عرض مشاركة واحدة
  #142  
قديم 26-06-2022, 08:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,290
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام


فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
الحلقة (142)

من صــ 313 الى صـ
ـ 320





وهكذا شهادة الله بين الرسول ومتبعيه وبين مكذبيه فإنها تتضمن حكم الله للرسول وأتباعه يحكم بما يظهره من الآيات الدالة على صدق الرسول على أنها الحق وتلك الآيات أنواع متعددة ويحكم له أيضا بالنجاة والنصر والتأييد وسعادة الدنيا والآخرة ولمكذبيه بالهلاك والعذاب وشقاء الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} فيظهره بالدلائل والآيات العلمية التي تبين أنه حق ويظهره أيضا بنصره وتأييده على مخالفيه ويكون منصورا كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} فهذه شهادة حكم كما قدمنا ذلك في قوله: {شهد الله}.
قال مجاهد والفراء وأبو عبيدة: {شهد الله} أي حكم وقضى؛ لكن الحكم في قوله {بيني وبينكم} أظهر وقد يقول الإنسان لآخر: فلان شاهد بيني وبينك أي يتحمل الشهادة بما بيننا فالله يشهد بما أنزله ويقوله وهذا مثل الشهادة على أعمال العباد؛ ولكن المكذبون ما كانوا ينكرون التكذيب ولا كانوا يتهمون الرسول بأنه ينكر دعوى الرسالة فيكون الشهيد بتضمن الحكم أثبت وأشبه بالقرآن. والله أعلم.
فصل:
وكذلك قوله: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله أنزله منه وأنه أنزله بعلمه فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ليس خبرا عمن دونه وهذا كقوله: {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} وليس معنى مجرد كونه أنزله أنه هو معلوم له فإن جميع الأشياء معلومة له وليس في ذلك ما يدل على أنها حق؛ لكن المعنى أنزله فيه علمه كما يقال فلان يتكلم بعلم ويقول بعلم فهو سبحانه أنزله بعلمه كما قال: {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض} ولم يقل تكلم به بعلمه؛ لأن ذلك لا يتضمن نزوله إلى الأرض.
فإذا قال: {أنزله بعلمه} تضمن أن القرآن المنزل إلى الأرض فيه علم الله كما قال: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} وذلك يتضمن أنه كلام الله نفسه منه نزل ولم ينزل من عند غيره؛ لأن غير الله لا يعلم ما في نفس الله من العلم - ونفسه هي ذاته المقدسة - إلا أن يعلمه الله بذلك كما قال المسيح عليه السلام {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} وقالت الملائكة: {لا علم لنا إلا ما علمتنا} وقال: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} وقال: {فلا يظهر على غيبه أحدا} {إلا من ارتضى من رسول} فغيبه الذي اختص به لا يظهر عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول والملائكة لا يعلمون غيب الرب الذي اختص به.

وأما ما أظهره لعباده فإنه يعلمه من شاء وما تتحدث به الملائكة فقد تسترق الشياطين بعضه؛ لكن هذا ليس من غيبه وعلم نفسه الذي يختص به بل هذا قد أظهر عليه من شاء من خلقه وهو سبحانه قال: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} فشهد أنه أنزله بعلمه بالآيات والبراهين التي تدل على أنه كلامه وأن الرسول صادق. وكذلك قال في هود: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} لما تحداهم بالإتيان بمثله في قوله: {فليأتوا بحديث مثله} ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا عن ذا وذاك ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا فإن الخلائق لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا بسورة مثله؛ وإذا كان الخلق كلهم عاجزين عن الإتيان بسورة مثله ومحمد منهم علم أنه منزل من الله نزله بعلمه لم ينزله بعلم مخلوق فما فيه من الخبر فهو خبر عن علم الله.

وقوله: {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض} لأن فيه من الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ما يدل على أن الله أنزله فذكره ذلك يستدل به تارة على أنه حق منزل من الله لكن تضمن من الأخبار عن أسرار السموات والأرض والدنيا والأولين والآخرين وسر الغيب ما لا يعلمه إلا الله.
فمن هنا نستدل بعلمنا بصدق أخباره أنه من الله.
وإذا ثبت أنه أنزله بعلمه تعالى استدللنا بذلك على أن خبره حق وإذا كان خبرا بعلم الله فما فيه من الخبر يستدل به عن الأنبياء وأممهم وتارة عن يوم القيامة وما فيها والخبر الذي يستدل به لا بد أن نعلم صحته من غير جهته وذلك كإخباره بالمستقبلات فوقعت كما أخبر وكإخباره بالأمم الماضية بما يوافق ما عند أهل الكتاب من غير تعلم منهم وإخباره بأمور هي سر عند أصحابها كما قال: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا} إلى قوله: {نبأني العليم الخبير} فقوله: {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض} استدلال بأخباره؛ ولهذا ذكره تكذيبا لمن قال هو {إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون} وقوله: {أنزله} استدلال على أنه حق وأن الخبر الذي فيه عن الله حق؛ ولهذا ذكر ذلك بعد ثبوت التحدي وظهور عجز الخلق عن الإتيان بمثله.
فصل:
ومن شهادته ما يجعله في القلوب من العلم وما تنطق به الألسن من ذلك كما في الصحيح أن {النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت وجبت قالوا يا رسول الله ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض} فقوله: " شهداء الله " أضافهم إلى الله تعالى. والشهادة تضاف تارة إلى من يشهد له.
وإلى من يشهد عنده فتقبل شهادته كما يقال: شهود القاضي وشهود السلطان ونحو ذلك من الذين تقبل شهادتهم وقد يدخل في ذلك من يشهد عليه بما تحمله من الشهادة ليؤديها عند غيره كالذين يشهد الناس عليهم بعقودهم أو أقاريرهم. فشهداء الله الذين يشهدون له بما جعله وفعله ويؤدون الشهادة عنه فإنهم إذا رأوا من جعله الله برا تقيا يشهدون أن الله جعله كذلك ويؤدون عنه الشهادة فهم شهداء الله في الأرض وهو سبحانه الذي أشهدهم بأن جعلهم يعلمون ما يشهدون به وينطقون به وإعلامه لهم بذلك هو شهادة منه بذلك فهذا أيضا من شهادته.
وقد قال تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وفسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى بالرؤيا الصالحة وفسرها بثناء الناس وحمدهم والبشرى خبر بما يسر والخبر شهادة بالبشرى من شهادة الله تعالى. والله سبحانه أعلم.

(إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19)


والإسلام يجمع معنيين: أحدهما الاستسلام والانقياد؛ فلا يكون متكبرا. والثاني الإخلاص من قوله تعالى {ورجلا سلما لرجل} فلا يكون مشركا وهو: أن يسلم العبد لله رب العالمين كما قال تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}. وقال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} {لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}.
والإسلام يستعمل لازما معدى بحرف اللام؛ مثل ما ذكر في هذه الآيات؛ ومثل قوله تعالى {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} ومثل قوله تعالى {قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} ومثل قوله: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} ومثل قوله: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين} {وأن أقيموا الصلاة واتقوه}.

ويستعمل متعديا مقرونا بالإحسان؛ كقوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. وقوله: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} فقد أنكر أن يكون دين أحسن من هذا الدين؛ وهو إسلام الوجه لله مع الإحسان وأخبر أن كل من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أثبتت هذه الكلمة الجامعة والقضية العامة ردا لما زعم من زعمه أن لا يدخل الجنة إلا متهود أو متنصر. وهذان الوصفان - وهما إسلام الوجه لله؛ والإحسان - هما الأصلان المتقدمان وهما: كون العمل خالصا لله صوابا: موافقا للسنة والشريعة.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.35 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]