
11-06-2022, 11:48 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,593
الدولة :
|
|
رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله

تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 893 الى صـ 898
الحلقة (167)
الثالث : قال الزمخشري : الآية رد على اليهود وتكذيب لهم حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله تعالى : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلى قوله : ذلك جزيناهم ببغيهم وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه ، وامتعضوا مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم . فقالوا : لسنا بأول من حرمت عليه ، وما هو إلا تحريم قديم ، كانت محرمة [ ص: 893 ] على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهلم جرا . إلى أن انتهى التحريم إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا . وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل الله وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل وما عدد من مساوئهم - انتهى - .
قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين أي : في دعواكم أنه تحريم قديم - وفي أمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به ، من أن تحريم ما حرم عليهم حادث لا قديم ، كما يدعونه - أعظم برهان على صدقه وكذبهم إذ لم يجسروا على إخراج التوراة . فبهتوا وانقلبوا صاغرين .
القول في تأويل قوله تعالى :
[ 94 ] فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون
فمن افترى أي : تعمد : على الله الكذب أي : في أمر المطاعم وغيرها : من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون لتعرضهم إلى أن يهتكهم تعالى ويعذبهم .
القول في تأويل قوله تعالى :
[ 95 ] قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين
قل صدق الله تعريض بكذبهم ، أي : ثبت أن الله صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون : فاتبعوا ملة إبراهيم أي : ملة الإسلام التي عليها محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن معه ، والتي هي في الأصل ملة إبراهيم عليه السلام ، حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم ، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه : حنيفا أي : مائلا عن الأديان الزائفة : وما كان من المشركين تعريض بما في اليهودية والنصرانية من شرك إثبات الولد أو إلهية عيسى ، فكيف يزعمون أنهم على ملته ، وما كان يدعو إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى وهو الذي بعث به محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! .
[ ص: 894 ]
القول في تأويل قوله تعالى :
[ 96 ] إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين
إن أول بيت وضع للناس أي : لنسكهم وعباداتهم : للذي ببكة أي : للبيت الذي ببكة ، أي : فيها . وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى . وبكة لغة في مكة ، فإن العرب تعاقب بين الباء والميم كما في قولهم : ( ضربة لازب ولازم ) ، و( النميط والنبيط ) في اسم موضع بالدهناء ، وقولهم ( أمر راتب وراتم ) و ( أغبطت الحمى وأغمطت) . وقيل : مكة البلد ، وبكة موضع المسجد ، سميت بذلك : لدقها أعناق الجبابرة ، فلم يقصدها جبار إلا قصمه الله تعالى ، أو لازدحام الناس بها من بكه إذا فرقه ووضعه وإذا زاحمه ، كما أن مكة من مكه : أهلكه ونقصه ؛
لأنها تهلك من ظلم فيها وألحد ، وتنقص الذنوب أو تنفيها كما في القاموس - وقد ذهب بعضهم إلى أن مكة هي ( ميشا ) أو ( ماسا ) المذكورة في التوراة ، وآخر إلى أنه مأخوذ من اسم واحد من أولاد إسماعيل وهو ( مسا ) مباركا أي : كثير الخير ، لما يحصل لمن حجه واعتمره واعتكف عنده وطاف حوله ، من الثواب وتكفير الذنوب : وهدى للعالمين لأنه قبلتهم ومتعبدهم .
تنبيه :
ذكر بعض المفسرين أن المراد بالأولية كونه أولا في الوضع والبناء ، ورووا في ذلك آثارا ، منها أنه تعالى خلق هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين ، ومنها : أنه تعالى بعث ملائكة لبناء بيت في الأرض على مثال البيت المعمور ، وذلك قبل خلق آدم ، ومنها : أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق السماء والأرض ، وأنه خلق قبل الأرض بألفي عام . وليس في هذه الآثار خبر صحيح يعول عليه . والمتعين أن المراد : أول بيت وضع مسجدا ، كما بينته رواية ابن أبي حاتم عن علي - رضي الله عنه - في هذه الآية قال : كانت البيوت قبله ، ولكنه [ ص: 895 ] أول بيت وضع لعبادة الله تعالى . وفي الصحيحين عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال : قلت يا رسول الله : أي : مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال : « المسجد الحرام » قلت : ثم أي : ؟ قال : « المسجد الأقصى » قلت : كم كان بينهما ؟ قال : « أربعون سنة ، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله ، فإن الفضل فيه » .
قال ابن القيم في ( زاد المعاد ) : وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به ، فقال : معلوم أن سليمان بن داود الذي بنى المسجد الأقصى . وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام . وهذا من جهل القائل ، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه ، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وسلم ، بعد بناء إبراهيم عليه السلام بهذا المقدار . انتهى .
القول في تأويل قوله تعالى :
[ 97 ] فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين
فيه آيات بينات مقام إبراهيم وهو الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد البيت . قال ابن كثير : وقد كان ملتصقا بجدار البيت ، حتى أخره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في إمارته إلى ناحية الشرق ، بحيث يتمكن الطواف منه ، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف ، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده ، حيث قال : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة . قال المفسرون : ثمرة الآية : الترغيب [ ص: 896 ] في زيارة البعض الحرم وفعل الطاعات فيه ، لأنه تعالى وصفه بالبركة والهدى وجعل فيه آيات بينات .
لطيفة :
مقام إبراهيم مبتدأ حذف خبره ، أي : منها مقام إبراهيم ، أو بدل من آيات ، بدل البعض من الكل ، أو عطف بيان ، إما وحده باعتبار كونه بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى ، وعلى نبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، كقوله تعالى : إن إبراهيم كان أمة قانتا أو باعتبار اشتماله على آيات كثيرة . قالوا : فإن كل واحد من أثر قدميه في صخرة صماء ، وغوصه فيها إلى الكعبين ، وإلانة بعض الصخور دون بعض ، وإبقائه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام ، وحفظه ، مع كثرة الأعداء ، ألوف السنين ، آية مستقلة . ويؤيده قراءة ( آية بينة ) على التوحيد ، وإما بما يفهم من قوله - عز وجل - :
ومن دخله كان آمنا فإنه وإن كان جملة مستأنفة ابتدائية أو شرطية ، لكنها في قوة أن يقال : ( وأمن من دخله ( فتكون بحسب المعنى والمآل ، معطوفة على مقام إبراهيم ، ولا يخفى أن الاثنين نوع من الجمع فيكتفى بذلك ، أو يحمل على أنه ذكر من تلك الآيات اثنتان ، وطوى ذكر ما عداهما دلالة على كثرتها - أفاده أبو السعود - . قال المهايمي : فيه آيات بينات رمي الطير أصحاب الفيل بحجارة من سجيل ، وتعجيل عقوبة من عتا فيه ، وإجابة دعاء من دعا تحت ميزابه ، وإذعان النفوس لتوقيره من غير زاجر ، ومن أعظمها : النازل منزلة الكل ، مقام إبراهيم ، الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد البيت ، كلما علا الجدار ارتفع الحجر في الهواء ، ثم لين ، فغرقت فيه قدماه ، كأنهما في طين ، فبقي أثره إلى يوم القيامة . ومن آياته : أن من دخله كان آمنا من نهب العرب وقتالهم ، وقد أمن صيده وأشجاره . - ا هـ - . [ ص: 897 ] قال أبو السعود : ومعنى أمن داخله : أمنه من التعرض له كما في قوله تعالى : ( أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف [ ص: 901 ] الناس من حولهم ) وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام : رب اجعل هذا بلدا آمنا وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب . وعن عمر - رضي الله عنه - : لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسـسته حتى يخرج عنه . ا هـ .
تنبيه :
ما أفادته الآية من إثبات الأمان لداخله إنما هو بتحريمه الشرعي الذي وردت به الآيات ، وأوضحته الأحاديث والآثار . ففي الصحيحين ، واللفظ لمسلم ، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة : « لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا » . وقال يوم فتح مكة : « إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته ، إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها ». فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر ، فإنه لقينهم ولبيوتهم ، فقال : « إلا الإذخر » . ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه ؛ [ ص: 898 ] ولهما ، واللفظ لمسلم أيضا ، عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد ، وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد من يوم الفتح ، سمعته أذناي ، ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي ، حين تكلم به ، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال : « إن مكة حرمها الله ، ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها فقولوا له : إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب » . فقيل لأبي شريح : ما قال لك ؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح . إن الحرم لا يعيذ عاصيا ، ولا فارا بدم ، ولا فارا بخربة .
قال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) : قوله فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما ، هذا التحريم لسفك الدم المختص بها ، وهو الذي يباح في غيرها ، ويحرم فيها ، لكونها حرما ، كما أن تحريم عضد الشجرة بها واختلاء خلاها والتقاط لقطتها ، هو أمر مختص بها ، وهو مباح في غيرها ، إذ الجميع في كلام واحد ، ونظام واحد ، وإلا بطلت فائدة التخصيص ، وهذا أنواع :

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|