عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 26-06-2022, 08:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام


فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
الحلقة (149)

من صــ 369 الى صـ
ـ 376





وهذا مما احتج به نصارى نجران على النبي صلى الله عليه وسلم فاحتجوا بقوله تعالى (إنا)، (نحن) قالوا: وهذا يدل على أنهم ثلاثة، وكان هذا من المتشابه الذي اتبعوه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وتركوا المحكم المبين الذي لا يحتمل إلا واحدا، فإن الله في جميع كتبه الإلهية قد بين أنه إله واحد، وأنه لا شريك له، ولا مثل له.
وقوله: (إنا)، (نحن) لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا شركاء ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده تعالى.
قال تعالى:
{وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31].
وقال تعالى:
{ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما} [الفتح: 7].
فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنا، ونحن، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك فمالك الملك رب العالمين، رب كل شيء ومليكه هو أحق بأن يقول: إنا، ونحن، مع أنه ليس له شريك، ولا مثيل، بل له جنود السماوات والأرض.

وأيضا فمن المعلوم أن آدم لم يطلب أن يصير مثل الله ولا مثل صفاته كعلمه وحياته، وأيضا فليس في ظاهر اللفظ أن الله خاطب صفاته بتلك.
وأيضا فالصفة القائمة بالموصوف لا تخاطب ولا تخاطب، وإنما يخاطب الموصوف، ولم يكن قد خلق آدم ناسوت المسيح، ولا غيره من البشر حتى يخاطبه، فعلم أن دعواهم أن الله خاطب صفته التي سموها ابنا وروح قدس - كلام باطل، بل قد يخاطب ملائكته.
وآدم عليه السلام أراد ما أطمعه الشيطان من الخلد والملك، كما قال تعالى:
{فوسوس إليه الشيطان قال ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120].

[فصل: بيان المعنى الصحيح لتشبيه القرآن الكريم عيسى بآدم ورد تفسيرهم لذلك]
قالوا: وقال أيضا في موضع آخر:

{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} [آل عمران: 59]

فأعنى بقوله: {مثل عيسى} [آل عمران: 59] إشارة إلى البشرية المأخوذة من مريم الطاهرة، لأنه لم يذكر هاهنا اسم المسيح، إنما ذكر عيسى فقط.
كما أن آدم خلق من غير جماع ولا مباضعة، فكذلك جسد السيد المسيح خلق من غير جماع ولا مباضعة، وكما أن جسد آدم ذاق الموت، فكذلك جسد المسيح ذاق الموت، وقد يبرهن بقوله أيضا قائلا: إن الله ألقى كلمته إلى مريم، وذلك حسب قولنا معشر النصارى: إن كلمة الله الأزلية الخالقة حلت في مريم وتجسدت بإنسان كامل، وعلى هذا المثال نقول: في السيد المسيح طبيعتان: طبيعة لاهوتية:التي هي طبيعة كلمة الله وروحه، وطبيعة ناسوتية: التي أخذت من مريم العذراء واتحدت به، ولما تقدم به القول من الله تعالى على لسان موسى النبي، إذ يقول: (أليس هذا الأب الذي خلقك وبراك واقتناك) قيل: وعلى لسان داود النبي (روحك القدس لا تنزع مني) وأيضا على لسان داود النبي: (بكلمة الله تشددت السماوات وبروح فاه جميع قواهن) وليس يدل هذا القول على ثلاثة خالقين، بل خالق واحد: الأب ونطقه: أي كلمته وروحه: أي حياته.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن قوله تعالى:

{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59]

كلام حق، فإنه سبحانه خلق هذا النوع البشري على الأقسام الممكنة ; ليبين عموم قدرته، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، كما قال تعالى:
{وخلق منها زوجها} [النساء: 1]
وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر، وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح، فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء.
فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب، والتراب ليس من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان؟ وهو سبحانه خلق آدم من تراب، ثم قال له: كن فيكون، لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له: كن فيكون، ولم يكن آدم بما نفخ من روحه لاهوتا وناسوتا، بل كله ناسوت، فكذلك المسيح كله ناسوت، والله تبارك وتعالى ذكر هذه الآية في ضمن الآيات التي أنزلها في شأن النصارى، لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران وناظروه في المسيح، وأنزل الله فيه ما أنزل، فبين فيه قول الحق الذي اختلفت فيه اليهود والنصارى، فكذب الله الطائفتين: هؤلاء في غلوهم فيه، وهؤلاء في ذمهم له.

وقال عقب هذه الآية:{فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين - إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم - فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين - قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 61 - 64]

. وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم قول الله فدعاهم إلى المباهلة فعرفوا أنهم إن باهلوه أنزل الله عليهم لعنته، فأقروا بالجزية وهم صاغرون، ثم كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم بقوله تعالى: {قل ياأهل الكتاب تعالوا} [آل عمران: 64] إلى آخرها.
وكان أحيانا يقرأ بها في الركعة الثانية من ركعتي الفجر، ويقرأ في الأولى: بقوله:
{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} [البقرة: 136]وهذا كله يبين به أن المسيح عبد ليس بإله، وأنه مخلوق كما خلق آدم، وقد أمر أن يباهل من قال إنه إله، فيدعو كل من المتباهلين أبناءه ونساءه وقريبه المختص به، ثم يبتهل هؤلاء وهؤلاء ويدعون الله أن يجعل لعنته على الكاذبين، فإن كان النصارى كاذبين في قولهم: هو الله، حقت اللعنة عليهم، وإن كان من قال: ليس هو الله بل عبد الله، كاذبا، حقت اللعنة عليه، وهذا إنصاف من صاحب يقين يعلم أنه على الحق.
والنصارى لما لم يعلموا أنهم على الحق، نكلوا عن المباهلة، وقد قال عقب ذلك:

{إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم} [آل عمران: 62]

تكذيبا للنصارى الذين يقولون: هو إله حق من إله حق، فكيف يقال إنه أراد أن المسيح فيه لاهوت وناسوت، وأن هذا هو الناسوت فقط دون اللاهوت؟ وبهذا ظهر الجواب عن قولهم، قال في موضع آخر:

{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} [آل عمران: 59]

فأعنى بقوله: عيسى، إشارة إلى البشرية المأخوذة من مريم الطاهرة، لأنه لم يذكر هاهنا اسم المسيح إنما ذكر عيسى فقط، فإنه يقال: عيسى هو المسيح، بدليل أنه قال:
{ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [المائدة: 75]
فأخبر أنه ليس المسيح إلا رسولا ليس هو بإله وأنه ابن مريم، والذي هو ابن من مريم هو الناسوت وقال:
{إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا - لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} [النساء: 171 - 172]
وقال تعالى:
{وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30]
وقال تعالى:
{لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} [المائدة: 17].

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.28 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]