقوا أي : ليعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تميزا ظاهرا : وقيل لهم عطف على : ( نافقوا ) داخل معه في حيز الصلة . أو كلام مبتدأ : تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا يعني : إن لم تقاتلوا لوجه الله تعالى فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأموالكم : قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم أي : لكنه ليس إلا إلقاء النفس في التهلكة : هم أي : بهذا القول : للكفر في الظاهر : يومئذ أقرب منهم للإيمان في الظاهر مع أنه لا إيمان لهم في الباطن أصلا .
فائدتان :
الأولى : قال ابن كثير : استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر ، وفي حال أقرب إلى الإيمان .
الثانية : قال الواحدي : هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ، ولم يطلق القول بتكفيره ؛ لأنه تعالى لم يطلق القول بكفرهم ، مع أنهم كانوا كافرين ، لإظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله . انتهى .
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم أي : يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالإيمان ، وقوله : بأفواههم تأكيد على حد : ولا طائر يطير بجناحيه والله أعلم بما يكتمون
[ ص: 1032 ]
القول في تأويل قوله تعالى :
[ 168 ] الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين
الذين قالوا لإخوانهم أي : من أجل أقاربهم من قتلى أحد : وقعدوا أي : والحال قد قعدوا عنهم خذلانا لهم : لو أطاعونا أي : في الرجوع : ما قتلوا كما لم نقتل : قل كأنكم تزعمون ادعاء القدرة على دفع الموت : فادرءوا أي : ادفعوا : عن أنفسكم الموت أي : فإنها أقرب إليكم من أنفسهم : إن كنتم صادقين في أن الموت يغني منه حذر ، والمعنى : أن عدم قتلكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوبا عليكم ، لا بسبب أنكم دفعتموه بالقعود ، مع كتابته عليكم ، فإن ذلك مما لا سبيل إليه .
قال ابن القيم : وكان من الحكمة تقديره تعالى في هذه الواقعة تكلم المنافقين بما في نفوسهم ، فسمعه المؤمنون ، وسمعوا رد الله عليهم ، وجوابه لهم ، وعرفوا مواد النفاق ، وما يؤول إليه ، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة . فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة . فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة ، ونعمة على المؤمنين سابغة ، وكم فيها من تحذير وتخويف ، وإرشاد وتنبيه ، وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما .
القول في تأويل قوله تعالى :
[ 169 ] ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا كلام مستأنف مسوق لبيان أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون الناس منه ، ليس مما يحذر ، بل هو من أجل المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون ، إثر بيان أن الحذر لا يجدي ولا يغني ، أي : لا تحسبنهم أمواتا تعطلت أرواحهم : بل هم : أحياء فوق أحياء الدنيا لأنهم مقربون : عند ربهم [ ص: 1033 ] إذ بذلوا له أرواحهم ، لا بمعنى بقاء أرواحهم ورجوعها إليه ، لمشاركة أرواح غيرهم في ذلك ، بل بمعنى أنهم : يرزقون رزق الأحياء ، لا رزقا معنويا ، بل حقيقيا . كما روى ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش . فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم ، وحسن منقلبهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا ينكلوا عن الحرب . فقال الله - عز وجل - : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل الله هؤلاء الآيات : ولا تحسبن » ... إلخ . هكذا رواه الإمام أحمد ؛ ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه . وأخرج مسلم عن مسروق قال : سألنا عبد الله عن هذه الآية : ولا تحسبن الذين قتلوا إلخ . فقال : أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال : أرواحهم في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة ، فقال : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ ! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يا رب ! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى . فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « الشهداء على بارق - نهر بباب الجنة - فيه قبة خضراء ، يخرج إليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية » - تفرد به أحمد - ورواه ابن جريج بإسناد جيد .
قال ابن كثير : وكأن الشهداء أقسام : منهم من تسرح أرواحهم في الجنة ، ومنهم [ ص: 1034 ] من يكون على هذا النهر بباب الجنة ، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر ، فيجتمعون هنالك ، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح - والله أعلم - ثم قال : وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن ، بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها ، وتأكل من ثمارها ، وترى ما فيها من النضرة والسرور ، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة ، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم ، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة ، فإن الإمام أحمد رحمه الله رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله عن مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجرة الجنة حتى يرجعه الله - تبارك وتعالى - إلى جسده يوم يبعثه » . قوله : يعلق أي : يأكل . وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة ، وأما أرواح الشهداء ، فكما تقدم ، في حواصل طير خضر ، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين ، فإنها تطير بأنفسها . فنسأل الله الكريم المنان ، أن يميتنا على الإيمان - انتهى - .
تنبيه :
قال الواحدي : الأصح في حياة الشهداء ، ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أرواحهم في أجواف طير خضر ، وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون .
وقال البيضاوي : الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس ، بل هو جوهر مدرك بذاته ، لا يفنى بخراب البدن ، ولا يتوقف عليه إدراكه وتأمله والتذاذه ، ويؤيد ذلك قوله سبحانه وتعالى : النار يعرضون عليها الآية . وحديث : « أرواح الشهداء في أجواف طير » ... إلخ .
[ ص: 1035 ] قال الشهاب : يعني : ليس الإنسان مجرد البدن بدون النفس المجردة ، بل هو في الحقيقة النفس المجردة ، وإطلاقه على البدن لشدة التعلق بها ، وهو جوهر مدرك لذاته ، أي : من غير احتياج إلى هذا البدن ، لوصفه بعد مفارقته بالتنعم ونحوه - انتهى .
وقال أبو السعود : في الآية دلالة على أن روح الإنسان جسم لطيف ، لا يفنى بخراب البدن ، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه . ومن قال بتجريد النفوس البشرية يقول : المراد أن نفوس الشهداء تتمثل طيورا خضرا أو تتعلق بها فتلتذ بما ذكر - انتهى .
وقد أسلفنا في سورة البقرة ، في مثل هذه الآية ، زيادة على ذلك . فتذكر .
القول في تأويل قوله تعالى :
[ 170 ] فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون
فرحين بما آتاهم الله من فضله يعني : بما أعطاهم من الثواب والكرامة والإحسان الذين لا يغتم فيه بسلبه : ويستبشرون بالذين أي : بإخوانهم المجاهدين الذين : لم يلحقوا بهم لم يقتلوا فيلحقوا بهم : من خلفهم متعلق بيلحقوا والمعنى : أنهم بقوا من بعدهم وهم قد تقدموهم . أو لم يلحقوا بهم : لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم : ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون بدل من الذين ، بدل اشتمال مبين أن استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم ، والمعنى : ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين . وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة ، بشرهم الله بذلك ، فهم مستبشرون به . وفي ذلك حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على الجد في الجهد ، والرغبة في نيل منازل الشهداء .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|