عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 13-06-2022, 10:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,725
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (306)
الجزء السادس
- تفسير البغوى

سُورَةُ النُّورِ
مَدَنِيَّةٌ

الاية39 إلى الاية 57






[ ص: 52 ] ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ( 39 ) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( 40 ) )

( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ) " السراب " الشعاع الذي يرى نصف النهار عند شدة الحر في البراري ، يشبه الماء الجاري على الأرض يظنه من رآه ماء ، فإذا قرب منه انفش فلم ير شيئا و " الآل " ما ارتفع من الأرض ، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة يرفع فيه الشخوص يرى فيه الصغير كبيرا والقصير طويلا و " الرقراق " يكون بالعشايا ، وهو ما ترقرق من السراب ، أي جاء وذهب . و " القيعة " : جمع القاع وهو المنبسط الواسع من الأرض ، وفيه يكون السراب ، ( يحسبه الظمآن ) أي : يتوهمه العطشان ، ( ماء حتى إذا جاءه ) أي : جاء ما قد رأى أنه ماء . وقيل : جاء موضع السراب ، ( لم يجده شيئا ) على ما قدره وحسبه كذلك الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا أتاه ملك الموت واحتاج إلى عمله لم يجد عمله أغنى منه شيئا ولا نفعه . ( ووجد الله عنده ) أي : عند عمله ، أي : وجد الله بالمرصاد . وقيل : قدم على الله ، ( فوفاه حسابه ) أي جزاء عمله ، ( والله سريع الحساب أو كظلمات ) وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار ، يقول : مثل أعمالهم من فسادها وجهالتهم فيها كظلمات ، ( في بحر لجي ) وهو العميق الكثير الماء ، ولجة البحر : معظمه ، ( يغشاه ) يعلوه ، ( موج من فوقه موج ) متراكم ، ( من فوقه سحاب ) ، ، قرأ ابن كثير برواية القواس : " سحاب " بالرفع والتنوين ، ( ظلمات ) بالجر على البدل من قوله " أو كظلمات " . وروى أبو الحسن البري عنه : " سحاب ظلمات " بالإضافة ، وقرأ الآخرون " سحاب ظلمات " ، كلاهما بالرفع والتنوين ، فيكون تمام الكلام عند قوله " سحاب " ثم ابتدأ فقال : ( ظلمات بعضها فوق بعض ) ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر بعضها فوق بعض ، أي : ظلمة الموج على ظلمة البحر ، وظلمة الموج فوق الموج ، وظلمة السحاب على ظلمة الموج ، وأراد بالظلمات أعمال الكافر وبالبحر اللجي قلبه ، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة ، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه . [ ص: 53 ] قال أبي بن كعب : في هذه الآية الكافر يتقلب في خمسة من الظلم : فكلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار .

( إذا أخرج ) يعني الناظر ، ( يده لم يكد يراها ) يعني لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمة . وقال الفراء : " يكد " صلة ، أي : لم يرها ، قال المبرد : يعني لم يرها إلا بعد الجهد ، كما يقول القائل : ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه ، ولكن بعد يأس وشدة . وقيل : معناه قرب من رؤيتها ولم يرها ، كما يقال : كاد النعام يطير . ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) قال ابن عباس : من لم يجعل الله له دينا وإيمانا فلا دين له . وقيل : من لم يهده الله فلا إيمان له ولا يهديه أحد . وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يلتمس الدين في الجاهلية ويلبس المسوح فلما جاء الإسلام كفر . والأكثرون على أنه عام في جميع الكفار .
( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ( 41 ) ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير ( 42 ) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ( 43 ) )

قوله - عز وجل - : ( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ) باسطات أجنحتهن بالهواء . قيل خص الطير بالذكر من جملة الحيوان لأنها تكون بين السماء والأرض فتكون خارجة عن حكم من في السماء والأرض ، ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) قال مجاهد : الصلاة لبني آدم ، والتسبيح لسائر الخلق . وقيل : إن ضرب الأجنحة صلاة الطير وصوته تسبيحه . قوله : ( كل قد علم ) أي : كل مصل ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه . وقيل : معناه كل مصل ومسبح منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه ، ( والله عليم بما يفعلون ) . ( ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير ) . ( ألم تر أن الله يزجي ) يعني : يسوق بأمره ، ( سحابا ) إلى حيث يريد ، ( ثم يؤلف بينه ) أي : يجمع بين قطع السحاب المتفرقة بعضها إلى بعض ، ( ثم يجعله ركاما ) متراكما بعضه فوق [ ص: 54 ] بعض ، ( فترى الودق ) يعني المطر ، ( يخرج من خلاله ) وسطه وهو جمع الخلل ، كالجبال جمع الجبل . ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) يعني : ينزل البرد ، و " من " صلة ، وقيل : معناه وينزل من السماء من جبال ، أي : مقدار جبال في الكثرة من البرد ، و " من " في قوله " من جبال " صلة ، أي : وينزل من السماء جبالا من برد . وقيل : معناه وينزل من جبال في السماء تلك الجبال من برد . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أخبر الله - عز وجل - أن في السماء جبالا من برد ، ومفعول الإنزال محذوف تقديره : وينزل من السماء من جبال فيها برد ، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه . قال أهل النحو ذكر الله تعالى " من " ثلاث مرات في هذه الآية فقوله " من السماء " لابتداء الغاية ، لأن ابتداء الإنزال من السماء ، وقوله تعالى " من جبال " للتبعيض لأن ما ينزله الله تعالى بعض تلك الجبال التي في السماء ، وقوله تعالى : " من برد " للتجنيس لأن تلك الجبال من جنس البرد . ( فيصيب به ) يعني بالبرد ( من يشاء ) فيهلك زروعه وأمواله ، ( ويصرفه عن من يشاء ) فلا يضره ، ( يكاد سنا برقه ) يعني ضوء برق السحاب ، ( يذهب بالأبصار ) شدة ضوئه وبريقه ، وقرأ أبو جعفر : " يذهب " بضم الياء وكسر الهاء .
( يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ( 44 ) )

( يقلب الله الليل والنهار ) يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما يأتي بالليل ويذهب بالنهار ، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا الحميدي ، أخبرنا سفيان ، أخبرنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قال الله تعالى : " يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر ، أقلب الليل والنهار " قوله تعالى : ( إن في ذلك ) يعني في ذلك الذي ذكرت من هذه الأشياء ، ( لعبرة لأولي الأبصار ) يعني : دلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده .
[ ص: 55 ] ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ( 45 ) لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ( 46 ) ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ( 47 ) )

قوله - عز وجل - : ( والله خلق كل دابة ) قرأ حمزة والكسائي ، " خالق كل " بالإضافة ، وقرأ الآخرون " خلق كل " على الفعل ، ( من ماء ) يعني : من نطفة ، وأراد به كل حيوان يشاهد في الدنيا ، ولا يدخل فيه الملائكة ولا الجن ، لأنا لا نشاهدهم . وقيل : أصل جميع الخلق من الماء ، وذلك أن الله تعالى خلق ماء ثم جعل بعضه ريحا فخلق منها الملائكة ، وبعضه نارا فخلق منها الجن ، وبعضها طينا فخلق منها آدم ، ( فمنهم من يمشي على بطنه ) كالحيات والحيتان والديدان ، ( ومنهم من يمشي على رجلين ) مثل بني آدم والطير ، ( ومنهم من يمشي على أربع ) كالبهائم والسباع ، ولم يذكر من يمشي على أكثر من أربع مثل حشرات الأرض ، لأنها في الصورة كالتي يمشي على الأربع ، وإنما قال : " من يمشي " و " من " إنما تستعمل فيمن يعقل دون من لا يعقل من الحيات والبهائم ، لأنه ذكر كل دابة ، فدخل فيه الناس وغيرهم ، وإذا جمع اللفظ من يعقل ومن لا يعقل تجعل الغلبة لمن يعقل . ( يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ) ( لقد أنزلنا ) إليك ، ( آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ) يعني : المنافقين يقولونه ، ( ثم يتولى ) يعرض عن طاعة الله ورسوله ، ( فريق منهم من بعد ذلك ) ، ، أي : من بعد قولهم : آمنا ويدعو إلى غير حكم الله . قال الله - عز وجل - : ( وما أولئك بالمؤمنين ) نزلت هذه الآية في بشر المنافق ، كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض ، فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقال المنافق نتحاكم إلى كعب بن الأشرف ، فإن محمدا يحيف علينا ، فأنزل الله هذه الآية
[ ص: 56 ] ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ( 48 ) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ( 49 ) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون ( 50 ) إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ( 51 ) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ( 52 ) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون ( 53 ) )

وقال : ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ) الرسول بحكم الله ، ( إذا فريق منهم معرضون ) أي عن الحكم . وقيل : عن الإجابة . ( وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ) مطيعين منقادين لحكمه ، أي : إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم بأنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا بالحق . ( أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا ) أي : شكوا ، هذا استفهام ذم وتوبيخ ، أي : هم كذلك ، ( أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ) أي : بظلم ، ( بل أولئك هم الظالمون ) لأنفسهم بإعراضهم عن الحق . ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ) إلى كتاب الله ورسوله ، ( ليحكم بينهم ) هذا ليس على طريق الخبر لكنه تعليم أدب الشرع على معنى أن المؤمنين كذا ينبغي أن يكونوا ، ونصب القول على الخبر واسمه في قوله تعالى : ( أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) أي : سمعنا الدعاء وأطعنا بالإجابة . ( وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : فيما ساءه وسره ( ويخش الله ) على ما عمل من الذنوب . ( ويتقه ) فيما بعده ، ( فأولئك هم الفائزون ) الناجون ، قرأ أبو عمرو وأبو بكر " يتقه " ساكنة الهاء ، ويختلسها أبو جعفر ويعقوب وقالون ، كما في نظائرها ويشبعها الباقون كسرا ، وقرأ حفص " يتقه " بسكون القاف واختلاس الهاء ، وهذه اللغة إذا سقطت الياء للجزم يسكنون ما قبلها ، يقولون : لم أشتر طعاما بسكون الراء . قوله - عز وجل - : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) جهد اليمين أن يحلف بالله ، ولا حلف فوق [ ص: 57 ] الحلف بالله ، ( لئن أمرتهم ليخرجن ) وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أينما كنت نكن معك ، لئن خرجت خرجنا ، وإن أقمت أقمنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، فقال تعالى : ( قل ) لهم ( لا تقسموا ) لا تحلفوا ، وقد تم الكلام ، ثم قال : ( طاعة معروفة ) أي : هذه طاعة بالقول وباللسان دون الاعتقاد ، وهي معروفة أي : أمر عرف منكم أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون ، هذا معنى قول مجاهد رضي الله عنه . وقيل : معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل . وقال مقاتل بن سليمان : لتكن منكم طاعة معروفة . ( إن الله خبير بما تعملون )
( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ( 54 ) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ( 55 ) )

( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا ) أي : تولوا عن طاعة الله ورسوله ، ( فإنما عليه ما حمل ) يعني : على الرسول ما كلف وأمر به من تبليغ الرسالة ، ( وعليكم ما حملتم ) من الإجابة والطاعة ، ( وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) أي : التبليغ البين . قوله - عز وجل - : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) قال أبو العالية في هذه الآية : مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد الوحي عشر سنين مع أصحابه ، وأمروا بالصبر على أذى الكفار ، وكانوا يصبحون ويمسون خائفين ، ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة ، وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم سلاحه ، فقال رجل منهم : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فأنزل الله هذه الآية ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ) [ ص: 58 ] أدخل اللام لجواب اليمين المضمرة ، يعني : والله ليستخلفنهم ، أي : ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم ، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها ، ( كما استخلف الذين من قبلهم ) قرأ أبو بكر عن عاصم : " كما استخلف " بضم التاء وكسر اللام على ما لم يسم فاعله ، وقرأ الآخرون بفتح التاء واللام لقوله تعالى : " وعد الله " . قال قتادة : ) ( كما استخلف ) داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء . وقيل : " كما استخلف الذين من قبلهم " أي : بني إسرائيل حيث أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم ، ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) أي : اختار ، قال ابن عباس : يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان ، ) ( وليبدلنهم ) قرأ ابن كثير وأبو بكر ويعقوب بالتخفيف من الإبدال ، وقرأ الآخرون بالتشديد من التبديل ، وهما لغتان ، وقال بعضهم : التبديل تغيير حال إلى حال ، والإبدال رفع الشيء وجعل غيره مكانه ، ( من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ) آمنين ، ( لا يشركون بي شيئا ) فأنجز الله وعده ، وأظهر دينه ، ونصر أولياءه ، وأبدلهم بعد الخوف أمنا وبسطا في الأرض .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمد بن الحكم ، أخبرنا النضر ، أخبرنا إسرائيل ، أخبرنا سعيد الطاهري ، أخبرنا محمد بن خليفة ، عن عدي بن حاتم قال : بينا أنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة ، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل ، فقال : " يا عدي هل رأيت الحيرة ؟ قلت : لم أرها وقد أنبئت عنها " ، قال : " فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله " ، قلت فيما بيني وبين نفسي : فأين دعار طيء الذين قد سعروا البلاد ؟ ، " ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى " قلت : كسرى بن هرمز ؟ قال : " كسرى بن هرمز ، لئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب وفضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه ، وليلقين الله أحدكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجم فليقولن له : ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك ؟ فيقول : بلى ، فيقول : ألم أعطك مالا وأفضل عليك ؟ فيقول : بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم ، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم " ، قال عدي : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " ، قال عدي : فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله ، وكنت ممن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - يخرج ملء كفه [ ص: 59 ]

وفي الآية دلالة على خلافة الصديق وإمامة الخلفاء الراشدين . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، أخبرنا علي بن الجعد ، أخبرني حماد هو ابن مسلمة بن دينار ، عن سعيد بن جمهان ، عن سفينة قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ، ملكا " . ثم قال : أمسك خلافة أبي بكر سنتين ، وخلافة عمر عشرا ، وعثمان اثنتا عشر ، وعلي ستة . قال علي : قلت لحماد : سفينة ، القائل ، لسعيد أمسك ؟ قال : نعم . قوله - عز وجل - : ( ومن كفر بعد ذلك ) أراد به كفران النعمة ، ولم يرد الكفر بالله ، ( فأولئك هم الفاسقون ) العاصون لله . قال أهل التفسير : أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه ، فلما قتلوه غير الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا .

أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم المعروف بابن أبي نصر ، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة المعروف بالطرابلسي ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن حميد بن هلال قال : قال عبد الله بن سلام في عثمان : إن الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى اليوم ، فوالله لئن قتلتموه ليذهبون ثم لا يعودون أبدا ، فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له ، وإن سيف الله لم يزل مغمودا عنكم ، والله لئن قتلتموه ليسلنه الله ثم لا يغمده عنكم ، إما قال : أبدا ، وإما قال : إلى يوم القيامة ، فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا ، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا
( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ( 56 ) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير ( 57 ) )

قوله - عز وجل - : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ) أي : افعلوها على رجاء الرحمة . ( لا تحسبن الذين كفروا ) قرأ عامر وحمزة " لا يحسبن " بالياء ، أي : [ ص: 60 ] لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم ( معجزين في الأرض ) وقرأ الآخرون بالتاء ، يقول : لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين فائتين عنا ، ( ومأواهم النار ولبئس المصير )
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.05 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]