شرح حديث: (أن النبي كان يستعيذ من عذاب القبر ...) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن يحيى عن عمرة عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يستعيذ من عذاب القبر، ومن فتنة الدجال وقال: إنكم تفتنون في قبوركم)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يستعيذ من عذاب القبر، ومن فتنة الدجال وقال: إنكم تفتنون في قبوركم)، وهذا بعدما أوحى الله عز وجل إليه بأنهم يفتنون في القبور، وكما عرفنا في الحديث الماضي، أنه قبل ذلك لم يكن يوحى إليه أنهم يفتنون في قبورهم، ولكنه أوحي إليه بعد ذلك، وهذا الحديث دال على ما دلت عليه الأحاديث الثابتة الدالة على حصول الفتنة في هذه الأمة في قبورها، وأن منهم من ينعم، ومنهم من يعذب.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يستعيذ من عذاب القبر ...) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، أخرج له أ صحاب الكتب الستة.
[عن يحيى].
هو ابن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرة].
هي بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي ثقة، مكثرة من الرواية عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
وقد مر ذكرها.
شرح حديث: (إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عن عائشة رضي الله تنها قالت: (دخلت يهودية عليها فاستوهبتها شيئاً فوهبت لها عائشة فقالت: أجارك الله من عذاب القبر، قالت عائشة: فوقع في نفسي من ذلك حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، وهو أنه كان عندها امرأة من اليهود استوهبتها شيئاً يعني: طلبت منها حاجة فأعطتها إياها، فدعت لها وقالت: أجارك الله من عذاب القبر، قالت: فوقع في نفسي شيء، فأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم) وهذا يفهم منه أن المقصود بذلك اليهود، وأنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم، وقد جاءت الأحاديث بأنه أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن الناس يفتنون في قبورهم، وأن هذا ليس خاصاً باليهود، وإنما يكون فيهم وفي غيرهم، وفي الحديث أن الله عز وجل يسمع البهائم ما يجري في القبور من العذاب؛ وذلك لأنها غير مكلفة، وأما الذين هم مكلفون -وهم الجن والإنس- فقد أخفى الله عليهم ذلك حتى يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن به، وقد أطلع الله نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام على ذلك فأسمعه من عذاب القبر ما أسمعه، ولم يسمع الناس ذلك، وإنما أسمع البهائم التي هي غير مكلفة، ولم يسمع المكلفين؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن به.
تراجم رجال إسناد حديث: (إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا هناد].هو هناد بن السري أبو السري الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي معاوية].
هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، كثير التدليس والإرسال الخفي، يدلس، ويرسل إرسالاً خفياً، والإرسال الخفي هو: أن يروي عمن عاصره ولم يلقه، فهذا فيه احتمال اللقيا، فيقال له: إرسال خفي، بخلاف الإنسان إذا روى عمن لم يدرك عصره فهذا إرسال واضح، كونه يروي عن شخص لم يدرك عصره فهذا إرسال واضح جلي، أما إذا روى عن شخص عاصره ولم يلقه فإن هذا يعتبر إرسالاً خفياً، فـأبو معاوية الضرير معروف بالتدليس، وبالإرسال الخفي.
والفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن الإرسال الخفي: هو أن يروي عمن عاصره ولم يلقه، أما إن عاصره ولقيه وأخذ عنه وروى عنه ما لم يسمعه منه فإن هذا هو المدلس، يعني: معروف بأنه شيخ من شيوخه، وأنه أخذ وسمع منه، ولكنه يروي عنه بالعنعنة وهو مدلس، أما إذا روى عنه وهو معاصر له لكنه لم يلقه، ولم يسمع منه، فهذا يقال له: الإرسال الخفي، فإن روى عمن لم يدرك عصره وبينه وبينه مدة فهذا هو المرسل الجلي الواضح الذي ليس فيه خفاء، ومحمد بن خازم الضرير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، مدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب اشتهر به، فيأتي ذكره باللقب أحياناً كما يأتي ذكره بالاسم فيقال: سليمان بن مهران، ويقال: سليمان فقط، وأحياناً يأتي الأعمش كما هنا، ومن أنواع علوم الحديث معرفة ألقاب المحدثين، وهو أن من له اسم معروف به، وله لقب معروف به، فيحتاج إلى معرفة الألقاب حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، لا سيما إذا ذكر مرة بالاسم، وباللقب أخرى، فإن من لا يعرف يظن أن هذا شخص وهذا شخص، لكن إذا عرف الإنسان أن سليمان بن مهران لقبه الأعمش، فإن جاء الأعمش في إسناد، أو جاء سليمان في إسناد لا يتلبس على من يعرف أن هذا شخص واحد، ومن لا يعرف يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان بن مهران شخص آخر.
[عن شقيق].
هو ابن سلمة الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وله كنية اشتهر بها وهي أبو وائل، أحياناً يأتي باسمه فيقال: شقيق، وأحياناً بكنيته فيقال: أبو وائل، ويقال فيه ما قيل في سليمان بن مهران الكاهلي، من معرفة الكنى التي اشتهر بها بعض المحدثين، وذلك حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، لا سيما إذا ذكر باسمه مره، وذكر بكنيته مرة أخرى، ومن لا يعرف يظن أن شقيق بن سلمة شخص، وأن أبا وائل شخص آخر، وهنا جاء شقيق باسمه، وسيأتي بعد ذلك حديث فيه ذكره بالكنية، فمن يعرف أن أبا وائل كنية لـشقيق بن سلمة لا يلتبس عليه الأمر، إن جاء هذا عرفه وإن جاء هذا عرف أنه هو هذا.
[عن مسروق].
هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
قد مر ذكرها.
شرح حديث: (دخلت علي عجوزتان من عجز يهود المدينة ... فما رأيته صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر) من طريق رابعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت علي عجوزتان من عجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إن عجوزتين من عجز يهود المدينة قالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قال: صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها، فما رأيته صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر)].أورد النسائي حديث عائشة، وهو أنه كان عندها عجوزتان من عجائز يهود المدينة، وأنهما قالتا: إن الناس يفتنون في قبورهم، فكذبتهما ولم تنعم أن تصدقهما، يعني: أنهما أهل لأن يكذبا؛ لأن اليهود معروفون بالكذب والتحريف والتبديل، يعني: ما طابت نفسها لكلامهما، لأنهم معروفون بالتحريف والتبديل والكذب، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته بذلك فقال: (صدقتا)، وهذا دليل على أن الحق يقبل ممن جاء به، ومن المعلوم أنهم أهل كتاب، وهذا الذي صدقه صلى الله عليه وسلم يدل على ثبوته، ومن المعلوم أن ما كان عند أهل الكتاب فإنهم لا يصدقون ولا يكذبون، بل إن جاء في السنة ما يدل على التصديق صدق مثلما هنا؛ لأنهم عندهم الناس يعذبون في قبورهم، وجاءت السنة بإثبات ذلك، فصار هذا الكلام صدقاً، وأما إذا جاء في السنة ما يكذب ذلك فإنه يكذب، وإذا لم يأت في السنة لا تصديق ولا تكذيب فإنهم لا يصدقون ولا يكذبون، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) يعني: إذا حدث أهل الكتاب بشيء عما في كتبهم، فلا يصدقون ولا يكذبون، لكن إن جاءت السنة أو جاء في هذه الشريعة ما يدل على كذب شيء معين جاء عنهم فيقطع بكذبه؛ لأن السنة جاءت بتكذيبه، وإن جاء شيء يدل على الصدق صدق كما في هذا الحديث الذي أخبرتها عن شيء، وأخبر الرسول بأن ذلك حق وأن ذلك صدق، وأما إذا لم يوجد ما يدل على التصديق ولا على التكذيب، فإنه يسكت عنه، ولكن يقال: (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ )[العنكبوت:46]؛ لأنهم لو صدقوا في كل ما يقولون لأمكن أن يصدقوا بباطل، ولو كذبوا في كل ما يقولون لأمكن أن يكذب ما هو حق، وإذا لم يصدقوا ولم يكذبوا، وقال الإنسان: (آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ )[العنكبوت:46] فهذا كلام حق، فإن كان منزل فنحن مؤمنون به، وإن كان غير منزل فنحن لا نؤمن ولا نصدق بشيء لم يكن منزلاً، (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ )[العنكبوت:46])، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: (صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها، فما رأيته بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ فيها من عذاب القبر) وهذا يدلنا على مشروعية التعوذ بالله من عذاب القبر في الصلاة، بل التعوذ بالله من الأربع التي جاءت في الأحاديث السابقة وهي: عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال.
تراجم رجال إسناد حديث: (دخلت علي عجوزتان من عجز يهود المدينة ... فما رأيته صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر) من طريق رابعة
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].هو محمد بن قدامة المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الكوفي، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور بن المعتمر].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي وائل].
هو شقيق بن سلمة الذي مر ذكره في الإسناد السابق، واسمه شقيق، وهنا جاء بكنيته أبو وائل، فيأتي ذكره أحياناً بالكنية، وهو مشهور بها، ويأتي ذكره أحياناً بالاسم، ومعرفة الكنية التي يشتهر بها شخص مع معرفة اسمه يندفع به احتمال أن يظن الشخص الواحد شخصين، وهو ثقة، مخضرم، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسروق عن عائشة].
وقد مر ذكرهما.
وضع الجريدة على القبر
شرح حديث: (... ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وضع الجريدة على القبر.أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان مكة أو المدينة سمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستبرئ من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة، فقيل له: يا رسول الله! لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا، أو إلى أن ييبسا)].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: وضع الجريدة على القبر، أي: لتخفيف العذاب على المقبور، وقد ثبت في السنة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فليس لأحد أن يضع على القبور شيء من الجريد، ولا شيء من الزهور، ولا شيء من النباتات، أو الأشياء الخضرة، وإنما هذا يعتبر من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الله تعالى أطلعه على العذاب، وعلى سببه، على أنهما معذبان، وأن عذابهما سببه كذا وكذا، فوضع الجريدتين؛ لأجل أن يخفف عنهما ما لم ييبسا، أما غيره من الناس فلا يعلم ما يجري في القبور، ولا يعلم عن المنعم ولا عن المعذب، ولا يعلم سبب العذاب، حتى مع كونه لا يعلم العذاب فهو لا يعلم سببه، والرسول صلى الله عليه وسلم علم العذاب، وعلم سبب العذاب، فوضع الجريدتين للتخفيف على صاحبي القبرين، فاعتبر هذا من خصائصه، ولهذا لم يكن معروفا في الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أن يفعلوا ذلك مع آبائهم، وأمهاتهم، وإخوانهم، وأخواتهم، وأقربائهم، وما كانوا يفعلون ذلك، فعدم فعلهم له دل على أنهم اعتبروا هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما الذي أورده النسائي هنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى) وفي بعض الروايات: (بلى إنه كبير) وقد فسر بعدة تفسيرات -النفي والإثبات-: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) يعني: في أنفسهما، وأنه ليس بذي بال، وكأنهما لم يعرفا أنه عظيم، فهو في نظرهما وفي ذهنهما أن الأمر هين، ولكنه كبير، بل هو عظيم، فهذا وجه مما قيل في وجه التفريق بين النفي والإثبات في قوله: (وما يعذبان في كبير، بلى، إنه كبير) هو كبير وعظيم عند الله، وهو من كبائر الذنوب؛ لأن التعذيب بالنار دليل على أنه كبيرة، فالنميمة وعدم الاستبراء من البول هذان من الكبائر التي يستحق صاحبها العذاب.
ثم أيضاً: الحديث فيه دليل على ثبوت العذاب لغير الكفار؛ لأن هذا ثبت في حق عصاة، وفي حق أناس مؤمنين عندهم معاصي، وسبب ذلك التعذيب هو النميمة، وعدم الاستبراء من البول، أما من يكون كافراً فعنده الكفر الذي ليس وراءه ذنب، وليس هناك ذنب أعظم منه، والعذاب إنما يكون عليه، ولما كان العذاب إنما هو من أجل النميمة، ومن أجل عدم الاستبراء من البول، فعرف أن العذاب يكون لمن شاء الله عز وجل من العصاة كما يكون للكفار، والأحاديث التي وردت بأن اليهود تعذب في قبورها يعني: عذاب الكفار، والآيات القرآنية التي دلت على أن آل فرعون يعذبون في النار، يعني: عذاب كفار في قبورهم (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )[غافر:46]، فهو دال على حصول العذاب لأهل المعاصي، يعني: من شاء الله عز وجل أن يعذب، ووضع الجريدتين -كما قلت- هو من خصائصه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].وقد مر ذكره.
[حدثنا جرير عن منصور].
وقد مر ذكرهما.
[عن مجاهد].
هو ابن جبر المكي، وهو ثقة، ثبت، معروف بالتفسير، وهو الذي يروي التفسير عن ابن عباس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
رضي الله عنهما وقد مر ذكره.
شرح حديث: (... ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري في حديثه عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما، فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ فقال: لعلهما أن يخفف عنهما ما لم ييبسا)].أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، والإسناد كلهم مر ذكرهم في هذا الدرس، هناد بن السري، وأبو معاوية، والأعمش، ومجاهد، وطاوس، وابن عباس، كلهم مر ذكرهم.
شرح حديث: (ألا إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار حتى يبعثه الله عز وجل يوم القيامة)].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو لا يدل على الترجمة التي جاءت: وضع الجريد على القبر، ولكنه يدل على نعيم القبر وعذابه، وليس فيه ذكر الجريد، أو وضعه على القبر كما دل عليه حديث ابن عباس من الطريقين السابقتين، لكنه دال على إثبات عذاب القبر، وأن الإنسان يعرض عليه مقعده وهو في قبره، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، حتى يبعثه الله عز وجل، وهذا العرض فيه تنعيم وتعذيب، كما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، أنه إن كان من الموفقين فتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، وإن كان من المعذبين فتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها حتى يبعثه الله، وكما جاء في القرآن عن آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً )[غافر:46] يعني: يعذبون بعذاب النار وهم في قبورهم (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )[غافر:46] ينتقلون من عذاب النار بعذاب شديد، إلى عذاب أشد، في النار والعياذ بالله، فهو دال على إثبات عذاب القبر، وأن الإنسان يعرض عليه مقعده من الجنة إن كان من أهل الجنة، ومقعده في النار إن كان من أهل النار.
تراجم رجال إسناد حديث: (ألا إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث].قد مر ذكره.
[حدثنا الليث]
هو الليث بن سعد المصري، هو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما].
وهو الصحابي الجليل ابن الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من صغار الصحابة المشهورين بهذا اللقب، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والحديث رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن فيه قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر، يعني: بين النسائي فيه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص.
شرح حديث: (يعرض على أحدكم إذا مات مقعده من الغداة والعشي ...) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا المعتمر سمعت عبيد الله يحدث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يعرض على أحدكم إذا مات مقعده من الغداة والعشي، فإن كان من أهل النار فمن أهل النار قيل: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة)].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، من طريق أخرى، وهو أنه (يعرض على أحدكم مقعده بالغداة والعشي، فإن كان من أهل النار فمن أهل النار قيل: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة)].
يعرض على الإنسان مقعده من الجنة أو النار في الغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة، فإنه يعرض عليه مقعده من الجنة، ويأتيه من نعيمها، وإن كان من أهل النار يعرض عليه مقعده من النار، ويأتيه من سمومها وحرها، وذكر الغداة والعشي مثل ما جاء في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )[غافر:46] حتى يبعثه الله فينتقل إلى النعيم الأعظم، وإلى العذاب الأشد.
تراجم رجال إسناد حديث: (يعرض على أحدكم إذا مات مقعده من الغداة والعشي ...) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[أخبرنا المعتمر].
هو ابن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت عبيد الله].
هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المصغر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع عن ابن عمر].
وقد مر ذكرهما.
حديث: (إذا مات أحدكم عرض على مقعده بالغداة والعشي ...) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا اسمع واللفظ له، عن ابن القاسم، حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات أحدكم عرض على مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة)].أورد النسائي حديث ابن عمر وهو مثل الرواية السابقة التي قبل هذه الرواية.
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].
هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[والحارث بن مسكين المصري].
ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].
أي: في شيخه الثاني وهو الحارث بن مسكين، وأخذ ذلك عنه بالعرض، يعني: كونه يقرأ عليه وهو يسمع.
[عن ابن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك.