عرض مشاركة واحدة
  #147  
قديم 26-06-2022, 08:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,290
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام


فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
الحلقة (147)

من صــ 353 الى صـ
ـ 360





وسلف المسلمين وجمهورهم يخطئون هؤلاء ويبينون خطأهم عقلا ونقلا وقولهم ليس هو قول أحد من أئمة المسلمين ولا قول طائفة مشهورة من طوائف المسلمين كالمالكية والشافعية والحنفية والحنبلية والثورية والداودية والإسحاقية وغيرهم ولا قول طائفة من طوائف المتكلمين من المسلمين لا المنتسبين إلى السنة كالأشعرية والكرامية ولا غيرهم كالمعتزلة والشيعة وأمثالهم وإنما قال ذلك طائفة قليلة انتسبت إلى بعض علماء المسلمين مثل قليل من المالكية والشافعية والحنبلية وهؤلاء غايتهم أن يقولوا بحلول صفة من صفات الله وكذلك من قال بحلول الرب واتحاده في العبد من طوائف الغلاة المنتسبين إلى التشيع والتصوف أو غيرهم فهم ضلال كالنصارى مع أنه لا حجة للنصارى على هؤلاء إذ كان ما يقولونه لا يختص به المسيح بل هو مشترك بينه وبين غيره من الأنبياء والصالحين.
والنصارى تدعي اختصاص المسيح بالاتحاد مع أن المتحد بالناسوت صار هو والناسوت شيئا واحدا ومع الاتحاد فيمتنع أن يكون لأحدهما فعل أو صفة خارج عن الآخر والنصارى يدعون الاتحاد ثم يتناقضون فمنهم من يقول جوهر واحد ومنهم من يقول جوهران ومنهم من يقول مشيئة واحدة ومنهم من يقول مشيئتان كما سيأتي الكلام - إن شاء الله - تعالى على ذلك.
(ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50)
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
وأما المسيح فإنه قال: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} فأحل لهم بعض المحرمات وهو في الأكثر متبع لشريعة التوراة. ولهذا لم يكن بد لمن اتبع المسيح من أن يقرأ التوراة ويتبع ما فيها؛ إذ كان الإنجيل تبعا لها.
وأما القرآن فإنه مستقل بنفسه لم يحوج أصحابه إلى كتاب آخر بل اشتمل على جميع ما في الكتب من المحاسن؛ وعلى زيادات كثيرة لا توجد في الكتب؛ فلهذا كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه يقرر ما فيها من الحق ويبطل ما حرف منها وينسخ ما نسخه الله فيقرر الدين الحق وهو جمهور ما فيها ويبطل الدين المبدل الذي لم يكن فيها والقليل الذي نسخ فيها؛ فإن المنسوخ قليل جدا بالنسبة إلى المحكم المقرر.

(إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ... (55)

سئل - رحمه الله تعالى -:
عن رجلين تنازعا في أمر نبي الله " عيسى ابن مريم " - عليه السلام - فقال أحدهما: إن عيسى ابن مريم توفاه الله ثم رفعه إليه؛ وقال الآخر: بل رفعه إليه حيا. فما الصواب في ذلك. وهل رفعه بجسده أو روحه أم لا؟ وما الدليل على هذا وهذا؟ وما تفسير قوله تعالى {إني متوفيك ورافعك إلي}؟
فأجاب:
الحمد لله، عيسى عليه السلام حي وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية} " وثبت في الصحيح عنه " {أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق وأنه يقتل الدجال} ". ومن فارقت روحه جسده لم ينزل جسده من السماء وإذا أحيي فإنه يقوم من قبره.
وأما قوله تعالى {إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا} فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت؛ إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء فعلم أن ليس في ذلك خاصية. وكذلك قوله: {ومطهرك من الذين كفروا} ولو كان قد فارقت روحه جسده لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من الأنبياء. وقد قال تعالى في الآية الأخرى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه} فقوله هنا: {بل رفعه الله إليه} يبين أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه؛ بل مات. [فقوله: {بل رفعه الله إليه} يبين أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه] (*).

ولهذا قال من قال من العلماء: {إني متوفيك} أي قابضك أي قابض روحك وبدنك يقال: توفيت الحساب واستوفيته ولفظ التوفي لا يقتضي نفسه توفي الروح دون البدن ولا توفيهما جميعا إلا بقرينة منفصلة. وقد يراد به توفي النوم كقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} وقوله: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} وقوله: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} وقد ذكروا في صفة توفي المسيح ما هو مذكور في موضعه. والله تعالى أعلم.

[فصل: رد دعواهم الفضل لهم على المسلمين بقوله تعالى (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة)]
وأما قوله - تعالى -: {ياعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] فهذا حق كما أخبر الله به فمن اتبع المسيح - عليه السلام - جعله الله فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وكان الذين اتبعوه على دينه الذي لم يبدل قد جعلهم الله فوق اليهود وأيضا فالنصارى فوق اليهود الذين كفروا به إلى يوم القيامة.
وأما المسلمون فهم مؤمنون به ليسوا كافرين به بل لما بدل النصارى دينه وبعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بدين الله الذي بعث به المسيح وغيره من الأنبياء جعل الله محمدا وأمته فوق النصارى إلى يوم القيامة كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي».
وقال - تعالى -: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13]

وقال - تعالى -: {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [المؤمنون: 51] (52) {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] فكل من كان أتم إيمانا بالله ورسله كان أحق بنصر الله تعالى، فإن الله يقول في كتابه {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] وقال:

في كتابه {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} [الصافات: 171] (171) {إنهم لهم المنصورون} [الصافات: 172] (172) {وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 173] واليهود كذبوا المسيح ومحمدا - صلى الله عليه وسلم - كما قال الله فيهم {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب} [البقرة: 90] فالغضب الأول بتكذيبهم المسيح والثاني: بتكذيبهم لمحمد - صلى الله عليه وسلم - والنصارى لم يكذبوا المسيح فكانوا منصورين على اليهود والمسلمون منصورون على اليهود والنصارى، فإنهم آمنوا بجميع كتب الله ورسله ولم يكذبوا بشيء من كتبه ولا كذبوا أحدا من رسله بل اتبعوا ما قال الله لهم حيث قال {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} [البقرة: 136] وقال - تعالى -:
{آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] ولما كان المسلمون هم المتبعون لرسل الله كلهم المسيح وغيره وكان الله قد وعد أن ينصر الرسل وأتباعهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة ".
وقال أيضا: سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها الحديث.
فكان ما احتجوا به حجة عليهم لا لهم.
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
وأما قولهم: وأعظم حجتنا ما وجدناه فيه من الشهادة لنا بأن الله جعلنا فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.
فيقال: بل ما ذكروه حجة عليهم لا لهم، فإن الله أخبر المسيح أنه جاعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، وخبر الله حق، ووعد الله صدق، والله لا يخلف الميعاد، فلما اتبع المسيح من آمن به جعلهم الله فوق الذين كفروا به من اليهود وغيرهم.
ثم لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالدين الذي بعث به المسيح، وسائر الأنبياء قبله، وكان محمد صلى الله عليه وسلم، مصدقا لما جاء به المسيح، وكان المسيح مبشرا برسول يأتي من بعده اسمه (أحمد) صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أتبع للمسيح عليه السلام من النصارى الذين غيروا شريعته، وكذبوه فيما بشر به، فجعل الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم فوق النصارى إلى يوم القيامة.
كما جعلهم أيضا فوق اليهود إلى يوم القيامة، والنصارى بعد النسخ والتبديل ليسوا متبعين المسيح، لكنهم أتبع له من اليهود الذين بالغوا في تكذيبه وسبه، فإنهم كذبوه أولا، وكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ثانيا، فصاروا أبعد عن متابعة المسيح من النصارى فكانوا مجعولين فوق اليهود.

والمؤمنون أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هم المتبعون للمسيح عليه السلام، ومن سواهم كافر به فأمة محمد صلى الله عليه وسلم فوق اليهود والنصارى إلى يوم القيامة، ولهذا لما جاء المسلمون يقاتلون النصارى غلبوهم، وأخذوا منهم خيار الأرض: الأرض المقدسة، وما حولها من مصر والجزيرة، وأرض المغرب ولم يزل المسلمون منتصرين على النصارى، ولا يزالون إلى يوم القيامة لم تنتصر النصارى قط على جميع المسلمين،
وإنما تنتصر على طائفة من المسلمين بسبب ذنوبهم، ثم يؤيد الله المؤمنين عليهم.
ولو كان النصارى هم المتبعين للمسيح عليه السلام، والمسلمون كفارا به - لوجب أن ينتصروا على جميع المسلمين؛ لأن جميع المسلمين ينكرون إلهية المسيح ويكفرون النصارى، فعلم أن المتبعين للمسيح هم المسلمون دون النصارى.
__________
Q (*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 33):
والذي يظهر أن ما بين المعقوفتين مكرر سهوا

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 51.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.80 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.22%)]