عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 27-06-2022, 09:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,491
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 994 الى صـ 1000
الحلقة (182)



وقال القفال - رحمه الله - : كأنه قيل : إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد [ ص: 994 ] إلا أن الله تعالى سيلقي الرعب منكم بعد ذلك ، في قلوب الكافرين ، حتى يقهر الكفار ، ويظهر دينكم على سائر الأديان . وقد فعل الله ذلك ، حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل - انتهى - .

وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس كافة ، وأعطيت الشفاعة » .

الثانية : في ذكر عدم تنزيل الحجة مع استحالة تحققها في نفسها - إشعار بنفيها ونفي نزولها جميعا ، لأن ما لم ينزل به سلطانا ، لا سلطان له .

الثالثة : قال أبو السعود : في الآية إيذان بأن المتبع في الباب هو البرهان السماوي ، دون الآراء والأهواء الباطلة .

وقد سبقه إلى ذلك الرازي حيث قال : هذه الآية دالة على فساد التقليد . وذلك لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه ، فوجب أن يكون القول به باطلا ، وهذا إنما صح إذا كان القول بإثبات ما لا دليل على ثبوته ، يكون باطلا ، فيلزم فساد القول بالتقليد - انتهى - ثم أخبرهم أنه صدقهم وعده في النصر على عدوه ، وهو الصادق الوعد ، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزموا أمر الرسول لاستمرت نصرتهم ، ولكن انخلعوا عن الطاعة ، وفارقوا مركزهم ففارقهم النصر ، فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفا لهم سوء عواقب المعصية وحسن عاقبة الطاعة بقوله :

[ ص: 995 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 152 ] ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين

ولقد صدقكم الله وعده في قوله : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم إذ تحسونهم أي : تقتلونهم قتلا كثيرا . من ( حسه ) إذا أبطل حسه : بإذنه أي : بتيسيره وتوفيقه : حتى إذا فشلتم أي : ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة : وتنازعتم في الأمر أي : في الإقامة بالمركز ، فقال أصحاب عبد الله : الغنيمة . أي قوم ! الغنيمة . ظهر أصحابكم فما تنظرون ؟ قال عبد الله بن جبير : أنسيتم ما قال لكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ، فلما أتوهم صرفت وجوههم ، فأقبلوا منهزمين - رواه الإمام أحمد - .

و ( الأمر ) إما بمعنى : الشأن والقصة ، وإما الذي يضاده ( النهي ) أي : فيهم أمرتم به من عدم البراح : وعصيتم أي : أمر الرسول أن لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا ، فلا تعينونا - رواه البخاري - : من بعد ما أراكم ما تحبون أي : من الظفر والغنيمة ، وانهزام العدو . روى البخاري عن البراء قال : لقينا المشركين [ ص: 996 ] يومئذ ، وأجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - جيشا من الرماة ، وأمر عليهم عبد الله بن جبير ، وقال : لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم - بلفظ ما تقدم - ثم قال البراء : فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل ، رفعن عن سوقهن ، قد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون : الغنيمة الغنيمة ... الحديث منكم من يريد الدنيا أي : الغنيمة فترك المركز ومنكم من يريد الآخرة فثبت فيه ، وهم الذين نالوا شرف الشهادة ، ومنهم أنس بن النضر الأسد المقدام ، القائل وقتئذ : اللهم ! إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني : المسلمين ، وأبرأ إليك مما جاء به [ ص: 997 ] المشركون ، فتقدم بسيفه ، فلقي سعد بن معاذ فقال : أين يا سعد ؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد ! فمضى فقتل ، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه ، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم - هذا لفظ البخاري - وأخرجه مسلم بنحوه ، فرضي الله عنه وأرضاه وقدس روحه الزكية : ثم صرفكم عنهم أي : كفكم عنهم حتى حالت الحال ، ودالت الدولة . وفيه من اللطف بالمسلمين ما لا يخفى : ليبتليكم أي : ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا إلى الله ، وترجعوا إليه ، وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره ، وملتم إلى الغنيمة . ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم بقوله : ولقد عفا عنكم أي : تفضلا عليكم لإيمانكم : والله ذو فضل على المؤمنين أي : في الأحوال كلها ، إما بالنصرة إما بالابتلاء ، فإن الابتلاء فضل ولطف خفي ، ليتمرنوا بالصبر على الشدائد ، والثبات في المواطن ، ويتمكنوا في اليقين ، ويجعلوه ملكة لهم ، ويتحققوا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، ولا يميلوا إلى الدنيا وزخرفها ، ولا يذهلوا على الحق ، وليكون عقوبة عاجلة للبعض ، فيتمحصوا عن ذنوبهم ، وينالوا درجة الشهادة ، فيلقوا الله ظاهرين - أفاده القاشاني - .

لطائف :

الأولى : ( إذا ) في قوله تعالى : حتى إذا فشلتم إما شرط ، أو لا . وعلى الأول فجوابها إما محذوف أو مذكور . فتقديره على كونه محذوفا : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، منعكم الله نصره - لدلالة صدر الآية عليه - أو صرتم فريقين ، لأن قوله تعالى : منكم من يريد إلخ يفيد فائدته ويؤدي معناه ، وعلى كونه مذكورا فهو إما : وعصيتم والواو صلة ، وحكي هذا عن الكوفيين والفراء . قالوا : ونظيره قوله تعالى : فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم والمعنى : ناديناه .

[ ص: 998 ] وبعض من نصر هذا الوجه زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب ( حتى إذا ) بدليل قوله تعالى : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها أي : فتحت . وأجابوا عما أورد عليهم من لزوم تعليل الشيء بنفسه - إذ الفشل والتنازع معصية فكيف يكونان علة لها - بأن المراد من العصيان خروجهم عن ذلك المكان . ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عنه ، فلا لزوم . وإما قوله تعالى : صرفكم عنهم وكلمة ثم صلة - قاله أبو مسلم - .

وعلى الثاني : أعني : كونها ليست شرطا فهي اسم و ( حتى ) حرف جر بمعنى إلى ، متعلقة بقوله تعالى : صدقكم باعتبار تضمنه لمعنى النصر ، كأنه قيل : لقد نصركم الله إلى وقت فشلكم وتنازعكم .

الثانية : فائدة قوله تعالى : من بعد ما أراكم ما تحبون التنبيه على عظم المعصية ، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بإنجاز الوعد ، كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية ، فلما أقدموا عليها سلبوا ذلك الإكرام .

الثالثة : ظاهر قوله تعالى : ولقد عفا عنكم أنه تعالى عفا عنهم من غير توبة، لأنها لم تذكر ، فدل على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر .

الرابعة : في قوله تعالى : والله ذو فضل على المؤمنين دليل على أن صاحب الكبيرة مؤمن، فإن الذنب في الآية كان كبيرة - والله أعلم - .

ثم ذكرهم تعالى بحالهم وقت الفرار بقوله :

[ ص: 999 ]

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 153 ] إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون

إذ تصعدون متعلق بصرفكم أو بقوله ليبتليكم ، أو بمقدر . والإصعاد : الإبعاد في الأرض . أي : تبعدون في الفرار، وقرئ : تصعدون ، من الثلاثي، أي : في الجبل : ولا تلوون أي : لا تعطفون بالوقوف : على أحد أي : من قريب ولا بعيد، من الدهش والروعة : والرسول يدعوكم في أخراكم أي : ساقتكم وجماعتكم الأخرى، إلى ترك الفرار من الأعداء وإلى العود والكرة عليهم . وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير وثوقا بوعد الله ومراقبة له .

قال السدي : لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد، فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها . فجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس : « إلي عباد الله ! إلي عباد الله ! » فذكر الله صعودهم إلى الجبل - ثم ذكر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم فقال : إذ تصعدون إلخ .

قال ابن كثير : وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد .

وفي حديث البراء - رضي الله عنه - في مسند الإمام أحمد أنهم لما انهزموا لم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا . وروى مسلم عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد يوم أحد في سبعة من [ ص: 1000 ] الأنصار ورجلين من قريش : فأثابكم أي : جازاكم بهذا الهرب والفرار : غما بغم أي : غما متصلا بغم، يعني : غم الهزيمة والكسرة، وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمدا قتل . وقيل : الباء بمعنى مع ، وقيل : بمعنى على ، وهما قريبان من الأول . وقيل : الباء للمقابلة والعوض ، أي : أذاقكم غما بمقابلة غم أذقتموه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عصيانكم أمره . قاله الزجاج . وقال الحسن : يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين، وقيل : المعنى غما بعد غم أي : غما مضاعفا . ثم أشار إلى سر ذلك بقوله : لكيلا تحزنوا على ما فاتكم أي : لتتمرنوا بالصبر على الشدائد، والثبات فيها، وتتعودوا رؤية الغلبة والظفر والغنيمة، وجميع الأشياء من الله لا من أنفسكم، فلا تحزنوا على ما فاتكم من الحظوظ والمنافع . وقوله : ولا ما أصابكم من الغموم والمضار .

قال العلامة ابن القيم في ( زاد المعاد ) : وقيل : جازاكم غما بما غممتم به رسوله بفراركم عنه، وأسلمتموه إلى عدوه . فالغم الذي حصل لكم جزاء على الغم الذي أوقعتموه بنبيه . والقول الأول أظهر لوجوه :

أحدها : أن قوله : لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم تنبيه على حكمة هذا الغم بعد الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم من الظفر، وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح، فنسوا بذلك السلب، وهذا إنما يحصل بالغم الذي يعقبه غم آخر .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.31 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.97%)]