من مفردات غريب القرآن(6)
وحيد عبدالله أبو المجد
(الْمُهْل)
الْمُهْلُ: هو اسْمٌ يَجْمَعُ مَعْدِنِيَّاتِ جَوَاهرِ الأرض الْمُذَابُة من نُحَاسٍ، وحديد، وغيرهما، وقيل: الْمُهْلُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، أو الزيت المغلي، وقَيل أَيْضًا: هو الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ[1].
قال تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 29].
ولنا هنا وقفة في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29]، هل هذا إذنٌ من الله بارتكاب المعاصي؟ هل هذا معناه إذنٌ بالكفر؟ حاشا لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فما زال بعض السفهاء يروِّجون للكفر والإلحاد، أو يجعلون القرآن عِضِين؛ أي: يقطعون منه تبعًا لأهوائهم، وآخرون قد يصرفون تأويل الآيات عن جهل وعدم علم.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29]؛ فقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أي: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر؛ وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الإنسان: 30][2].
فمن آمن فقد وُفِّق للصواب، ومن كفر فقد قامت عليه الحجة، وليس بمكرَهٍ على الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256]، وليس في قوله: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29] الإذنُ في كلا الأمرين، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التام[3].
إذًا هذا ليس بترخيص للكفر أو تخيير بين الإيمان والكفر، وإنما إذا شاء الله لعبدٍ أن يشرح صدره للإيمان، وفَّقه للعمل الصالح؛ إذ يقذف الله سبحانه في قلبه نورًا، فينشرح له صدره، وإنَّ مَن لم يردِ الله به خيرًا ضيَّق صدره، وأبعد فهمه، ويسَّر له سبيل الضلال؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 125].
(يُضله)؛ أي: لا تصل إليه الموعظة، ولا يدخله نور الإيمان، لِرِيْن الشرك عليه، و(الحرج): جمع (حَرَجة)، وهي الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشيَّة ولا شيء، كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير؛ كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه.
♦ وقد يسأل سائل: إذا كان قد سبق الكتاب بسعادة السعيد وشقاوة الشقي، فنحن مسيرون، ولسنا مخيرين، ولا داعيَ للعمل والعبادة، فنتكِّل.
♦ كل إنسان ميسَّر لِما خُلِق له، نعم، الأجل مكتوب، والرزق مكتوب، إذًا لا تشترِ الطعام، ولا تشقَ بالعمل؛ فرزقك مكتوب، وإذا جيء بالطعام إليك، فلا تأكل؛ لأن الأجل مكتوب.
وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم على نحو هذا الإشكال، منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام؛ كما روى البخاري ومسلم من حديث علي رضي الله عنه، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم جالسًا، وفي يده عود ينكُت به، فرفع رأسه، فقال: ما منكم من نفس إلا وقد عُلِم منزلها من الجنة والنار، قالوا: يا رسول الله، فلِمَ نعمل؟ أفلا نتكِّل؟ قال: لا، اعملوا، فكل ميسَّر لِما خُلِق له، ثم قرأ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ [الليل: 5، 6]، إلى قوله: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل: 10])).
ومن حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله عز وجل آدمَ حين خلقه فضرب كَتِفَه اليمنى، فأخرج ذريةً بيضاءَ كأنهم الذَّرُّ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي))[4].
إذاً قوله: ((كل ميسر لما خلق له)) لا تفيد الجبر، وإنما علم الله عز وجل أن هؤلاء سيعملون بعمل أهل السعادة، فيسَّر الله لهم من فضله لعمل أهل السعادة، وإن كان هؤلاء من أهل الشقاء والنار سيعملون بعمل أهل النار؛ لأنه سبحانه يعلم ما في نفوسهم من الخُبث؛ وكما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الأنعام: 28].
أي: ولو وصل الله لهم دُنيا كدنياهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمالِ السوء؛ ولذلك سيتركهم الله جل وعلا لأنفسهم؛ يعني سيخذلهم، فإذا خذلهم يُسِّر لهم سبيل الضلال.
يعني: التيسير لأهل الجنة فيه زيادة فضل، والتيسير لأهل النار فيه سلب الفضل.
نسأل الله أن يهديَنا وإياكم سُبل السعادة في الدنيا والآخرة، وأن يجعلَنا من عباده الصالحين المخلصين.
[1] لسان العرب.
[2] معالم التنزيل (تفسير البغوي).
[3] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (للسعدي).
[4] رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.