عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 27-06-2022, 08:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 987 الى صـ 993
الحلقة (181)

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 144 ] وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين

وما محمد إلا رسول والرسل منهم من مات ، ومنهم من قتل ، فلا منافاة بين الرسالة والقتل والموت ، إذ : قد خلت من قبله الرسل فسيخلو كما خلوا : أفإن مات أي : أتؤمنون به في حال حياته ، فإن مات : أو قتل انقلبتم أي : ارتددتم : على أعقابكم أي : بعد علمكم بخلو الرسل قبله ، وبقاء دينهم ، متمسكا به : ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب : وسيجزي الله الشاكرين بالنصر والغلبة في الدنيا ، والثواب والرضوان في الآخرة ، وهم الذين لم ينقلبوا ، بل قاموا بطاعته ، وقاتلوا على دينه ، واتبعوا رسوله حيا وميتا . وسماهم شاكرين لأنهم شكروا [ ص: 987 ] نعمة الإسلام الذي هو أجل نعمة وأعز معروف . والمعنى : أن من كان على يقين من دينه ، وبصيرة من ربه ، لا يرتد بموت الرسول وقتله ، ولا يفتر عما كان عليه ، لأنه يجاهد لربه لا للرسول ، كأصحاب الأنبياء السالفين ، كما قال أنس ( عم أنس بن مالك ، يوم أحد حين أرجف بقتل رسول الله عليه السلام وشاع الخبر ، وانهزم المسلمون ، وبلغ إليه تقاول بعضهم : ليت فلانا يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ، وقول المنافقين : لو كان نبيا ما قتل ) : يا قوم إن كان محمد قد قتل ، فإن رب محمد حي لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ، فقاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات عليه ، ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء هؤلاء ، ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل - أفاده القاشاني - .

[ ص: 988 ] روى ابن أبي نجيح عن أبيه أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه ، فقال له : يا فلان ! أشعرت أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان محمد قد قتل ، فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم ، فنزل : وما محمد الآية . ورواه أبو بكر البيهقي في ( دلائل النبوة ) .

قال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) :

ومنها : - أي : من الغايات في هذه الغزوة - أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قتل . بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ، يموتوا عليه ويقتلوا ، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حي لا يموت . فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه ، وما جاء به ، فكل نفس ذائقة الموت ، وما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم ليخلد ، لا هو ولا هم ، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد ، فإن الموت لا بد منه ، فسواء مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بقي ، ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه لما صرخ الشيطان بأن محمدا قد قتل ، فقال : وما محمد إلا رسول الآية - والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة ، فثبتوا عليها حتى ماتوا وقتلوا ، فظهر أثر هذا العتاب ، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتد من ارتد على عقبيه ، وثبت الشاكرون على دينهم ، فنصرهم الله وأعزهم ، وأظفرهم بأعدائهم وجعل العاقبة لهم - انتهى - .

وثبت في الصحيح أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - تلا هذه الآية يوم موت النبي - صلى الله عليه وسلم - . وتلاها منه الناس كلهم ، والحديث مشهور . ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل نفس أجلا ، لا بد أن تستوفيه وتلحق به ، فيرد الناس كلهم حوض المنايا موردا واحدا ، وإن تنوعت أسبابه ، ويصدرون عن موقف القيامة مصادر شتى ، فريق في الجنة وفريق في السعير ، بقوله :

[ ص: 989 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 145 ] وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين

وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله أي : بأمره وإرادته : كتابا مؤجلا مصدر مؤكد لمضمون ما قبله ، أي : كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر . وفي الآية تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال ، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه : ومن يرد أي : بعمله : ثواب الدنيا نؤته منها أي : ما نشاء أن نؤتيه ، ولم يكن له في الآخرة من نصيب ، وهو تعريض بمن حضر لطلب الغنائم : ومن يرد أي : بعمله : ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ونظير هذه الآية قوله تعالى : من كان يريد حرث الآخرة نـزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب وقوله سبحانه : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا

واعلم أن الآية ، وإن كان سياقها في الجهاد ولكنها عامة في جميع الأعمال ، وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب أو العقاب هو النيات والدواعي ، لا ظواهر الأعمال . ثم نعى عليهم تقصيرهم وسوء صنيعهم في صدودهم عن سنن الربانيين المجاهدين في سبيل الله مع الرسل الخالية - عليهم السلام - بقوله :

[ ص: 990 ]

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 146 ] وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين

وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير أي : كم من الأنبياء قاتل معهم ، لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه جماعتهم الأتقياء العباد : فما وهنوا أي : ضعفوا : لما أصابهم في سبيل الله من الجراح وشهادة بعضهم ، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ، ونصرة رسوله : وما ضعفوا أي : عن الجهاد أو العدو أو الدين : وما استكانوا للأعداء بل صبروا على قتالهم : والله يحب الصابرين على قتال أعدائه .

تنبيهات :

الأول : ( كأين ) بمعنى : ( كم ) الخبرية ، وفيها لغات ، قرئ منها في السبع كائن ممدودا مهموزا لابن كثير . والباقون بالتشديد . وفيها كلام كثير في معناها ولغاتها وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلا ووقفا ، وفي رسمها ، فانظر مواد ذلك .

الثاني : قرئ في السبع : ( قتل ) بالبناء للمجهول ونائب الفاعل : ربيون قطعا . وأما احتمال أن يكون ضميرا لنبي ومعه ربيون حال ، أو يكون على معنى التقديم والتأخير ، أي : وكائن من نبي معه ربيون قتل ؛ فتكلف ينبو عن سليم الأفهام . وتعسف يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله . وإن نقله القفال ، ونصره السهيلي وبالغ فيه . فما كل سوداء تمرة .

الثالث : ( الربيون ) بكسر الراء قراءة الجمهور ، وقرئ بضمها وفتحها ، فالفتح على القياس ، والكسر والضم من تغييرات النسب ، وهم الربانيون ، أي : الذين يعبدون الرب تعالى .

ثم أخبر سبحانه ، بعد بيان محاسنهم الفعلية ، بمحاسنهم القولية ، وهو ما استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم أن يثبت أقدامهم ، وأن ينصرهم على عدوهم ، فقال :

[ ص: 991 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 147 ] وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين

وما كان قولهم أي : هؤلاء الربانيين ، مثل قول المنافقين ولا المعجبين . و : ( قولهم ) بالنصب خبر لكان ، واسمها أن وما بعدها في قوله تعالى : إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين

قال ابن القيم : لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها ، وأنها نوعان : تقصير في حق ، أو تجاوز لحد . وأن النصر منوط بالطاعة ، قالوا : ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى ، وإن لم يثبت أقدامهم وينصرهم ، لم يقدروا على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم ، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم ، وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم ، لم يثبتوا ولم ينتصروا . فوفوا المقامين حقهما : مقام المقتضى ، وهو التوحيد ، والالتجاء إليه سبحانه . ومقام إزالة المانع من النصرة ، وهو الذنوب والإسراف - انتهى - .

قال القاضي : وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن ، سواء كان في الجهاد أو غيره .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 148 ] فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين

فآتاهم الله ثواب الدنيا من النصر والغنيمة ، وقهر العدو ، والثناء الجميل ، وانشراح الصدر بنور الإيمان ، وكفارة السيئات : وحسن ثواب الآخرة وهو الجنة وما فيها من النعيم المقيم . وتخصيص وصف الحسن بثواب الآخرة للإيذان بفضله ومزيته ، وأنه المعتد به عنده تعالى ، بخلاف الدنيا ؛ لقلتها وامتزاجها بالمضار ، وكونها منقطعة زائلة : [ ص: 992 ] والله يحب المحسنين إشارة إلى أن ما حكى عنهم من الأفعال والأقوال من باب الإحسان .

قال الرازي : فيه دقيقة لطيفة ، وهي أن هؤلاء لما اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا : ربنا اغفر لنا الآية - سماهم الله محسنين ، كأن الله تعالى يقول لهم : إذا اعترفت بإساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان وأجعلك حبيبا لنفسي حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز .

ثم حذرهم سبحانه ، إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء المفضي لسعادة الدارين ، من طاعة عدوهم . وأخبر أنه إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة . وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أحد ، بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 149 ] يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين

يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم أي : إلى الشرك . والارتداد على العقب علم في انتكاس الأمر ، ومثل في الحور بعد الكور : فتنقلبوا خاسرين لدين الإسلام ولمحبة الله ورضوانه وثوابه الدنيوي والأخروي . فلا تعتقدوا أنهم يوالونكم كما توالونهم . قال بعض المفسرين : ثمرة الآية الدلالة على أن على المؤمنين أن لا ينزلوا على حكم الكفار ، ولا يطيعوهم ، ولا يقبلوا مشورتهم ؛ خشية أن يستنزلوهم عن دينهم .

[ ص: 993 ]

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 150 ] بل الله مولاكم وهو خير الناصرين

بل الله مولاكم فأطيعوه : وهو خير الناصرين ينصركم خيرا من نصرهم لو نصروكم ، وكيف لا يكون خير الناصرين وهو ينصركم بغير قتال ، كما وعد بقوله : القول في تأويل قوله تعالى :

[ 151 ] سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينـزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين

سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب أي : الذي يمنعهم من الهجوم عليكم والإقدام على حرمكم : بما أشركوا بالله ما لم ينـزل به أي : بكونه إلها أو متصفا بصفاته أو مستحقا للعبادة : سلطانا أي : حجة قاطعة ينبني عليها الاعتقادات : ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين هي . والمثوى : المقر والمأوى والمقام . من ثوى يثوي .

لطائف :

الأولى : أفادت الآية أن ذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله ، وعلى قدر الشرك يكون الرعب . قال القاشاني : جعل إلقاء الرعب في قلوب الكفار مسببا عن شركهم لأن الشجاعة وسائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس لتنورها بنور التوحيد ، فلا تكون تامة إلا للموحد الموقن في توحيده . وأما المشرك فلأنه محجوب عن منيع القدرة بما أشرك بالله من الموجود المشوب بالعدم الذي لم يكن له بحسب نفسه قوة ، ولم ينزل الله بوجوده حجة ، فليس له إلا العجز والجبن وجميع الرذائل .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.59 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.97 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.87%)]