
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد الثانى
الحلقة (128)
صـ 334 إلى صـ 340
وقال: {ما ضل صاحبكم وما غوى} [سورة النجم: 2] وقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [سورة التوبة: 128] وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [سورة إبراهيم: 4] ونحو ذلك من الآيات] (1) .
فإن قلتم: هؤلاء (2) يقولون: إنه يرى لا في جهة، وهذه مكابرة. فيقال: هذا قالوه بناء على الأصل الذي اتفقتم أنتم (3) وهم عليه، وهو أنه ليس في جهة. ثم إذا كان الكلام مع الأشعري وأئمة أصحابه ومن وافقهم من [أصحاب الحديث] (4) ، أصحاب أحمد وغيره كالتميميين وابن عقيل (5) وغيرهم: فيقال: هؤلاء يقولون: إنه فوق العالم بذاته، وإنه ليس بجسم ولا متحيز.
فإن قلتم: هذا القول مكابرة للعقل، لأنه إذا كان فوق العالم فلا بد أن يتميز (6) منه جانب عن جانب، [وإذا تميز منه جانب عن جانب] (7) كان جسما، فإذا أثبتوا موجودا قائما بنفسه فوق العرش (8) لا يوصف بمحاذاة
_________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب) ، (أ) ، (أ) ، (م) .
(2) ب، ا: إن هؤلاء.
(3) أنتم: ساقطة من (ع) .
(4) " جملة أصحاب الحديث ": ساقطة من (ن) ، (م) .
(5) سبقت ترجمة ابن عقيل 1/143.
(6) ن: يميزه.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) .
(8) عبارة " فوق العرش " ساقطة من (ع) .
************************************
ولا مماسة (1) ، ولا يتميز (2) منه جانب عن جانب كان هذا مكابرة.
فيقال: لكم: أنتم [يا نفاة الرؤية] (3) تقولون ومن وافقكم من المثبتين للرؤية: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له (4) .
فإذا قيل لكم: هذا خلاف المعلوم بضرورة العقل (5) ، فإن العقل لا يثبت شيئين موجودين إلا أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو داخلا فيه، كما يثبت (6) الأعيان المتباينة والأعراض القائمة. بها وأما إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون داخل العالم ولا خارجه، فهذا مما يعلم العقل (7) استحالته وبطلانه بالضرورة.
قلتم (8) : هذا النفي حكم الوهم لا حكم العقل، وجعلتم في الفطرة حاكمين (9) : أحدهما الوهم والآخر العقل، مع أن المعنى الذي سميتموه الوهم قلتم (10) هو القوة التي تدرك معاني جزئية غير محسوسة في الأعيان المحسوسة، كالعداوة والصداقة، كما تدرك الشاة معنى في الذئب ومعنى في الكبش، فتميل إلى هذا وتنفر عن هذا. وإذا كان الوهم إنما
_________
(1) ب، ا: بمماسة ; ن: ميامنة ; م: بمباينة، وهو تحريف.
(2) ن، م: ولا يميز.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .
(4) ن، م، ع، ا: ولا مجانب له.
(5) ب: بالضرورة ; أ: بضرورة ; ن، م: فضرورة العقل (وهو تحريف) .
(6) ن: ثبتت.
(7) ع: فهذا إنما يعلم بالعقل.
(8) ع: وقلتم.
(9) ن: حالين.
(10) قلتم: ساقطة من (ب) ، (أ) .
************************************
يدرك أمورا (1) معينة فهذه القضايا التي نتكلم فيها قضايا كلية عامة، والقضايا الكلية العامة هي للعقل لا للحس ولا للوهم الذي يتبع الحس، فإن الحس لا يدرك إلا أمورا معينة، وكذلك الوهم [عندكم] (2) . وقد بسط الرد على هؤلاء (3) في غير هذا الموضع، لكن المقصود هنا بيان أن قول أولئك أقرب من قولهم.
فيقال: إذا عرضنا على العقل وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له (4) ، ووجود موجود مباين للعالم فوقه وهو ليس بجسم (5) ، كان تصديق العقل بالثاني أقوى من تصديقه بالأول، وهذا موجود في فطرة كل أحد، فقبول (6) الثاني أقرب إلى الفطرة ونفورها عن الأول أعظم فإن وجب تصديقكم في ذلك القول الذي هو عن الفطرة أبعد كان تصديق هؤلاء في قولهم أولى. وحينئذ فليس لكم أن تحتجوا على بطلان (7) (8 قولهم بحجة إلا وهي على بطلان قولكم أدل 8) (8) .
فإذا قلتم: [وجود موجود فوق العالم ليس بجسم لا يعقل.
قيل لكم: كما أن [ (9) ] وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه لا يعقل.
_________
(1) ب: ينكر أمورا ; أ: يذكرون أمورا ; ن، م: يدرك قوى.
(2) ع: عندهم، وهي ساقطة من (ن) ، (م) .
(3) ن، م: هذا.
(4) ن، م، ع، ا: ولا مجانب له.
(5) ع: وليس بجسم.
(6) ب، ا، م: فقول ; ن: فيقول (وهو تحريف) .
(7) ب، ا: إبطال.
(8) (8 - 8) : هذا الكلام في نسخة (ن) ناقص ومضطرب. وفي (م) : قولكم بحجة. . أولى.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) .
************************************
فإذا قلتم: نفي هذا من حكم الوهم.
قيل لكم: إن كان هذا النفي من حكم الوهم وهو غير مقبول فذلك (1) النفي من حكم الوهم، وهو غير مقبول بطريق الأولى.
فإذا قلتم: حكم الوهم الباطل أن يحكم في أمور غير محسوسة حكمه في أمور محسوسة (2) .
قيل: لكم (3) (* أجوبة: أحدها (4) : أن هذا يبطل حجتكم على بطلان قول هؤلاء، لأن قولكم إنه يمتنع (5) وجود موجود فوق العالم ليس بجسم ليس (6) أقوى من قول القائل يمتنع (7) وجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، [ويمتنع وجود موجودين لا متباينين ولا متحايثين، ويمتنع وجود موجود ليس داخل العالم ولا خارجا عنه] (8) ، فإن كنتم لا تقبلون هذا الأقوى لزعمكم أنه من حكم الوهم (9) الباطل لزمكم أن لا تقبلوا ذلك الذي هو أضعف منه بطريق الأولى، فإن كليهما على قولكم من حكم الوهم الباطل، وفساد قولكم أبين في الفطرة من فساد (10) قول منازعيكم، فإن كان قولهم (11) مردودا
_________
(1) ن، م: فكذلك.
(2) ن، م: الأمور المحسوسة.
(3) الكلام بين النجمتين ساقط من (ن) ، (م) ، وينتهي في الصفحة التالية.
(4) ب، ا: جوابان أحدهما.
(5) ب: قولهم إنه لا يمتنع ; أ: قولهم إنه يمتنع.
(6) ليس: ساقطة من (ب) ، (أ) .
(7) ب: من قول من يقول لا يمتنع ; أ: من قول من يقول يمتنع.
(8) ما بين المعقوفتين في (ع) فقط، وفي الأصل: ولا خارج عنه.
(9) الوهم: ساقطة من (ع) .
(10) فساد: ساقطة من (ع) .
(11) ع: هذا القول.
*********************************
فقولكم أولى بالرد، وإن كان قولكم مقبولا فقولهم أولى بالقبول.
الجواب الثاني: أن يقال: *) : أنتم لم تثبتوا وجود أمور (1) لا يمكن الإحساس بها [ابتداء] (2) حتى يصح هذا الكلام، بل إنما أثبتم ما ادعيتم أنه لا يمكن الإحساس به [ابتداء] (3) بإبطال هذا الحكم الفطري (4) الذي يحيل وجود ما لا يمكن الإحساس به بحال (5) ، فإن كان (6) هذا الحكم لا يبطل حتى يثبت (7) الأمور التي ليست بمحسوسة (8) لزم (9) الدور فلا يبطل هذا الحكم حتى يثبت ما لا يمكن الإحساس به، ولا يثبت ذلك حتى يبطل هذا الحك، فلا يثبت ذلك.
[و] يقال: [لكم] : إن (10) جاز وجود أمور لا يمكن الإحساس بها (11) فوجود ما يمكن الإحساس به أولى (12) وإن لم يمكن بطل قولكم. فمن أثبت موجودا فوق العالم ليس بجسم يمكن الإحساس به، كان قوله
_________
(1) ع: أنتم أثبتم وجود أمور ; ن: أنتم لم تثبتوا وجودا ثم (وهو تحريف) .
(2) ابتداء: ساقطة من (ن) ، (م) .
(3) ابتداء: ساقطة من (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .
(4) ن، م: النظري.
(5) ب: الإحساس به وهو محال ; أ: الإحساس به محال.
(6) كان: ساقطة من (ب) ، (أ) .
(7) ب، ا: تثبت.
(8) ع: ليست محسوسة ; ن، م: ليست غير محسوسة.
(9) ب (فقط) : فيلزم.
(10) ن، م: يقال إن. .
(11) ب: وجود أمر لا يمكن الإحساس به ; أ: وجود أمر يمكن الإحساس بها.
(12) ن، م: مع وجود ما لا يمكن الإحساس به ; ع: فوجود ما لا يمكن الإحساس به أولى، وهو تحريف.
******************************************
: أقرب إلى العقل ممن أثبت موجودا لا يمكن الإحساس به وليس بداخل العالم ولا خارجه.
ففي الجملة أنه (1) ما من حجة يحتجون بها على بطلان قول منازعيهم (2) إلا ودلالتها على بطلان قولهم أشد ولكنهم يتناقضون. والذين وافقوهم على بعض غلطهم صاروا (3) يسلمون (4) لهم تلك المقدمة الباطلة النافية [وهو إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون مباينا لغيره ولا محايثا له (5) ولا داخل العالم ولا خارجه] (6) ويطلبون (7) طردها، وطردها يستلزم الباطل المحض.
فوجه المناظرة أن تلك المقدمة لا تسلم (8) ، لكن يقال: إن كانت باطلة بطل أصل قول النفاة، [وإن كانت صحيحة فهي أدل على إمكان قول (9) أهل الإثبات، فإن كان إثبات موجود ليس بجسم ولا هو داخل العالم ولا خارجه ممكنا، فإثبات موجود فوق العالم وليس بجسم أولى بالإمكان، وإن لم يكن ذلك ممكنا بطل أصل قول النفاة] (10) ، وثبت أن الله [تعالى] (11) إما داخل العالم وإما خارجه فيكون قولهم بإثبات موجود
_________
(1) ب، ا: ففي الجملة أن ;، م: فحاصله أن.
(2) ع: تحتجون بها على قول منازعيكم.
(3) ب، ا: ما داوا، وهو تحريف ظاهر.
(4) ن، م: مسلمين.
(5) ب، ا: مماثلا له.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) .
(7) م، ن: ويظنون.
(8) ع: أن تلك المقدمة لا تستلزم ; ن، م: أن تلك المناظرة لا تسلم.
(9) ب، ا: فهي أولى على قول.
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من (ن) ، (م) .
(11) تعالى: زيادة في (ع) .
*************************************
ليس بداخل العالم ولا خارجه أبعد عن الحق على التقديرين، وهو المطلوب.
ثم يقال: رؤية ما ليس بجسم ولا في جهة إما أن يجوزه العقل وإما أن يمنعه، فإن جوزه فلا كلام، وإن منعه كان منع العقل لإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه، بل هو حي بلا حياة، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، أشد وأشد.
فإن (1) قلتم: هذا المنع من حكم الوهم.
قيل لكم: والمنع من رؤية مرئي ليس في جهة من حكم الوهم، وهذا هو الجواب الثالث.
وبيان ذلك أن [يقال:] (2) : حكم الوهم الباطل عندكم أن يحكم في أمور غير محسوسة (3) بما يحكم به في الأمور المحسوسة.
فيقال: (4) : الباري تعالى إما أن تكون رؤيته ممكنة، وإما أن لا تكون (5) . فإن كانت ممكنة بطل قولكم بإثبات موجود (6) غير محسوس، ولم يبق هنا (7) وهم باطل يحكم في غير المحسوس (8) بحكم باطل، فإنكم لرؤية الباري أشد منعا من رؤية الملائكة والجن وغير ذلك، فإذا
_________
(1) ن، م: وإن.
(2) يقال: ساقطة من (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .
(3) ع (فقط) : أمور غير المحسوسة.
(4) ن، م: فقال، وهو تحريف.
(5) ب (فقط) : وإما أن لا تكون ممكنة.
(6) ن، م: وجوده.
(7) ب، ا: ولم يبق هناك ; ع: فلم يبق هنا.
(8) ب، ن، م: بحكم في غير محسوس ; أ: يحكم في غير محسوس.
**********************************